لافي المصري: المعتقل والصمت والكلام


وخلال فترة التحقيق هذه يقول المحقق للسجين اعترف بكل ما تملك من معلومات واذا لم تعترف فسنريك اهلك عراة من الملابس امام عينيك وسنفعل بهم كذا وكذا...

يتعرض كل معتقل خلال التحقيق للتعذيب الجسدي والنفسي معا. ومرحلة التعذيب النفسي تستمر بعد انتهاء التحقيق ايضا. التعذيب الجسدي يبدأ اولا بوضع القيود الحديدية في اليدين واحيانا في الرجلين. يوضع كيس على الرأس بحيث لا يعود السجين يرى أي شيء اضافة الى عصبة تشد على العينين. يؤمر المعتقل بأن يركع على الارض ويبدأ التحقيق والضرب في آن واحد.

كابل كهرباء مجدول يسمى "كرباج" يضرب المعتقل به على قدميه ويديه وسائر اعضاء جسمه ثم تستعمل الكهرباء في اصابع اليدين والرجلين وفي قضيبه، ويرافق هذا التعذيب نوع من الشتم البذيء بحيث تكاد المجارير تشمئز من لسان هذا المحقق. وعندما يكون وضع اليدين الى الاعلى يتلقى المعتقل الضرب بالارجل على معدته، مما يسبب له الما والتهابا، وكذلك على القفص الصدري مما يسبب تكسرا في الاضلاع. ومنا من نتعرض للضرب بخشب يحتوي على مسامير، حتى ان احد المعتقلين، واسمه مفيد عبود من بلدة حولا، اجريت له عملية بعد سبع سنوات من جراء الم في صدره، فتبين وجود مسمار طوله خمسة سنتمترات داخل صدره اخرجوه منه اثناء العملية.

يجري التركيز على القفص الصدري بطريقة فنية ومتعمدة حتى يبقى الشخص يعاني من الالم طيلة فترة سجنه.

اما اذا كانت مرحلة الاعتقال في فصل الشتاء فيتعرض احدنا للوقوف ساعات طويلة تحت المطر او الثلج. طبعا لا يعبأون بما اذا كان هذا الموقوف يعاني من امراض القلب او الاعصاب او غيرها. اما اذا اعتقل في فصل الصيف فيبقى ساعات طويلة تحت اشعة الشمس خلال فترة التحقيق معلقا على العمود، يداه الى الاعلى معلقتان بسلاسل العمود، واقفا على رؤوس اصابع قدميه، ويصب عليه الماء البارد والحار، اولا ابريق ماء بارد، ثم ماء حار ثم ماء بارد، ثلاثة اباريق متتالية مما يسبب تشنجا في الاعصاب.

ويتعرض المعتقل للضرب بالارجل اينما كانت الضربة، وخلال فترة التحقيق هذه يقول المحقق للسجين اعترف بكل ما تملك من معلومات واذا لم تعترف فسنريك اهلك عراة من الملابس امام عينيك وسنفعل بهم كذا وكذا ويستغلون هذه المرحلة بان يسمعوه اصوات احد اقاربه ويوهموه بانهم جميعهم في السجن.

مرحلة التعذيب النفسي تستكمل معه عند "استراحة المحقق"، فيؤخذ الموقوف الى غرفة افرادية قريبة من غرف عملاء الزنزانة الذين يتكلم بعضهم مع بعض بقصد اسماع الموقوف ويتظاهرون بانه لا يسمعهم فيقولون ان هناك شخصا صفاته كذا وكذا او امرأة او بنتا من اهل هذا الموقوف، ويقولون انهم يتعذبون كثيرا او معلقون على العامود او ان ثيابهم ممزقة وهم في العراء. فيظن هذا المسكين ان كل اهله داخل المعتقل بينما لا يكون هناك احد منهم، الا اذا اسمعوه صوت احدهم فتكون المصيبة عليه اكبر.

