سهى بشارة: المعتقل والصمت والكلام


في تمام الساعة الثامنة الا خمس دقائق مساء، كانت زوجته موجودة، ابنه ربيع، ابنته وسيزار صقر.. وفيما كان لحد يتكلم على الهاتف، وبدلا من ان ارمي مفاتيح النادي، شهرت مسدسي ضده واطلقت عليه النار.

 

تربيتي كان مليئة بالحنان والكثير من الشفافية سواء من الوالد او الوالدة، خصوصا انني البنت الصغرى بين ثلاثة ابناء. بدأ انتمائي الايديولوجي عام 1982 وكان عمري آنذاك اربعة عشر عاما، فانخرطت في العمل المقاوم من اجل تحرير الارض التي تحتلها "اسرائيل" في لبنان، من اجل تحرير الام والاب الاخ والاخت.

لقد كان الواجب يدعوني، فتجاوزت الوقوف امام نمط تربيتي ومشيت في مشروع الاقتصاص من العميل انطوان لحد. كنت قد اتخذت هذا القرار بيني وبين نفسي قبل الانتساب الى المقاومة تنظيميا وذلك رغما عن معرفتي الصعاب التي كان علي ان اتخطاها لانه في النهاية يجب ان اؤدي واجبي تجاه المقاومة. لذا، عندما دخلت اطار المقاومة، لم اتردد ابدا في تنفيذ اغتيال العميل لحد شخصيا.

في البداية كانت ثمة اقتراحات عدة لتنفيذ العملية اما باستعمال عبوة او قذيفة ب-7، لكن قراري الذاتي كان ان استخدم المسدس واتوجه الى لحد مباشرة، الى رمز العمالة "لاسرائيل".

من اجل تنفيذ هذا القرار تكونت عدة مجموعات، على ان تقوم بالتنفيذ المجموعة التي ترى انها الاقرب الى تحقيق الهدف. وكان لي حظ الاحتكاك بزوجة العميل لحد في النادي الرياضي في مرجعيون وهي تبحث عن معلمة رياضة بدنية. صدفة عرفت بالامر وقدمت خدماتي التي قبلتها: شعرت وقتها بسعادة كبيرة.

بعد ذلك بدأنا بالتفكير بسيناريوهات متعددة للتحرك، والفكرة الاولى هي الصدام المباشر وقد اقررناه. لم يكن مطلوبا مني ان انفذ العملية شخصيا الا انني اصررت على تنفيذها.

وعشية التنفيذ خططت لان اذهب الى منزل العميل لحد بذريعة تسليم مفاتيح النادي، وفيما هو يهم باخذها اطلق عليه الرصاص. هذه الصورة كنت قد رسمتها في خيالي قبل الاقدام على تحقيقها.

هنا تجاذبتني بعض الافكار، اذ لا استطيع ان اؤكد انني لم تعترني مشاعر ما قبل العملية، فانا كنت قريبة من العائلة والاطفال والزوجة، ولكن هذه المشاعر كانت من ناحية الشكل وليست على صعيد العزم والتنفيذ. كنت اقول لنفسي هل اطلق النار عليه في حال وجود ابنه او زوجته؟ ثم حسمت الامر، فالطلقة يجب ان تكون موقفا مباشرا ضد العمالة، ضد تقسيم لبنان وجميع المشاريع الصهيونية. وكان القرار بان انفذ العملية، مهما اقتضى الامر، ضد العميل انطوان لحد وليس ضد الوالد المستور في منزله.

مع مجيء الساعة المحددة، في تمام الساعة الثامنة الا خمس دقائق مساء، كانت زوجته موجودة، ابنه ربيع، ابنته وسيزار صقر اضافة الى الخادمة، وفيما كان لحد يتكلم على الهاتف، وبدلا من ان ارمي له مفاتيح النادي شهرت مسدسي ضده واطلقت عليه النار. لا استطيع ان اصف باية حالة كنت، ولم تكن تلك المرة الاولى التي اطلق فيها النار اذ كانت قد خضعت لدورة تدريبية لانني لم اخضع قبلا لدورة عسكرية فعلية.

وقتها لم يكن هناك مجال لقول أي شيء، فلحد كان مسلحا ايضا، وكان علي ان اسبقه قبل ان يسبقني، لذلك اطلقت عليه الطلقة الثانية. اخذت زوجته بالصراخ فرميت المسدس وتوجه نحوي سيزار صقر فثبتني وقيد حركتي وسألني بالفرنسية لماذا قتلته؟ ومن انت؟ فقلت له: "سهى بشارة، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، منتمية الى الحزب الشيوعي." اخذني رجاله واخرجت من منزل لحد الى مركز الامن التابع له وهناك تعرضت للجلد ووضعوا المسدس على صدغي فيما كان المسؤول يصرخ بهستيريا من ارسلك؟ قولي؟ ثم راح يجلدني، فقلت له جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، لكنه استمر يصرخ ويخبط ويجلد. نقلوني من جديدة مرجعيون الى معتقل الخيام ومنه الى الجديدة مجددا فالى "اسرائيل" ومن ثم الى معتقل الخيام.

