كميل ضاهر: المعتقل والصمت والكلام


كنت قريبا من غرفة التحقيق حيث، على ما يبدو، كانوا يحققون مع فتاة، سمعت صراخها ينبعث من الغرفة، فقلت في نفسي: "اذا كانوا يفعلون هذا مع فتاة، فماذا سيفعلون بي؟".

عشية اعتقالي، كنت طالبا في ثانوية شبعا وكنت اشعر بوطأة الاحتلال "الاسرائيلي" وممارساته، كمصادرة منزل او بستان او ابعاد بعض المواطنين وغير ذلك.

في ذلك الوقت وضعني الاحتلال امام خيارين: "اما ان تكون معنا او ضدنا"، وعندما حاول فرض تشكيل ادارة مدنية في القرية تكون تابعة له، ورفض الاهالي هذا الطرح رفضا تاما، مؤكدين التزامهم بمواطنيتهم ومرجعيتهم المتمثلة في الدولة اللبنانية وحدها.

عندئذ ابعد الاحتلال بعض اهالي البلدة، فنزل الرجال والنساء والاطفال الى الشارع يحتجون، وكنت من بينهم. لم يتردد الجنود في اطلاق النار علينا، ما ادى الى اصابة شاب، نقلناه الى مقر الطوارئ حيث عولج.

هذا المناخ التعسفي، عزز رفضي للاحتلال، فانا لبناني واريد ان يكون القانون اللبناني هو مرجعيتي علما بانني لطالما تعرضت مباشرة للارهاب "الاسرائيلي". وفي احدى المرات اتوا الى المدرسة واخرجوني من الصف وحققوا معي..

وفي 1-10-1989 كنت استعد للعام الدراسي. اشتريت كتبي وعدت الى المنزل حوالي الثامنة مساء. وبينما انا اتصفح الكتب والساعة قد بلغت الحادية عشرة ليلا، انقطعت الكهرباء فجأة، ثم اقتحم عدد من الجنود "الاسرائيليين" وعملائهم المنزل بعدما حطموا الابواب. طلبوا من والدي الوقوف الى الحائط، وراحوا يفتشون المنزل.

في تلك اللحظات لم اكن ادري ماذا افعل.. هل ابقى مكاني، في غرفتي ام اخرج واواجههم، ام اختبيء؟ حيرتي لم تدم طويلا، لانهم سرعان ما دخلوا غرفتي. امروني برفع يدي وكنت بالبيجاما، فقلت لهم للوهلة الاولى: "اهدأوا.. ماذا هناك"، سألني قائد المجموعة عن اسمي فاجبته، ثم ابلغني ان المسؤول يريد مقابلتي "وعليك ان تأتي معنا لخمس دقائق". طلبت ان ارتدي ثيابي الا انه اعتبر ان لا داعي لذلك.

ذهبت معهم على ايقاع الاحتمالات التي كانت تراودني حول ما ينتظرني، الا انني حاولت قدر الامكان تخفيف وساوسي فانا لست محاربا حتى يكون ذلك "ممسكا" علي، علما بان باستطاعتهم الباسي اية تهمة اذا شاؤوا.

صعدت في سيارة مرسيدس بيضاء مدنية والبنادق موجهة الي، وفي هذا الاثناء، تولدت لدي شخصية المهرج حتى اكسر رهبة الموقف. قلت لاحدهم: "ارفع بندقيتك عني.. هل تعتقد انني سأهرب؟".

في الطريق، لاحظت ان عددا من سكان البلدة يسهرون فطلبت ان اشرب ولم اكن عطشان. وربما كان ذلك انعكاسا لنوع من الشعور الوجداني العميق بانني اذهب الى مكان مجهول لا اعلم ماذا ينتظرني فيه.

لدى وصولنا الى مركز التحقيق، سألني احدهم ان كنت ادخن، فاجبته بالايجاب فاعطاني سيجارة، لكن بعد وقت قليل، صفعني اخر دون سبب، ثم ادخلني الى غرفة ضيقة جدا فيها جرذان، وكانت الساعة قد قاربت الواحدة فجرا.

