علي قشمر: المعتقل والصمت والكلام


كان الشرطي يعامل الجميع بنفس الطريقة. كان يسخر من شيبة العجوز ويقول للصغير "اهلا بك في مربى الدلال"..

لعل قصتي تبدأ منذ ان استشهد والدي على يد جيش سعد حداد وهو عائد من خدمته من ثكنة للجيش اللبناني. آنذاك استشهد والدي وعمري ثلاث سنوات ونصف ولي اخ واخت اصغر مني سنا. بعد وفاة والدي تهجرنا من الخيام الى بيروت، الى ان اطل الاجتياح "الاسرائيلي" سنة 1982 ثم الانتفاضة فرجعنا الى الخيام وبقينا حتى سنة 1988 لنكمل المعاناة التي لم تنته. ان فقداني لابي زرع في اللجوء الى حصن يحميني واستمد منه القوة. الله هو الحصن والكهف الذي التجأت اليه منذ صغري بايحاء من نفسي والهام منه سبحانه، وبدأت من هنا التربية الالهية الشريفة فنبت في داخلي حب للاسلام وللمؤمنين.

خلال وجودي في المنطقة المحتلة تعلقت باخواني المؤمنين، وعندما بدأت "اسرائيل" باعتقالهم لاذوا بالفرار فانعدم حينها الجو الايماني واصبح من يصلي محط انظار العملاء الذين اخذوا يتربصون به.

كنت ارى ان هناك مكانا واحدا تتجه نحوه انظاري واراه من نافذة بيتنا حجرا حجرا هو معتقل الخيام. كنت اجلس على سقف البيت في خيمة اصطنعتها لنفسي انظر من داخلها الى المعتقل واتخيل ما فيه، حتى وصل بي الامر ان دعوت الله سبحانه وتعالى ان اسجن فيه لكثرة ما شدني فكري اليه.

لاحقا عندما اعتقلت، كان الوضع طبيعيا بالنسبة لي، فقد سبقه تمهيد من قبلي لما سيحدث، ولكن ما ان وصلت الى داخل المعتقل حتى لم يعد يسيطر على تفكيري سوى ما كنت اسمعه عن العذاب في المعتقل، وكان عمري حينها اربعة عشر عاما. كانت هذه الصدمة الاولى التي اتلقاها من هذا النوع. عندما بدأ التحقيق معي كنت اتوقع الشفقة من هذا العدو وكنت اقول في نفسي انهم عندما يعلمون ان عمري اربعة عشر عاما سوف يشفقون علي، ولكن حدث ما لم اكن اتوقعه، اذ انهم بدأوا يضربونني ويكيلون لي الشتائم فيما اطلب منهم الرحمة والاستعطاف. وعندما كانوا يضربونني لم اكرههم وتمنيت لو انهم يرفعون الكيس عن رأسي. ولكن هيهات تنادي قوما لا تلين قلوبهم.

وفي التحقيق بدأوا يوجهون لي التهم وانا انكر، وعندما ينهال الضرب علي اقول لهم "طيب، امهلوني لحظة لكي افكر". كنت اقول هذا ليتوقف الضرب لحظات ويتغير وجه التحقيق. ولكن عندما كانوا يوقفون الضرب استجابة لطلبي ويجدون ان ليس هناك اعتراف مني يعاودون من جديد ما هم عليه، وعندما اعود الى الغرفة يتلقاني عميل تابع لهم ويقنعني بان اعترف.

بقي هذا السجال عدة ايام حتى بدأوا يقولون لي : "نحن دخلنا الى مكتب حزب الله ورأينا اسمك هناك وانت موكل بكذا وتراقب فلانا وفلانا".

انا ابن هذا العمر لم استطع ان اتحمل كل هذا، فبدأت اقتنع منهم وعندما اعود لعقلي لاناقش هذه الفكرة عقليا يؤنبني ضميري على ما افكر، ولكنهم كانوا يوهمونني دائما بانني مسؤول كبير، فوقعت في حالة نفسية عصيبة، ولكي اتخلص من هذا الصراع الفكري قلت: "فلاعترف لهم بما يريدون واخفف عني العذاب!" قلت لهم اني احب المقاومة الاسلامية واكره "اسرائيل" من خلال الواقع الذي اراه. ولكن ما ان قلت هذه الكلمة حتى امسكوا رأس الخيط وبدأوا يريدون مني اكثر. قلت لهم ان يمهلوني يوما لكي اجمع لهم قصتي كاملة. عدت الى الغرفة وقلت للعميل ساعدني لكي نجد قصة تنجيني من هذا الكابوس، فانتزعوا بعدها عدة اعترافات كاذبة ولكن في نهاية التحقيق نفيتها. قالوا لي: "ما عاد ينفع صارت المعلومات مع الكمبيوتر والمخابرات "الاسرائيلية"".

