رياض عيسى : المعتقل والصمت والكلام
"لم ينادني احد باسمي خلال هذه الأشهر، بل حولوني الى رقم تلاه علي احد افراد الشرطة، مرة واحدة وبسرعة، وطلب مني ان لا انساه ابدا. وهكذا صار..."
لم اكن قد بلغت السنتين حين تهجرت عائلتي وابناء قريتي عام 1970 اثر العدوان "الاسرائيلي" على قرى العرقوب. فتفتحت عيناي على الدمار والغضب والقتل والحقد الصهيوني. ولم اكن قد بلغت العاشرة من عمري حينما سقطت مرجعيون واجتاحت جيوش العدو اراضي لبنان وتم تهجير ابناء الجنوب، ما اضطرنا للنزوح الى بيروت حتى وصول قوات الطوارئ الدولة عام 1978. واستمرت قذائف سعد حداد واسياده تحصد الدمار والقتلى والجرحى وتزرع الرعب في نفوسنا، وتحرمنا اللعب واللهو وكذلك التعلم والنوم سوى في الملاجئ.
طفولة مسلوبة، اراضي محتلة، مستقبل مجهول، حذر، ترقب، تأزم للاوضاع، ومن ثم اجتياح وصل الى العاصمة بيروت مرورا بارض الجنوب الطاهرة، مخلفا بصمات تدل على همجية ووحشية "الجيش الذي لا يقهر". وانا يومذاك كنت في سن لم تتعد الرابعة عشرة. كنا نحصي مرور الآليات والدبابات ونعد الطائرات ونرصد الاذاعات ونشرات الاخبار، حيث كان الراديو هو الوسيلة الوحيدة التي كانت تطمئنني عن اهلي الذين كانوا قد قصدوا بيروت لحضور زفاف شقيقتي.
حصار مطبق، انقطاع في التموين، الكهرباء والطرق.
كل هذا يكفي لان يكون الفرد صورة كاملة عن الوضع وان يحدد لنفسه طريق، خصوصا عندما تكون الخيارات قليلة: فاما انسجام مع الاحتلال والتعاون معه والتسليم بالامر الواقع، واما رفض الاحتلال والعمل على مقاومته.
من البديهي، لمن احب الوطن، ان يختار الخيار الثاني والاخير والذي يؤدي الى احد امرين او اكثر، اما ابعاد خارج المنطقة المحتلة، واما اعتقال او استشهاد (حسب خيار العمل المقاوم مدنيا او عسكريا).
وكانت الانطلاقة الاولى مع تنظيم تظاهرة طلابية كبيرة في الذكرى السنوية للاجتياح، وبعدها بدأ العمل السري في المقاومة لسنوات طويلة حتى ايلول عام 1990. وفي ذكرى انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وعلى اثر قيام الجبهة بعملية عسكرية في منطقة حاصبيا واسر احد المقاومين تم اقتيادي الى معتقل الخيام "معتقل الموت "الاسرائيلي""، تلك المنطقة المجهولة من العالم التي لا يعرفها الا من يدخلها، معتقل التعذيب والاجرام وهتك الحرمات والاعراض والدوس على الشرائع والقوانين، فمختبر للباحثين والمعذبين والاطباء والجلادين والارهاب والجريمة، مكان يتسابق فيه المحققون على التهام الفريسة التي تلقى عليها الاتهامات والمسؤوليات، بدءا بسقوط اول صهيوني في المواجهة مع العرب.
وضعوني في زنزانة ضيقة جدا، يرافقني فيها سطل لقضاء الحاجة وابريق ماء بلاستيكي وحرام وغطاء.
جلدوني بالسوط والعصي، علقوني على العمود، واركعوني على البحص. عصبوا عيني، قيدوا يدي، اخلعوني ملابسي ووضعوني تحت المطر وفي الهواء البارد او تحت اشعة الشمس المحرقة. صبوا علي الماء البارد والساخن وسحبوا أظافري. قطعوا عني الطعام لمدة اربعة عشر يوما.
وضعوني مع عميل زنزانة لا شفقة عنده ولا رحمة: كاذب، فاسق، منافق، جبان، سيده من يعطيه سيجارة، وسعادته عندما يقع اسير في شركه لتكون جائزته، من أسياده، علبة سجائر او فسحة في ساحة الشمس او استحماما بالماء الساخن...
