عباس قبلان : المعتقل والصمت والكلام
"بين الموت المخيم والارادة الرافضة للموت والخضوع، بتنا الليلة لنستيقظ لصلاة الفجر، قبل ان نباشرها علا الصراخ "لقد خطف الموت واحدا منا". تنفجر موجة الغضب من جديد في سجن (2) هذه المرة لتعود محاولة القتل الجماعي مجددا، ولكن باداة مختلفة : "غاز سام"..."
تاريخ 16-9-1987، بعد مواجهة مع احد كمائن العملاء ووقوع اصابات عدة، اشرقت الشمس ليكون هذا الصباح، الصباح الاول من رحلة العذاب الشاقة التي بدأت وجها لوجه مع افراد الكمين فقد كانت بنادقنا وبنادقهم فوهة لفوهة. وجوههم قاتمة، السنتهم متباهية متبجحة بانهم هم الذين كانوا في وجهنا وهم الذين اسقطوا منا شهيدا. بدأ اوقحهم لسانا يقول: "انا من كان الاول في رؤيتكم والبادئ باطلاق النار".
في وكر من اوكارهم في بلدة "عيترون" تجمعوا حولي، مكبل اليدين، مضرجا بالدماء، اتقي نظراتهم المتوعدة والسنتهم الجارحة. ثم بدأت بالاستعداد للمواجهة الصعبة التي بدأها اسيادهم في مستشفى الـ17 في بنت جبيل. اثنان من ضباط المخابرات "الاسرائيلية" باشرا التحقيق معي بعدما امتنع كل من في المستشفى عن المباشرة بمعالجتي ما خلا القليل ممن حملهم ايمانهم وشجاعتهم ورفضهم للمحتل على تحمل المسؤولية وتقديم ما يستطيعون من اسعافات وتضميد الجراح.
يبدأ التحقيق بلكمة على احد الجروح. يستعملون كل ما اوتوا من الحقد للضغط علي نفسيا وجسديا من اجل الحصول على ما يريدون مني، مستغلين لذلك احد عملائهم المشهور بالاجرام والنذالة: حسين عبد النبي.
لم يدم مكوثي في الـ17 طويلا اذ نقلوني الى مستشفى مرجعيون ليتولى عملاؤهم المأجورون التحقيق، ولم يزد العلاج عما كان عليه في الـ17. مرة اخرى يتحول المستشفى الى قبو من اقبية التحقيق فتمارس فيه كل انواع الارهاب النفسي والجسدي.
ايام معدودة بين اخذ ورد تجاذبها "الاسرائيليون" وعملاؤهم الى ان وقفت مشدوها امام فوهة من فوهات الظلم الغاشم، امام بوابة الخيام، تلك البوابة التي تنفتح على عالم مليء بالاسى والالم. سنوات طويلة تلوح عند لحظة عبورك بوابة المعتقل: البؤس، الاسى، الظلم، الالم، البرد، الجوع والاجساد البالية. تتخطى البوابة خطوة واحدة، فيكون الكيس الاسود بالاستقبال والعصي تنهال عليك خبط عشواء وانت لا تدري من اين اتت؟ واين تصيب؟ نقلوني الى "المزار" الذي لا بد من ان يزار ولا بد من ان تنشأ معه علاقة حميمة لكثرة ما تكون جنبا الى جنب "العمود" الذي ينزوي في زاوية من زوايا احدى الساحات، حيث تقضي ساعات طويلة معلقا عليه، مرفوع اليدين بالقيود الى اعلى ما يمكن لتحمل يداك ثقل الجسد كله فيما القيود تقبض على معصميك.
عصي وكرابيج وجولة من جولات المصارعة الحرة: رياح تصفر ومياه باردة تليها الساخنة قبل ان ادخل الى غرفة من غرف العملاء الذين لهم الدور الاكبر في مسيرة التحقيق، وهي الخطوة الثانية قبل ان يستقبلني المحقق في مسلخه. هناك "ما لا عين رأت ولا اذن سمعت". ايام تمضي بل اشهر والكرابيج والكهرباء هي رفيقة الليل، تذيقني العيش الاليم من كؤوس الحقد والعمالة.