انتهى التحقيق عند هذا الوضع، وعندما نقلت الى "عند الشباب" اقنعوني بان اواصل مطالبتي بالحرية لكي لا يذهب عمري في السجن. طالبت كثيرا ولكن لا تجاوب من احد. اما الشيء الذي لم يفارقني فهو التعلق بالامل.

عندما انتهى التحقيق معي نقلت من الغرف التي يوجد فيها العملاء الى "غرف الشرفاء"، وما ان رأيت وجوههم كيف هم مصطفون على الباب لاستقبالي، تنفست الصعداء، ووجدت ما كنت احلم به. عندما ادخلوني اليهم بدأوا بتقبيلي وبدلوا ملابسي وخاطوا لي "بيتا" للفرشة الذي بقي سنتين دون غسيل لندرة المياه، حتى كانت اذا مشيت عليه في الصيف "يلتصق باسفل رجلي من سماكة الدهن والعرق"، كما اصاب القمل جسمي، من قلة المياه ورؤية الشمس، وامتلأ وجه الفراش منه وبدأت انهش لحمي حتى سالت مني الدماء. اصابني القمل، فدهنت دواء على جسمي ولم اغسله بالماء واستيقظت في منتصف الليل وقد سلخ جلدي عن عظمي، فبدأت بالصراخ وكأن النار قد اشتعلت في جسدي. خمس سنوات والحساسية التي تشبه الجرب لم تفارقني.

استعملت لها كل ما رأيته امامي، من دواء العملاء الى الملح وحامض الليمون ومعجون الاسنان وحف جسدي بالحائط.

عندما علم الشباب بعمري اندهشوا وصرخوا لجيرانهم ليخبروهم بالامر، فبدأت الاسئلة تنهال على غرفتنا "طمئنونا عنه كيف هي حاله؟ هل يتحمل الحبس؟ هل عذب كثيرا؟" كل غرفة كانت تتمنى لو كنت فيها، وكنت احس بالراحة عندما اسمعهم يسلمون على بعضهم، يتكلمون بكلام لم اسمع به مطلقا في منطقة الشريط، كأن يقول احدهم للاخر صباح الخير فيرد عليه "الله يصبحك بانوار النبي". واذكر ان الغرفة التي في جوارنا ارسلت الي ملابس فغضب الاخوان الذين في غرفتي وعاتبوهم معتبرين انهم مكلفون الحفاظ علي. لم اشعر بالبعد عن اهلي ولا بالنقص لانهم افاضوا علي الكثير، كنت اقوى بهم، واذا وقعت لنا واقعة كنت اجلس بجانب احدهم لكي يرفع من معنوياتي.

هكذا مرت السنون، كنا نتناقش فيها في كل الامور. لم نكن على مستوى واحد من الفهم والوعي والصفات الحسنة، ولكن كثيرين منا كانوا يملكون ثقافة عالية ومعلومات علمية كبيرة كانت تتناقل بالسجن، وكنا نحاول حفظها. اما عن الحالة الايمانية، فالسجن يساعد كثيرا على التفكر في الله. فهناك فرق كبير في ان يجلس الانسان مع انسان مثله، وان يكون بين يدي رب الانسانية جمعاء. هذه العلاقة مع الله كانت هي القاعدة للانطلاق في هذه الحياة، فهي تعطي للحياة نظرتها الواقعية وتجعلك تجلس مع نفسك كثيرا. كما ان السجن يجعل عندك عطشا للعلم وخاصة للسياسة والاجتماع والدين.

من الصعب ان تترك الاطلاع على هذه المسائل الا اذا كانت الحياة التي تحياها صعبة، وهذا ما كان يحصل لنا. اما في وقت الفراغ فنعود للحديث عن السجن وآلامه، عن الشيخ الكبير الذي نزف الدم من اذنيه، وعن الفتاة التي تكسرت العصا على ظهرها، وعن الشباب الذين كانت روحهم اهون على العملاء من تقشير بصلة، وعن الفتيان الذين هم دون سن الثامنة عشرة، الذين "وهلوا" في بداية الامر ثم تعودوا على هذا الواقع مع مضي السنين.