وبعد تعذيبه اياما قليلة على هذه الحال. طبعا مرفقة ايضا بالضرب والكهرباء في غرفة المحقق، ينقل الى غرفة فيها عملاء الزنزانة، فيأخذون حصتهم منه بالضرب اذا كان ضعيفا او يوهمونه بان احدا من اهله هنا، ويحثونه على الاعتراف بأية تهمة حتى يخفف عنه العذاب او يفرجوا عن اهله بسبب اعترافه. وهكذا فانه اذا كان لا ينتمي الى أي تنظيم مطلقا، يعترف بانه مؤيد لحزب ما او لتنظيم ما، وهذا ما يجعله يقضي من ست سنوات الى ثلاث عشرة سنة داخل المعتقل.

اما بخصوص هؤلاء العملاء، فكنا نسمع، ونحن داخل السجن، بانه اذا افرج عن احدهم، فهو يذهب الى بيروت ويدخل المستشفى للمعالجة ثم يتقاضى بدل تحرر وراتبا شهريا كأي معتقل امضى عشر سنوات او ثلاث عشرة سنة، وبعدها يعود الى بلده داخل الشريط الحدودي او خارجه او يبقى في بيروت دون مطالبته بما فعل او أي شيء من هذا القبيل. وهذا ما وجدناه فعلا. فهناك عملاء احيلوا الى المحكمة وكان الشهود معتقلين محررين ادلوا بشهادتهم ضدهم وعلى مسمعهم واعترفوا ايضا بما فعلوه داخل المعتقل، واذا بالاخوة المحررين يفاجئهم خبر براءة هؤلاء العملاء وهم واقفون. الاشخاص الذين كانوا من الشرطة داخل المعتقل وكانوا يتلذذون بعذابنا هم اليوم شرطة سير في سلك الدولة اللبنانية!.

وهناك مرحلة اخرى، اثناء فترة التحقيق وبعدها، هي النوم بالكوريدور (الممر) دون غطاء وخاصة في الشتاء، والطعام هو بيضة مسلوقة او نصف بيضة في النهار. وبعد مضي اشهر، ينقل الشخص الى داخل الغرفة فيعتبرها نصف افراج. اما من ناحية الطعام والماء فاترك هذا الامر الى الاخوة الذين عاشوا فترة السجن في اعوام 1985 و 1986 و 1987، حيث قضى احد المعتقلين وهو معلق على العمود : توفي من جراء التعذيب واسمه علي عبد الله حمزة من صفد البطيخ، وبعضهم توفي من جراء الحمام بالماء البارد في فصل الشتاء وكان يعاني من امراض وهو الحاج احمد ترمس من بلدة طلوسة. واخر توفي بسبب اهمال الممرض وتقاعس الطبيب تسببا بوفاته بمرض اودى بحياته. اثنان توفيا اثر انتفاضة حصلت سنة 1989 نتيجة الظلم والاضطهاد فكان ضحيتها الاخوان بلال السلمان وابراهيم ابو عزة، وآخرون لم نعلم عنهم شيئا، وآخرون توفوا وهم في صندوق السيارة قبل وصولهم الى معتقل الخيام.

واخر كاد يموت بسبب منع الماء عن المعتقل لمدة ثلاثة ايام فاضطر لان يشرب بوله فنقل الى المستشفى للمعالجة. وكان الماء قد منع عن السجن في فصل الشتاء لكن بعد حصول هذه الحادثة تم اعطاء نصف ابريق من الماء لكل غرفة فيها خمسة اشخاص. هذا بالإضافة الى عدد كبير من الاخوة الذين افرج عنهم من قبل، خرجوا من السجن وهم يعانون من امراض شديدة ومنهم من توفي بعد فترة قصيرة من اطلاق سراحه نتيجة مرض الم به.

اما من ناحيتي، واثناء فترة التحقيق طبعا، فلقد تعرضت للتعذيب بوسائل عديدة، كالكهرباء والكرباج والضرب بالارجل على المعدة والقفص الصدري، مما سبب لي كسرا في ضلع من جهة الشمال وقرحة في المعدة والتهابات شديدة عانيت منها آلاما طيلة فترة السجن، وديسك في الظهر جعلني اقضي مدة ست سنوات شبه مقعد، وعندما كنت اخرج الى الشمس كنت استعين باثنين من الاخوة حتى ينقلاني لقضاء ربع ساعة تحت اشعة الشمس. وكنت اتلقى علاجا للظهر باخذ الحقن في العضل على حسابي الخاص. هذا بالاضافة الى حقن الفيتامين، كل شهر او شهرين، ست حقن مع عقاقير لتقوية الاعصاب.

