كم مر من الوقت .......
17 اسيرا لبنانيا يكتبون تجاربهم في المعتقلات "الاسرائيلية"
دار المسار للعلوم الانسانية
المعتقل والصمت والكلام
ليس هذا الكتاب سابقة. ثمة اسرى اوتوا ملكة الكتابة وكتبوا لكنهم قلة ونادرة، واندر منهم الذين تكلموا على صفحات الصحف والشاشات، واذا استثنينا كتبا قليلة ولحظات نادرة من الظهور الاعلاني بدا لنا ان قدر الاسير ان لا يتكلم، فالاسرى جنس خاص من المناضلين. لم تتم لهم شهادة ولم تتم لهم حياة. بل هم بين بين، نصف شهداء نصف احياء. ما ان يختفي الاسير وراء الجدران حتى يختفي عن الاذن والعين وعن كل اتصال. فالاسر في هذه الحال تغييب تام.
هنا سبعة عشر اسيرا يكتبون ذاكرة الاسر. يكتب كل اسير ليدافع عن وجوده المجتزأ، يدافع عن وجود يخرج به الى النور والحرية ساعة الخلاص. يكتبون ليؤرخوا مرحلة ما حسبوا انفسهم يوما عليها عابرين. يصفون لحظة الاعتقال الاولى، لحظة الاختفاء وراء الجدران، لحظة التغييب التام. من العزل الافرادي، الى السجن الجماعي، فقطعة الخبز المقتسمة وايام التجويع، حياة جديدة اظهرت ما اختزنه كل منهم من قوة. كل منهم يملك، شأن أي انسان اخر، قوة دفينة لا يعرف حدودها، وحده عدوهم دفعهم الى الركض خارج حدود القوة لاستنهاض الذات بكل ما تحمل.
يؤخذ الاسير بتهمة العمل السري في المقاومة. التهمة ستكون اسمه وعنوانه الى ان يكتب له ان يخرج من السجن. ستكون حقيقته ومعناه ما بقي في معتقله، فالايام تدور على الآخرين لا عليه. سيبقى دائما في لحظة السؤال الكينوني، تكون او لا تكون، أي انه في كل لحظة امام مصيره. ينقضي الليل والنهار في هذا اللعب. يدفع صخرة مصيره ليعود فيتلقاها في الاسفل.
سيسأل في المعتقل عن عمله السري الذي انقضى في الكتمان والصمت وسيكون عليه ان ينكره امام المحققين ويسعى الى ان لا يفيد عنه شيئا او يدل اليه شيء. سيكون هذا العمل صخرة كل يوم وسيحمله على عاتقه ليله ونهاره. سينقله من السر الى السر ومن الصمت الى الصمت. سيدفنه في داخله لو استطاع. وان لم يستطع فستجرحه كل كلمة تخرج وسيكون الكلام عذابه. فمن اللحظة التي يغدو فيها اسيرا ليس للاسير الا الخيار المصيري. ان يتكلم او لا يتكلم. مصيره معلق في حنجرته وفمه، معلق بين الكلام والسكوت، بين ان يقول ولا يقول. مصيره في لسانه.
كلمة تخرجه وكلمة تبقيه، سيكون عليه ان يصمت او يتحايل او يكذب ليجر الحديث بعيدا عن الكلام الفعلي، سيكون عليه ان يسكت حتى ولو انطلق لسانه، سيكون نطقه في هذه اللحظة صمتا او حماية للصمت. ان تكلم حقا فستكون هذه مأساته. الكلام صليبه والصمت صليبه وسيبقى طيلة اسره على هذا او ذاك. ان يختنق بسره او يخرجه قطعا من نفسه وفؤاده وحقيقته. فالاسر هو الصمت، ليس صمت الاسير فحسب بل صمت الاسر وصمت الاخوة الاسرى وصمت المكان المنقطع عن الخارج. فلا نشك في ان قدر الاسير ان لا يتكلم وان ما يربيه طوال اسره هو صمته، يدافع بسكوته حين يؤسر ولا تمر عليه لحظة لا يدافع فيها، فالاسر دفاع كل لحظة وكل يوم، ومهما طال الامر لا يغدو السجن حياة ولا يغدو له كلام، بل هو رغم انقضاء الايام تأجيل الحياة وتأجيل الكلام، ان لم نقل انه الحياة خارج الحياة، والكلام خارج الكلام.