في اليوم التالي، استدعاني احد المسؤولين الكبار في المركز وتمنى علي ان اتجاوب معه. ابلغته بانه ليس لدي ما اخبره اياه وانني لم ارتكب أي عمل سيئ الا انه اتهمني بانني ضد الادارة المدنية، فاجبته بان هذا ليس جديدا، ولما سألني عن سبب معارضتي لها، قلت له ان الدولة اللبنانية هي المسؤولة عنا ولا يجوز ان نتبع لغيرها. عندها قال لي: "شو.. بتعرف تحكي. الان سوف تذهب الى مكان يعلمونك فيه كيفية التكلم".

اصعدوني الى سيارة، ووضعوا كيسا في رأسي، وبعد نصف ساعة، وصلنا الى مكان فسيح ومسور، وهناك، سألني احد العملاء:

- هل تعرف اين انت؟

- كلا.

- هذا معتقل الخيام، الداخل اليه مفقود والخارج منه مولود.

ثم انتزع مني ساعتي ونظارتي، واوقفني في زاوية، مع التهديد بان هناك قناصا سيطلق النار علي اذا ما تحركت.

اطل الصباح، وكنت لا ازال بلا طعام. ليلا رفعت الكيس ونظرت من حولي، وعندما لم اجد احدا، جلست على الارض. كنت قريبا من غرفة التحقيق حيث، على ما يبدو، كانوا يحققون مع فتاة، سمعت صراخها ينبعث من الغرفة، فقلت في نفسي: "اذا كانوا يفعلون هذا مع فتاة فماذا سيفعلون بي؟.

مع حلول المساء، بدأ التحقيق معي. قال لي المحقق:

- اخبرني قصتك.

- ليس لدي ما اخبرك اياه.

- اخبرني باي شيء.

- قصتي عادية.. لدي بعض المشكلات مع عائلتي وليس لدي اصدقاء.

- هذا كل ما لديك؟

- نعم.. انت طلبت مني ان اروي لك قصتي.

... وانتهى الحوار بان بدأ المحقق يضربني.

يمارس المحققون عادة لعبة توزيع الادوار، كأن يقسوا احدهم ثم يأتي اخر متظاهرا بانه حريص على المعتقل ويريد مصلحته، لينتهي الى طلب المعلومات منه.

وفي اطار سياسة الترهيب والتعذيب، نزعوا عني ثيابي وعلقوني على عمود ثم صبوا علي المياه الباردة، فشعرت بالصقيع، لكنني بقيت على موقفي. لاحقا ادخلوني غرفة التحقيق مجددا، وكرروا علي الاسئلة ذاتها. اجبت قائلا: "لم يتغير شيء لدي".

راح المحقق يحدد مراميه اكثر فاتهمني بتسهيل دخول مجموعات من المقاومة الى المنطقة وارشادهم الى الطرق. نفيت صادقا، لانني كنت انشط ثقافيا، معتبرا ان لا انفصال بين هذا العمل والعمل العسكري، بل انهما متكاملان، ومما ساهمت فيه على هذا الصعيد، مثلا، كتابة منشورات وتوزيعها.

وعندما اتهمني المحقق بانني اخفي سلاحا وسألني عن مكانه، خطر لي ان اخبره بانه في البستان متوهما ان باستطاعتي حين اقتادهم الى البستان الهرب منهم باية طريقة. في الليل اعدت دراسة الموضوع ووجدت ان من الافضل ان اتراجع عن اقوالي قبل ان اقع في ورطة، فطلبت مقابلة المحقق وابلغته بانني كنت اكذب، قال لي: "هل تلعب معنا؟" ثم تجدد الضرب واصر على انني اخفي سلاحا، وتطورت اساليب التعذيب الى حد استعمال الكهرباء. اعادوا نزع ثيابي عني وبللوني بالماء ووضعوا اسلاكا في يدي سرت عبرها الكهرباء التي قذفتني من جانب الى اخر في الغرفة، الامر الذي افقدني الوعي، ولم استيقظ الا بعدما قذفوني بالماء. لاحقا اصبت بنوع من الشلل نتيجة الضرب المبرح الذي تعرضت له.

في ما بعد نقلوني الى سجن فيه معتقلون عملاء لهم، يتمتعون بامتيازات عدة مقابل الحصول على المعلومات من المعتقلين وتسريبها. ذات مرة كدت اضرب احدهم بعدما اكتشفته، فنقلوني الى سجن اخر هو عبارة عن غرفة مظلمة جدا لا يخترقها سوى ضوء خافت يتسرب من كوة صغيرة، وكان معي معتقل اخر.

