حسين خليفة: المعتقل والصمت والكلام


كيف يعقل تقبل ان الشاب الذي قضى نصف عمره خلف القضبان عاجز عن تأمين السكن لعائلته وهو الان مهدد من شركة الكهرباء بقطع التيار لانه عاجز عن دفع الفاتورة ومهدد من صاحب المنزل بان يرميه في الشارع لانه عاجز عن دفع اجرة البيت!.

 

انا المحرر حسين محمد عباس خليفة، اعتقلت اثر عملية "انتحارية" داخل الارض المحتلة واطلق سراحي في عملية التبادل في العام 1985.

ان الكلام او الكتابة عن تجربة معينة تفترض الامانة والدقة، خاصة ان هذه التجربة كانت في وقت ما، بل ما زالت، قضية وطن وشرف امة، لهذا ارى ان من واجبي ان اظهر للرأي العام اللبناني بشكل خاص والعربي والعالمي بشكل عام، حقيقة العذاب والقهر اللذين تعرضت لهما وزملائي داخل المعتقلات، والتجاهل الكامل للسلطة اللبنانية لهؤلاء الشرفاء بعد الاعتقال، املا ان تكون هذه الحقيقة مواساة لرفاقي واخواني الذين ما زالوا يقبعون خلف الاسوار يسطرون اسمى آيات البطولة في وجه الغطرسة الصهيونية الزائفة، وكذلك عزاء لاخواني الذين اجبر العدو على اطلاق سراحهم ولم يجدوا العناية من احد وهم بامس الحاجة اليها.

ان العذاب كلمة عامة، لكن لها وقعها الخاص داخل المعتقلات، خاصة وانت تواجه عدوك مجردا من اية وسيلة سوى وسيلة واحدة هي الارادة التي يحاول تواجه عدوك مجردا من اية وسيلة سوى وسيلة واحدة هي الارادة التي يحاول العدو علنا تفتيتها باستخدام كل اشكال واساليب التعذيب والقهر النفسي والجسدي، بدءا بالضرب على كل اعضاء الجسم بالهراوات الخشبية والبلاستيكية خاصة على الرأس والاعضاء الحساسة مرورا باللدغ بالكهرباء لساعات طويلة تحت عين الشمس وانت مكبل اليدين على العمود وقدماك مرفوعتان عن الارض، فيما يتم ادخال ادوات حادة في الاعضاء التناسلية ونزع الاظافر بكل برودة اعصاب، فضلا عن التجويع والتعطيش واجبارك على شرب الماء الآسن واكل الاوساخ وحمل الاوزان، وتهديدك بهتك الاعراض امامك وبقتل الاهل، اضافة الى رشك بالغازات المسيلة للدموع والمحرمة دوليا وخاصة في الاماكن المغلقة.

كل هذا العذاب فقط من اجل ان ينتزعوا منك اخر وسيلة لصمودك في وجههم الا وهي الارادة، هذه الارادة التي منحها رب العالمين لعباده ولم تمنح من احد لاحد، كل هذه الاساليب في التعذيب، لم تفلح في انتزاعها.

يستنزف العدو قوتنا كاملة، ثم يلجأ الى اساليب خسيسة فيضعنا داخل زنزانة ضيقة لدرجة يتعذر علينا ان نتمدد داخلها ويسمعنا اصوات اطفال يتعذبون ونساء يغتصبن وكهلة يضربون. هذا الكابوس يستمر بين شهر وثلاثة اشهر، كل هذا من اجل كسر ارادتنا وتحويلنا الى كم مهمل لنكفر بالمبادئ والقيم والاخلاق، ونصبح اداة طيعة بايديهم، لكن كل هذا العذاب لم يزدنا الا قوة وعنفوانا. بعد خروجنا من السجن الافرادي يعمل العدو على ادخالنا الى غرفة تكتظ بالمعتقلين لادراكه اننا سنتسبب بالمشاكل لزملائنا: بالفعل في بداية الاعتقال، عندما كانت تجربة المعتقلين لا تزال متواضعة، كانت هذه الحالة تسبب الكثير من المشاكل، الا اننا ادركنا الاهداف الدنيئة التي كان العدو يبتغيها، وهي تقاتل المعتقلين الذين حال وعيهم دون تحقيق اهدافه ووضع العلاج اللازم لها. وعندما ادرك العدو فشل اسلوبه الخسيس هذا، عمل على وضع جواسيسه المكشوفين لنا في غرفة وادخال المعتقل الجديد اليهم فور خروجه من الافرادي ليقوموا بما عجز العدو عن القيام به. فور دخوله الغرفة يستقبله الجواسيس بالترحيب والتبجيل، وبعد ذلك يسألونه الى اية جهة ينتمي بناء على طلب المخابرات، وبعد ذلك يتهمونه بالعمالة ويقومون بضربه لدرجة ان العديد من المعتقلين اصيبوا بعاهات دائمة، وبعض اصحاب النفوس الضعيفة تعاملوا مع العدو بسبب تصرف الجواسيس معهم، وهذا ما جعلنا في العام 1981 نقوم بحملة ضد هؤلاء العملاء وخاصة اولئك الذين سببوا عاهات دائمة لزملائنا.