من لحظة الاسر يغدو جسد الاسير وحياته لعبة الآسر. عليه من الان ان يمشي معصوب العينين تحت امر آسره الذي يقع من سمعه: امش خطوتين! تراجع خطوة، او ارفع قدمك ام اخفضها! عليه ان يعيا بفضلاته، ان يعاينها في داخله وقتا غير محسوب وان يخرجها احيانا على ملأ من الناس، او يتعلم مصاحبتها في حجرته. عليه ان يحتمل القيد والعقوبة. ان يترك مبللا في البرد، ويرمى للريح، ويعلق ساعات واياما، ويطلق في جسده التيار الكهربائي. عليه ان يعطش حتى الموت. ان يخاف من الجدران التي لا يعرف ماذا تخفي، من قمع في السقف.
على السجين ان يعيش في جوف هذه الآلة الكبيرة التي لا ترحم، وان يغدو هو نفسه الة غيره. الة لا لكونه لعبة آسره فحسب، بل لانه تعرض الى ما لا طاقة لانسان به او عليه. يعصب ويعذب ويعطش ويعرى الجسد والقدمان، وتترك فضلاته فيه اكثر مما يحتمل الانسان والطاقة البشرية.
وفي كتب بعض الاسرى لدى خروجهم من الاسر سيرا طويلة عن فترات اعتقالهم، مع ذلك فان كلام الاسر لم يقل بعد، ومن الصعب ان يقال هذا الكلام المفقود والذي جعلته تربية الصمت مفقودا او شبه مفقود. من النادر ان تعثر عليه الا لمعات واشراقات في ثنايا كلام جله مما قبل الاسر. انه المكبوت الذي يتطلب استدعاؤه صبرا وانتظارا طويلين، وعلينا، اذا شئنا ان نسمعه، الصبر والانتظار. بالتأكيد لا ينوب في هذا المجال واحد عن واحد. لا يمكننا ان نكتفي بما كتبه وقاله اسير او اكثر، رغم ان سير الاسرى تتقاطع وتتشابه في امور شتى. في احوال السجن ويومياته، يقع التقاطع في ما هو عام ومتكرر، ومن العبث ان نعتبر ان حياة الاسر والاسير تختصر في هذا او تنحصر. ان اكتفينا بذلك استسلمنا امام صمت الاسير الذي لا حيلة له فيه. او سلمنا بتضييع هذه التجارب النادرة التي جعلها صمت اصحابها سرا. قبلنا بان تختفي هذه العذابات التي افترست اجسادا وارواحا وتركناها لما هو اسوأ من النسيان. علينا ان نسمع ونسمع الى النهاية كل اسير لنقدر بعد كل ذلك على تمييز الكلام الاصلي واللغة المفقودة للاسر والاسير.
كتابة الذاكرة هي وثيقة حية لكلام يبقى ضائعا ان لم يكتب. الاسر هو ايضا وثيقتنا الحية عن الاعتداء "الاسرائيلي" الذي هو ليس اغتصاب ارض وماء فحسب قدر ما هو ايضا اغتصاب ارواح وانفس واعتداء جسدي. وثيقة حية لفاشية تجعل الجسد والنفس التهاما لما لا يطيقه الجسد والنفس البشريان. ليس هذا الكتاب، بسيرة السبعة عشر، كافيا. انه خطوة لتكوين الوثيقة الحية، خطوة في البحث عن الذاكرة.
الاسرى حين يكتبون، يحترفون لغة الحياد. يحاولون دفع الم الذاكرة بعيدا. الم انتهاك الانسان فيهم خلال فترة الاعتقال. لكن الم الذاكرة عينه يدفعهم الى التحدث عن لحظات ارتجاف اجسادهم من اسلاك الكهرباء الموضوعة في اكثر مواضع اجسادهم حساسية. يتحدثون عن العلاقة مع الجسد الذي اتسخ بالامس، ويتلمسون بايديهم من جديد رأسا اجتاحه القمل وراء قضبان السجن. يتذكرون السطل الذي خصصه سجانهم يقضوا فعلهم الى فعل علني مخجل.