ولان الحاجة ام الاختراع، ومن باب ابتكار وسائل للتسلية، لجأت الى ما يمكن تسميته بلعبة الظل اذ كنت استخدم خيوط الضوء الخفيف المتسلل من الخارج، صانعا منها باصابعي اشكالا مختلفة على الجدار، وعندما لاحظني الحراس، سمعتهم يقولون: "يبدو انه قد جن...!".

والواقع ان الاعتقال ينتج نمط حياة هو بمثابة مقاومة.. من داخل السجن. يغوص المعتقلون في دواخل بعضهم البعض، يبوحون باشياء كثيرة، يتبادلون المعارف والآراء، يستعيدون افلاما شاهدوها فيناقشونها، لكن يبقى لكل منا حميمياته التي هي اشبه بـ"عش صغير"، يلوذ اليه عندما يكون وحيدا، لينام او يحلم احلام اليقظة فيتواصل عبرها مع العالم الخارجي واحبائه.

ومن النماذج الاخرى لـ"المقاومة"، اننا اكتشفنا اداة كتابة تمثلت في الورقة التي تغلف قطعة جبنة البيكون، "نروسها" كرأس القلم ثم نكتب بها على بلاط الزنزانة، ولقد شعرت بان ميولي للكتابة تبلورت في السجن على وقع التجربة التي اخوضها، وهي قد اثمرت ديوانا لي بعنوان "جداريات" كتبته بعد تحرري، ومن احدى قصائده:

عندما تتأكد انك وحدك

افتح في جدار سجنك نافذة

ارسم فوق جدار سجنك مرآة

عندما تتأكد انك وحدك

انفخ ذاكرتك في جبال سجنك

تولد امرأة

تأكد انك وحدك

واهرب

قبل ان يأتي الحارس

احيانا، كنت استعين بالطبيعة للتعبير. فاذا امطرت وهبت العواصف، كنت اتفاعل معها واطالبها بان تشتد اكثر، شاعرا بانها تعكس بصوت عال ما يختلج في ذاتي.. ولكنك بالتأكيد لا تريد ان تكون في هذه اللحظات، معلقا على العمود!

والاحلام بدورها، كانت مادة لتغيير الجو، اذ كنا ننشغل في تفسيرها، ومع انني لست خبيرا في ذلك، الا انني كنت غزيرا في انتاج الاحلام، وذات مرة حلمت بانني في مقدمة جيش قديم تاريخيا، وانا اقوده، وقد فسره احد زملائي بانه يرمز الى المعنويات المرتفعة والعزة والكرامة.

وكنا في غرفنا نتعاطف مع الحشرات التي تأتي الى الغرف، فنساعدها وندللها ونوفر لها الطعام، كما نهتم باية مظاهر "فنية" نظفر بها، وهذا ما حصل عندما تلقى احد المعتقلين من ذويه اغراضا من بينها منشفة عليها رسم لبحر وقارب شراعي ونورس، فكان ان حولناها الى لوحة.

... مع حلول راس السنة (1992-1993) افرج عني من ضمن خمسة وعشرين معتقلا، معظمهم مرضى، الا انني منعت من العودة الى بلدتي شبعا، الامر الذي دفعني الى البقاء في بيروت التي تعني لي الان المنفى وليس الحرية. فقط عندما استعيد حقي في الرجوع الى بلدتي، ساعة اشاء اكون قد استعدت حريتي فعلا.

حاليا، انا اعاني من ضمور مركزي في شبكتي العينين، نتيجة الضرب والعتمة والضغط النفسي في المعتقل، ومن شأن وضعي الصحي هذا ان يعيق تطوري في عملي في قسم التصوير في التلفزيون.

وبرغم كل شيء، لقد اعدت انتاج ذاتي في معتقل الخيام، بعدما هدموني، مستخدما انقاضي في عملية البناء.

ان بالامكان استخلاص العبر من كل الظروف مهما كانت قاسية، وعبرة المعتقل ان بالمستطاع اعادة انتاج الذات في أي ظرف.