لم يكن الشرطي يميز بين شيخ كبير وفتى صغير باستثناء بعض الحالات الشاذة التي تكون من لطفه تعالى. كان الشرطي يعامل الجميع بنفس الطريقة. كان يسخر من "شيبة العجوز" ويقول للصغير "اهلا بك في مربى الدلال".

لكن هذه الامور لم تمنعنا من ان نفكر باخواننا في الخارج، فكنا نتألم لاحداث المستضعفين في العالم حتى يكاد حزننا عليهم ينسينا ما نحن فيه. لقد كنا مع العالم في المسجد والمقاوم في خندقه، وحين نرى وجوه الشرطة شاحبة اثناء وقوع العمليات كنا نقول "بوركت الايادي". كنا نشعر بالعبء الذي القيناه على كاهل الذين حملوا "لواء المقاومة" ولم يرموا سلاحهم ولم يغلقوا الحديث عنا.

وعندما نذهب الى المستشفى والكيس في رأسنا والقيد في ايدينا ونمشي كالعميان كان بعضنا يحظى بكيس مثقوب على عينيه فيرى وجوه الناس الذين ينظرون اليه والدمعة في اعينهم وعندما يصل اليهم ويمر بجانبهم، لا شعوريا كانوا يقولون لنا : "انتبهوا يا روحي كي لا تقعوا على الارض" فيبادرهم الشرطي بالتجريح. كنا نشعر بانهم متألمون اكثر منا. وكنا متأكدين ان "اسرائيل"، على مدى سنوات احتلالها الطويلة للمنطقة، لم تقدر على ان تستعمر النفوس والقلوب كلها، لانه ما زال هناك اخوان واهل يشاركوننا آلامنا واحزاننا.

لقد شعرت في البداية بان في هذا السجن نظاما مدبرا ومخططا له من قبل "اسرائيل" حتى يجعلوا منك حيوانا لا تفكر الا باكلك وشربك وتجميد تفكيرك، حتى تقسم على ان لا تعيد الكرة وتستسلم للمخطط "الاسرائيلي" وللجيش الذي لا يقهر! انا لم اواجه هذا المخطط بان درسته وعرفت خفاياه وكيفية الرد عليه ولكن واجهته تلقائيا وبديهيا.

فانا مؤمن بالله واعرف ما هي مخططات "اسرائيل"، فانا على فطرتي اكره الظلم والارهاب، ولم تزدهم طريقتهم الا خسارة، وكلما اشتد علينا البلاء لجأنا الى الله اكثر فاكثر.

اصبحنا نحس عندما نكون مرتاحين ان قلوبنا قست، واحيانا كنا نتمنى ان نحزن لكي نشعر بالانس بالله ونكون معه، ذلك انه كلما اشتد عذابك قرب الفرج. انا اتكلم طبعا عن المؤمنين الذين يؤمنون بهذه الطريقة. خاصة اذا كان الانسان يعتقد ان هذه الحياة مجرد ايام وتنتهي، فيكون جسده في هذه الدنيا ولكن روحه تكون معلقة بالمحل الاعلى. نعم، البعض يعلمون ان حياتهم جهاد ضد الشر والاعداء وصراعهم لا ينتهي معهم.

وكنا عندما نتذكر الشهداء الذين قاموا بهذا العمل ننكس رؤوسنا خجلا. لم نفكر يوما باننا قمنا بعمل بطولي كبير. لقد اندهشنا كثيرا عندما خرجنا من المعتقل ورأينا هذا الاستقبال الحافل. والدهشة كانت ايضا هي ان الدولة اللبنانية كانت تستقبلنا بشخص رئيس الحكومة الذي وعد بان يدمج الاسرى في المجتمع واعترف بان لنا حقوقا على الدولة وعليها واجبات تجاهنا، ولكن حتى الان لم يطبق هذا الكلام فعلي وكما يجب.

انا الان اصبحت من الاحرار الذين خرجوا من السجون لكني لست بكامل راحتي، ذلك ان هناك غصة في داخلي وهي اخواني الذين ما زالوا في الاسر.

ولكن اقول لكل من اراد الدخول بذهنه الى داخل المعتقل، اني اذا اردت ان استذكر لحظات السجن وكيف قضيتها قياسا بالحرية التي انا فيها الان فلا اقدر ان اتصور كيف كنت اعيش وكيف تحملت هذه السنين. الا انني لا انسى ان هناك اللطف الالهي الذي يعطينا القوة والمعنويات وهناك العقيدة والايمان، اذ بهما يتحول السجن الى حديقة، وتتحول اشواكه الى ورود وجحيمه الى جنة ومرارته الى حلاوة.