ان هذه الارادة كانت نتيجة ايماننا بوطننا وشعبنا، كانت السلاح الاوحد لمواجهة كل اساليب التعذيب التي حرمت دوليا والتي شجبتها منظمة حقوق الانسان ومنظمة العفو الدولية، كذلك الشرائع الالهية والانسانية، برغم ذلك، ما زال العدو الصهيوني يمارسها على المعتقلين داخل المعتقلات ضاربا عرض الحائط بجميع القوانين الالهية والانسانية لان مجلس الامن وقراراته وجدت للمحافظة على وجود هذا الكيان الصهيوني وليس لفرض القرارات عليه.

وعلى رغم ما يذكر عن حياة الاعتقال يبقى عذاب الاعتقال اكثر الما ومرارة مما يتصوره الآخرون، وهنا لا بد من ان نتذكر ان للحرية ثمنا ولا بد من ان يدفع، لان التحرير والحرية لا يعطيان من احد بل ينتزعان انتزاعا، ونحن الذين قبعنا خلف الاسوار انما من اجل انتزاع حرية شعبنا ووطننا من براثن الاحتلال الفاشي على ارضنا الحبيبة. لكن للاسف، وهنا تكمن المفارقة العجيبة، رغم ما نعانيه من تجاهل السلطة للمعتقلين بعد الافراج عنهم، على الرغم من سني الاعتقال الطويلة والمعاناة والآلام التي نتذوقها يوميا بل كل ساعة ودقيقة، بقي عزاؤنا الوحيد والاوحد ثقتنا بعدالة صراعنا مع العدو الصهيوني من اجل تحرير الارض والحرية.

اننا كمعتقلين لم نطلب ان نكون مميزين عن افراد الشعب، لكن اليس من واجب الحكم والحكومة ان يمدا يد العون لهؤلاء الاسرى والمقاومين الذين اخذوا على عاتقهم القيام بما عجزت الدولة عن القيام به وهي التي لا تكف عن النطق بعبارات المقاومة والتحرير. والغريب ان الحكومة كثيرا ما تتكلم عن مساعدات طبية واجتماعية وحتى مادية للاسرى، لكن هذا الكلام لم يتعد الكلام الاعلاني والاعلامي للفوز بمنصب معين او لكسب عطف الشعب وثقته، اما في الحقيقة فاننا لم نر اية مساعدة من هذه الدولة التي تدعي التحرير والحرية. لا مساعدة طبية ونحن بامس الحاجة اليها، ولا اجتماعية ونحن عاجزون عن تأمين الحد الادنى من الحياة الكريمة. فكيف يعقل تقبل ان الشاب الذي قضى نصف عمره خلف القضبان عاجز عن تأمين المسكن لعائلته وهو الان مهدد من شركة الكهرباء بقطع التيار لانه عاجز عن دفع الفاتورة ومهدد من صاحب المنزل بان يرميه في الشارع لانه عاجز عن دفع اجرة البيت!.

اين هذه الحكومة لتقف الى جانب هؤلاء الذين كانوا سبب وجودها، ولولا هؤلاء المقاومون الشرفاء لما كانت الدولة تنعم بالسيادة والسلطة حتى على نفسها، وكم هم غريبون رجالات السلطة والحكم يكذبون كذبتهم، وبعد ذلك يأخذون بالدفاع المستميت عنها ثم ينتظرون ضيفهم السياسي العزيز الى قلبهم ليسارعوا الى تطويقه بالاوسمة وكأن هناك فائضا منها... هذه الاوسمة التي لم نرها على صدور الشرفاء بل لا نقبل بوضعها لان اوسمتنا حصلنا عليها عندما مسحنا العار عن جبين هذه الامة الغارقة حتى قمة رأسها بالاذلال الاميركي الصهيوني.