 طلبت منهم اجراء عملية ديسك فقال لي الطبيب نجريها على حسابك الخاص وعندما وافقت قال لي نحن لا نستطيع ان نجريها لك لنقص في المعدات الطبية في المستشفى. وفي شهر رمضان المبارك من سنة 1998 قضيت ستة ايام في المستشفى في علاج دائم ليلا نهارا حتى لا اتعرض للشلل، ولو لم يكن هناك وضع تبادل لا اظن انني كنت سألاقي هذا العلاج، اذا كنت كلما طلبت المعالجة يقول لي الطبيب لا نستطيع ان نفعل لك شيئا.

وفي سنة 1989 اصبت بالتهابات في الرئتين وربو في الصدر من جراء اطلاق قنابل دخانية وغازية داخل السجن لاحباط انتفاضة قمنا بها احتجاجا على الاعمال التعسفية التي كانت تصدر من تصرفات الشرطة تجاهنا، هذا بالاضافة الى شتم الاهل والعرض، ولقد كنت مع الاخوين بلال وابراهيم ابو عزة عندما تعرضنا لهذه الحادثة، وكانا قد تأثرا بجراحهما كثيرا من جراء القنبلة. وعند تجديد الانتفاضة في اليوم الثاني داخل سجن رقم "2" عاودت الشرطة اطلاق القنابل السامة مما ادى الى استشهاد الاخوين السلمان وابو عزة.

خلال هذه الفترة كنت اعاني من الم شديد في الصدر وضيق في التنفس وبعد ثلاثة ايام نقلت الى المستشفى في مرجعيون واجروا لي تصوير اشعة وفحص دم وبقيت عشرة ايام دون التلفظ بايه كلمة لان صوتي كان قد اختفى نهائيا. وكان العلاج حبتين من الدواء فقط لتهدئة الاعصاب، علما بان صلاحية الطبيب كانت محدودة في المستشفى، فيقال له عالج السجين شرط ان لا يشفى تماما وان لا يموت داخل المعتقل حتى يبقى السجين في حالة العذاب الدائم.

تبين في ما بعد انني اصبت بربو والتهابات في الرئتين، واصبت من جراء التعذيب بالكهرباء بمرض في الكليتين اللتين كانتا دائما تفرزان الدم مع البول. كنت اعاني من حصر البول، وتحجر في المعدة، هذا بالإضافة الى قرحة في المعدة والتهابات قوية، كما عانيت من ضعف في النظر بمعدل درجتين في كل عين، مع العلم بان 90 في المئة من الذين فقدوا نسبة من نظرهم فقدوها بسبب ضعف الضوء الذي كان يصل الينا من خارج الغرفة وهو ضوء 24 فولت، ضعيف جدا، بحيث كنا لا نميز داخل الغرفة الا لونين فقط الاسود والابيض.

وهناك اسلوب التحطيم الفكري، اذا كنا محرومين من وجود أي ورقة او قلم او كتاب، وكنا نلجأ في هذه الحالة الى الكتابة بالشاي على ورقة تواليت او بالصابون على قميص لونه اسود، واذا فوجئنا بالتفتيش يبقى كل شيء على حاله، فيدخل الشرطي مع العملاء الى داخل الغرفة ويقومون بالتفتيش واذا عثروا على ورقة مكتوب عليها بعض الاحاديث او اية موعظة او اذا وجدوا ابرا سقط علينا غضبهم وكأننا قتلنا واحدا منهم، فيجري التحقيق في ذلك مع الضرب المبرح والشتم والتهديد بعدم التشميس والحرمان من الماء وغيره. اما اذا تكلم احد مع رفيقه في فترة التشميس فيعاقب ويدخل الى غرفته، مع العلم بان فترة التشميس لا تتجاوز ربع ساعة واغلب الاحيان يتم التشميس كل اسبوع او كل عشرة ايام مرة، هذا اذا كان الفصل صيفا. اما في الشتاء فلا تسأل عن ذلك.