دخلت السجن بعد شهرين تقريبا ليستقبلني "شبح الموت" الذي يحل ضيفا في معتقل الخيام. كيف لا وواحد من "ركاب السفينة" قد قضى على ايدي العملاء. فالحاج احمد ترمس الحسن التحق بقافلة الشهداء لرفضه دفع فاتورة التخاذل والجبن على حساب الأوفياء والمؤمنين. احمد ترمس الحسن، المريض، خر صريعا بعد حمام المياه الباردة في احدى ليالي تشرين القارسة، وهو الذي كان يعاني الويلات بسبب المرض وعانى الويل من الجلادين في "الخيام"... احمد ترمس ادخل المعتقل وسحابة سوداء تلتف حول جدرانه وتغمر زنازينه الصغيرة، فيما لدى جلاديه اهاليل وفرحة واصوات هرج ومرج" لقد قتل احدهم عقبى للباقي". تلك كانت امنيتهم وتحققت ليكون الشهيد الثاني عام 87 عبد الحسين محمود الذي فعلت عصي المحقق فعلها في جسده فنقل من معتقل الخيام الى مقبرة بلدته.
تصطف في كل سجن غرف على الجانبين لا تزيد على المترين طولا وعرضا، الا قليلا، تحتوي كل غرفة على اربعة اشخاص ربما زادوا او قلوا، تنوعت معتقداتهم وتشتت وهاموا في وهاد الافكار والعقائد. اجتمعوا حول مائدة العذاب فوحدتهم المأساة يعيشونها جنبا الى جنب، يتشاركون الظلم والقهر ويتقاسمون النوم، اذ لا يسعهم جميعهم النوم في زنزانة ضيقة لا تحوي الا دلوا لقضاء الحاجة في زاوية الغرفة. يتقاسمون الطعام القليل الذي لا بد من ان يقسم او يؤكل مداورة.
نخرج للاغتسال متى اراد السجانون، مرة في الشهر، في الشهرين وربما اكثر، وقد تكون مناسبة لقص الشعر او للاستمتاع، دقائق معدودة، بحرارة الشمس الممنوعة الا في ايام الصيف الحارة لمن كان "رفيق العمود" لساعات طويلة من النهار. لا نقرأ على البوابة لائحة للممنوعات، لكننا نتعرف عليها او على الجديد منها عندما تنهال العصا بعد الكلام على اجسادنا عن فعلة فعلناها او... لم نفعلها.
تتوالى الايام، نفقد الاحساس بالزمن. لا نستيقظ الا عندما نعلم ان احدنا قد افرج عنه فيكون حديثا يوميا. او عندما يأتينا "زائر" يكون سلوة لنا لبضعة ايام. نستوفي منه ما لا ندركه.
تشتد الحالة سوءا، وتزداد معها وحشيتهم كلما جرى ما لا يرضون عنه، في الداخل او الخارج، فنكون ساحة للانتقام ولوحة لرسم حقدهم وشرورهم، الى ان تصل المرحلة الى ما لا يطاق من التعذيب النفسي والجسدي والضغط والجوع، فنصبح كالعبوة التي تنتظر الشرارة لتنفجر. وتأتي الشرارة في 25-11-89 فينفجر الغضب المحتقن وتنطلق الثورة المكبوتة صرخة بوجههم لتحطم القيود وتؤكد تصميمنا على نيل الحرية.
بدأت الانتفاضة من سجن (3) فارتفع الدخان الكثيف، الذي ضاقت به الزنازين الصغيرة، ليغطي فضاء المعتقل. خمدت معه الاصوات التي راحت تتلاشى بعدما امتلأت الصدور دخانا قاتلا، فانتقلت الانتفاضة الى سجن (4). ثلاث ساعات معدودة من الحرية داخل المعتقل، قابلتها ساعات طويلة من التعذيب المبرح الذي بدأوه في سجن (3) عند الاصيل واستمروا حتى الصباح بكل ما اوتوا من وسائل وما استطاعوا ان يجمعوا من وحوش من الخارج يقاتلون بها اولئك العزل الذين لا ناصر لهم الا الله. ضربوهم حتى الموت "ولكن الله ابى ولطف". تعذيب استعملت فيه فروع الاشجار والحديد والعصي.