خلال تلك الفترة لم افكر في ما سيحصل، بل وضعت في ذهني امكانية مواجهة الحد الاقصى ووضعت احتمال الاعدام امامي، اذ لا اعتقد ان امرا يفوق ذلك خطورة سيصيبني، وكنت شبه واثقة بانني ساعدم، لذلك لم اعد افكر في شيء اطلاقا على الرغم من انني كنت اصرخ بالطبع عندما اتعرض للصدمات الكهربائية خلال عمليات التحقيق التي توزعت بين "اسرائيل" والجديدة ومعتقل الخيام. لكنني اذكر انني خلال نقلي بين الجديدة ومعتقل الخيام في صندوق السيارة قلت في نفسي ان المشوار طويل والليل طويل، فلم لا اخذ بالغناء! لن اسهب في ذكر حالات التعذيب، لكني من اجل مواجهة ذلك اتخذت اجراءات عملية لاقوى على مواجهة هذه الحالة. فعندما كانت يداي تتعرضان للصدمات الكهربائية مثلا كنت الجأ الى التمارين الرياضية لليدين والكتفين.

لم اكن اشعر ابدأ بالاهانة من كل ذلك، فجرحي لا يوازي جرح الاحتلال. غير ان ما احزنني هو عندما اعلموني ان لحد لم يمت. لم اصدق في بداية الامر، ولكن عندما جلبوا الى جريدة لبنانية غطيت كل عناوينها الا واحدا يقول: "محاولة لاغتيال لحد" عندها تأكدت من الامر.

خلال فترة التحقيق التي استمرت ثلاثة اشهر، اعتقلوا والدتي التي كانت في دير ميماس من اجل الضغط علي، وحصل لقاء بيننا في السجن وكنا "مكيستين" (الرأس داخل كيس اسود). وقتها طلبت مني امي: "احكي كل شيء عن الجميع حتى نخلص ونخلصك".

لا استطيع هنا ان اقول ان اعتقال امي شكل ضغط علي، فكل يوم هناك العديد من الامهات اللواتي يدخلن المعتقل فـ"يسواني ويسواها ما يسوى الناس".

مع السجن بدأت مرحلة جديدة من حياتي، وكنت اقول في نفسي انه لا بد لي من ان اكمل الطريق التي اخترتها حتى النهاية، لذا يجب ان ابقى قوية، فتجاهلت انني في السجن واوجدت مشاريع خاصة بي. حتى في السجن الافرادي لم تتوقف نشاطاتي، خصوصا في ما يتعلق بالرياضة، حيث لم اعتبر ان لدي مشكلة، بل قلت في نفسي عندي مشاريع ويجب ان انهيها، مثل الرياضة والاغاني والشعر الذي كنت احفظه واردده. كما كان هناك الرسم والاشغال اليدوية وكل ما هو فنون ادبية، كلها مواهب جديدة اوجدتها داخل الزنزانة. ساعد في ذلك وسائل اتصالات بسيطة ابتكرتها السجينات، الامر الذي ساعدنا على الاستمرار. هؤلاء السجينات لا ازال اذكرهن دوما وافتقد وجودهن معنا في الحرية.

لقد تبادلنا الافكار، لكن الاحترام كان يسود الحضور حيال القناعات المختلفة. وهكذا استطعنا قبول واحدتنا الاخرى.

هذا الامر بث فينا روح القوة والعزيمة، حتى عندما كنت اسأل اذا كنت اسأل اذا كنت متضايقة من السجن الافرادي كنت اقول: "كيف اكون وحدي ومعي كل الشباب والصبايا؟" وعندما كان يخرج أي معتقل منا لمقابلة ما، كان يتحدث باسم الجميع، لذا ليس كثيرا علينا ان نضع اسماءهم الى جانب اسمائنا ونقول: "نحن".

وهكذا كانت تتوالى السنون، واحدة تلو الاخرى، واحتمالات اطلاق سراحي شبه معدومة، لا سيما ان لحد كان يصر دائما على عدم تحريري. لذا كنت اعالج وبقية الاسيرات مسألة الافراج من خلال التحاليل السياسية وليس من منطلق الرغبة الشخصية، فعمدنا الى تحليل الاوضاع عموما وربطنا تحريرنا بتطوراتها وتأكدنا من ان الافراج عنا مشروط بتغييرها. لقد كنا متفائلات لكون المقاومة مستمرة، وكنا نسمع بعمليات كثيرة ومهمة في سجد وجبل الريحان من خلال "الصبايا الجديدات". لقد كانت المقاومة مستمرة، سواء اكانت اسلامية ام مؤمنة ام وطنية، فالمقاومة واحدة وهي شرف لنا.

حصل لاحقا ان تطابقت افكارنا مع توقعات الاعلام وتغيرت الاوضاع، ثم جرى الافراج عني، واول ما فعلته كان معانقة الوطن والحرية والعائلة، واول ما شاهدت كانت الاشجار الباسقة باعناقها الى السماء.

لقد كانت الحرية في انتظاري، كيف لا والانسان يولد حرا ويبقى حرا. لقد شكل السجن لي مواجهة واكتشافا للذات وامتحانا للنفس بالنسبة الى موقع الوطن لدي، خصوصا ان اناسا كثيرين دخلوا الى معتقل الخيام ولكن - للاسف - خرجوا عملاء!

معتقل الخيام، اتمنى ان لا يهدموه، فلربما دار الزمان ووضعنا العملاء فيه لانهم شكلوا دمارا للانسان. لكننا استطعنا ان نحول زنازيننا الى قصور وجعلنا المكان نفسه عامرا من خلال ايجادنا لشخصياتنا والتشبث بقناعاتنا.