من ناحية الحمام، اقل وقت هو خمسة عشر يوما لكل استحمام، ومرة بقينا في فصل الشتاء سبعين يوما دون الاستحمام بالماء البارد الذي يبقى داخل الغرفة ويوضع في سطل لقضاء الحاجة ولغسل اليدين والوجه بعد الفراغ من الطعام. هذا السطل يفرغ كل اربعة ايام ونعاني خلال هذه الفترة من شدة الروائح الكريهة التي تنبعث من داخل الغرفة بالاضافة الى الرطوبة التي تصل الى العظم لان عددا كبيرا من الاخوة في بادئ الامر كان ينام على نصف حرام والنصف الاخر يستعمله غطاء. وبعد فترة، وفي سنة 1987 تحديدا تم توزيع فرش اسفنج بسماكة سنتمترين ونصف مع ثلاثة حرامات لكل شخص ومعها البنطلون والقميص الخاصان بالسجن. بقيت هذه المعاناة من سنة 1985 حتى سنة 1995، فترة دخول الصليب الاحمر الدولي الى داخل المعتقل، وبعد نداء الجهات المسؤولة والمطالبة بتحسين اوضاع المعتقل.

طبعا خلال هذه المدة بكاملها كنا على انقطاع تام عن الوطن والاهل والعالم الخارجي، واثناء اعتقالي كان ابني عمره اربع سنوات وابنتي عمرها ثلاث سنوات. كانت اول مقابلة لي معهم في نيسان سنة 1995 بعد مضي سبع سنوات وانا لا اعلم عنهم أي خبر، وكنت اذا قابلتهم فلمدة نصف ساعة، اجد فيها صعوبة في الوقوف بسبب الديسك في الظهر، وكنا اذا سألناهم عن الاوضاع في الوطن والبلد نلقى التهديد من قبل السلطات اللحدية بقطع المقابلة التي يجب ان تقتصر على السؤال عن الاهل فقط. اثناء المقابلة كان يقف الى جانب كل واحد منا عدد من افراد الشرطة اللحدية. وكان بعض الاخوة يعتبرون المقابلة بمثابة تعذيب نفسي للشخص ايضا.

بقينا على هذه الحال حتى من الله سبحانه وتعالى على الاخوة في المقاومة الاسلامية بعملية بطولية كبيرة كانت سبب الافراج عنا. وبعد العملية قطعت "اسرائيل" عنا المقابلات مدة تسعة اشهر حتى افرج عنا، وندعو الله تعالى ان يمن عليهم دائما بعمليات لتدمير العدو الصهيوني وعملائه حتى يتم تحرير جميع الاسرى والاراضي المحتلة بكاملها.

من ناحية وضع المحررين بعد الافراج، فقد طالبنا ببعض المطالب كالمنحة المدرسية للاولاد وزيادة بدل التحرر وقضية السكن والوظائف فقال لنا الرئيس الحريري، وقد كان رئيس الحكومة آنذاك، ان هذه المطالب هي ابسط الواجبات التي نقدمها لكم، وطبعا نحن ننتظر حتى الان التنفيذ.

 واريد ان الفت نظر كل من يهمه الامر الى ان هناك خبرا اذيع على شاشة التلفزيون الالماني بان كل اسير محرر قبض مبلغ خمسة وسبعين مليون ليرة وعشرة آلاف دولار من الرئيس الحريري، نتمنى ممن يهمه الامر والسمعة ان يدقق ويتحرى عن هذا الموضوع لمعرفة الجهات التي تبث هذه الاخبار التي لا اصل لها، ولو ان كل محرر قبض مثل نصف هذا المبلغ لكان تغير وضعه بنسبة لا بأس بها، ولكننا حتى الان، البعض منا يسكن في بيت اهله او عند اخيه او عند اخته او في بيت صديق له مسافر، ومنهم من يسكن بيتا غير صحي لا يصلح للسكن.

نتمنى من الله عز وجل ان "يفرجها" علينا بتحقيق هذه الطلبات حتى نقدر على اكمال مسيرة الحياة الاجتماعية. ادعو الله لي ولكم ليوفقنا لعمل فيه مصلحة للناس اجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الاسير المحرر لافي المصري، من بلدة ميس الجبل، اعتقل في 25-1-1989 وافرج عنه في 26-6-1998.