الم الذاكرة؟ نعم ! لكن الذاكرة ليست فقط دراماتيكية ومليئة بالتعذيب الجسدي والدماء. هي ايضا ذاكرة القتل الصامت البطيء، والحياة العليلة المتهالكة. هي ايضا ذاكرة الوقت الذي يقتل ولا يقتل. ذاكرة التهافت التدريجي والتضحية الصامتة والممانعة والصمود والتحولات في الصمت.
الاسر جزء من هذه الحياة الخلفية التي نجد فيها على الاغلب الاشارات الاعمق لعالمنا ووجودنا. ان نروي كل ذلك، قد يكون صعبا. لكن عالمنا ليس فقط السطح، بل الطبقات المتراكمة، وهذه كلما كانت اعمق بدت اقل تصريحا وكلاما. في حفريات الواقع ليس الاسر طبقة ظاهرة، وان اعتبرناها كذلك. قد يكون الاسر نوعا من قشرة متجنبة نحسب اننا اكتشفناها وخبرناها بدون ان نعرفها. نظن انها متضمنة في غيرها او انها هامش لسواها. الظنون كثيرة، لكن الغالب اننا نؤثر المحاطات الدراماتيكية: الشهادة والقتال العلني على تلك العذابات البطيئة الرتيبة الخرساء، على تلك العزلات المخيفة التي لا تترك اشارات ظاهرة صريحة في الجسد. لا تترك في الغالب دما او عطبا. العزلات التي تفترس الروح وتترك الموت والعطب مقيمين فيها.
لا يستطيع الاسر ان يغدو عاديا، انه دراما معزولة ومكسورة وخرساء لكل يوم، لذلك لا يغدو سيرة ولا يترك خط حياة. انه التكرار اليومي لسؤال كينوني. لذلك لا يتقدم السؤال. ان تكون او لا تكون، ان تتكلم او لا تتكلم مراوحة عند المصيري، مراوحة يومية الى حد السأم. ربما لذلك نسمع كلام ما قبل الاسر. ويقول السجين الاسير لدى تحرره الكلام الوحيد الذي يعرفه وهو كلام ما قبل الاسر ويضيع الاسر وكلامه بين قوسين. يضيعان في المفترق، في الحيرة في الالتباس والاشكال، في السؤال الكبير. يضيعان في الشرط الانساني والموقف الانساني، حتى يتجلى الشرط والموقف الانساني في اشد ما هما عليه من معنى.
لهذا علينا ان نسمع الشرط الانساني في حياة الاسير. الشرط الاعمق والاكثر دلالة. ان نسمعه ولو بالانصات العميق والطويل، ولو بالتسقط البطيء لاقل همسة ونبسة. ان نسمعه ولو طال انتظارنا وصبرنا. هذا الكتاب لا يدعي اكثر من ذلك. الاصغاء لكلام مختلط، من الاسر وما قبل الاسر، علنا نجد الجملة المفقودة في حنايا وجع الذاكرة.
يخرج السجين الى الخيبة. يتبدل عالم ما قبل الاسر وخطاب ما قبل الاسر الى حد لا يطيقه. يكون اثناء اسره قد نسيء نفسه او نسيه الآخرون. في الاسر يتعزى الاسير باشباهه، اما بعد الاسر فلا اشباه له. هنا مجتمع الناسين ودولة الناسين. هنا الذين لا يريدون ان يتذكروا باي ثمن.
قيل ان رضوض الاسر لا تنتهي وقيل ان ما بعد الاسر ليس اكثر رحمة من الاسر. انهم الخارجون الكاتبون بوجع، الناطقون باسم الساكتين يكتبون لاولئك الذين لا يعرفون ما حصل هناك. يكتبون باسم المنتظرين دورهم في الخروج الى الحياة.
المجتمع هذه المرة هو وسط الاحلام الذابلة، هو الضياع الاكبر. من يحمل جرح الاسير، من دعوه للكلام؟ من يدعوه ليغادر ولو للحظة عزلته. هذا الكتاب ليس شيئا اخر. امسية مع الاسرى. دعوة كلام للاسرى.
| سهى بشارة | |
| نوال بيضون | |
| كميل ضاهر | |
| لافي المصري | |
| محمد رمضان | |
| مفيد عبود | |
| احمد اسماعيل | |
| رجائي ابو همين | |
| محمد علي خريس | |