اتى دور سجن (4)، اخرجونا عند الرابعة من الصباح الباكر واعادوا شريط حضارتهم المفترسة، صبوا جام غضبهم علينا حتى اتى دور غيرنا، واستكملت مسيرة الانتقام. بين الموت المخيم والارادة الرافضة للموت والخضوع، بتنا الليلة لنستيقظ لصلاة الفجر. قبل ان نباشرها علا الصراخ "لقد خطف الموت واحدا منا". تنفجر موجة الغضب من جديد في سجن (2) هذه المرة لتعود محاولة القتل الجماعي مجددا، ولكن بأداة مختلفة: "غاز سام". اقتربنا، جميعنا، من حافة القبر، الا ان ابراهيم ابو العز وصل اليها وحده ليعانق رفيق دربه بلال السلمان، اول من سقط في هذه المجزرة. ادركوا ان موت الجميع لا يبعد سوى دقائق، وربما اقل، فارسلوا احد عملاء الزنازين، بعدما ادركوا ان لا احد قادر على الحراك ليفتح الابواب ويخرجنا الى الساحة التي شهدت "حفلة" التعذيب. قضينا الليلة في تلك الساحة، ولكن دون بلال وابراهيم. وهكذا انتهت تلك الفترة بسقوط شهيدين ليدرك اولئك "الانجاس" ان الموت ليس وسيلة للارهاب، وقد ادركوا ايضا، بعدما هوت عصيهم فوق هاماتنا، اننا امتداد للمقاومة التي تقضي عليهم.
لكن مسيرة العذاب لم تنته، وكذلك الجوع والبرد والظلم والامراض التي انتشرت والقمل الذي سرى زاحفا، والكبت والحرمان، كل ذلك ليكون الاسير اسيرا ومعذبا.
في اب 1990 التحق اسعد بزي المعتقل منذ العام 85 من بلدة بنت جبيل بقافلة الشهداء بعد اصابته بمرض "لا ندري ما هو". وتتوالى الايام بعذابها الشديد لتصل الى العام 95 وترمي شهيدا اخر هو هيثم دباجة المعتقل منذ العام 85 من بنت جبيل. اسم اخر على لائحة الشرف يقضي كما قضى اسعد وكما قضى سليم عواضة قبل بضعة اشهر، بعد ايام قليلة من اخراجهم اياه من المعتقل وهم يعلمون ان لا حياة ترتجى له.
وبدأت حدة المأساة تنحسر وقد تحسنت بعض الظروف المحيطة وبدا اسوداد وجوههم والغضب المكبوت يرسم دلائله، وكأنهم يريدون ان يأكلوا انفسهم حنقا. بعدها بدأنا نرى الصليب الاحمر في المعتقل، ولم يكن له تأثير كبير الى ان انتهت مأساتي ومأساة بعض الاخوة الذي عشنا معهم سنوات طويلة داخل السجن فاقت العقد من الزمن، لنخرج الى الحرية والحسرة ما زالت تكبر وتتفاعل اذ لم نخرج جميعا من المعتقل.
بقي هناك اخوة لنا عشنا معهم مرارة الاسر والاعتقال سنوات متفاوتة، عانينا الويلات معا، والحقد والوحشية الصهيونية وخرجنا وكلنا امل بان رحلة الاستقرار والراحة قد بدأت، ولكن هيهات هيهات، فقد تجاهلنا المتجاهلون، لتبدأ مشكلة اخرى في عمرنا المرير هي مسيرة الكفاح من اجل العيش والتكيف مع الحياة بمفردنا دون دليل.
مخطئ من يظن ان اليسير الذي قدم كاف، فهو لا يكفي لنبدأ المشي في طريق الحياة. وما زلنا بانتظار فرج الله والرعاية التي يجب ان تقوم بها الدولة اللبنانية.