اعتقلوا شقيقتي وعذبوها امام عيني، هددوني باغتصابها وابقائها قيد الاعتقال حتى اعترف بما املك من معلومات وهددوني باعتقال شقيقي.
شتموا الدين بل الاديان والانبياء والمسؤولين والاحزاب والوطن.
في المقابل حافظت على صلابتي وثباتي. لا اعتراف او اعترافات، نفي، وانكار، وتكذيب للاتهامات، فاذا كانت ضربات المقاومة مؤلمة للعدو خارج المعتقل فانها تؤلم اكثر في داخله. فالصمود بوجه الجلاد وآلة التعذيب وآلة كشف الكذب، انما هو استمرار حقيقي لحالة المقاومة في الخارج، تلك التي يقف العدو امامها مكتوف اليدين.
اربعة اشهر من التنقل بين الافرادي وغرفة العملاء وغرف المحققين والعمود، والتحقيقات التي تقودك سراديبها الى مراحل الطفولة والمدرسة والاصحاب، حيث يطلب منك المحقق ان تتذكر تفاصيل الامور والا فالكارثة عظمى.
لم ينادني احد باسمي خلال هذه الاشهر، بل حولوني الى رقم تلاه علي احد افراد الشرطة مرة واحدة وبسرعة وطلب مني ان لا انساه ابدا. وهكذا صار، وبعد انتهاء فترة التحقيق (الماراتون) التي لم اتلق فيها أي نوع من العلاج على الرغم من الامراض والاصابات، زج بي العملاء اللحديون في الزنزانات الجماعية حيث الاسرى المناضلون الشرفاء يعانون الظلمة والجوع والاضطهاد والآلام. انضممت اليهم، قاسمتهم "الحلو والمر"، ومعا اضربنا، وواجهنا، ورفضنا، وتوحدنا، ومنا من استشهد ومنا من جرح ومنا من تحرر.
تغلبنا على الروتين، وكسرنا قرارات عسكرية ظالمة، فحولنا المعتقل الى مدرسة وتبادلنا الثقافات والمعلومات. احترفنا مهنا بالرغم من عدم توفر الامكانيات والمواد الاولية، فحولنا حب الزيتون الى مسابح، وخيطان الالبسة الى حبال، واقمشة الثياب الى لوحات فنية رائعة، وجدران المعتقل الى كتب ودفاتر والواح للتعليم.
عشنا حياتنا بحرية، ولم تكن انتماءاتنا الدينية والفكرية لتؤثر على وحدتنا داخل زنزانات العدو (كما اثرت خارجه)، وانما انعكست ايجابا واغنت الحوار وكرست التآخي.
احتفلنا بالاعياد الرسمية والوطنية على طريقتنا، وكانت الهدية عبارة عن موزة او تفاحة يقتطعها المعتقل من حصته ليهديها الى رفيقه. حللنا الاوضاع السياسية في البلاد، وحققنا انجازا تمثل في تهريب راديو الى المعتقل، والانجاز الاكبر فرار مجموعة من الاسرى وصل منهم اسيران الى بيروت فيما اعيد اسر اثنين آخرين.
وحسب العادة، اتى دوري للكلفة (خدمة المعتقل). عملت بكل جهد واخلاص وخدمت باقصى ما يمكن، في حين تعتبر الكلفة فرصة لراحة الاسير الذي يقضي فترة من النهار خارج- الزنزانة في الغسيل والجلي وتوزيع الطعام وشطف الارض وغيرها من الامور التي اعتبرتها مسؤولية كبرى لتأمين قدر كاف من المتطلبات للزملاء دون علم رجال الشرطة والامن.
ومرت الايام والاشهر والسنوات، واطلق سراح العشرات من معتقل الخيام الى ان جاء صباح ذلك اليوم واخبرني الشرطي انه سيطلق سراحي، وتمنى علي ان لا اخبر احدا، وبطريقة ما جلت على زملائي في السجن رقم (3) وودعتهم ووعدتهم باني سأحمل قضيتهم ولن انساهم، وهكذا صار. وبما ان معتقل الخيام "الداخل اليه مفقود والخارج منه مولود" فقد ولدنا لنبدأ من جديد بمواجهة تحديات كبيرة ومختلفة: ابعاد من المنطقة المحتلة، الصعوبة في ايجاد سكن، عدم القدرة على العودة لمتابعة الدراسة في الجامعة حيث كنت ادرس الهندسة الكهربائية، وصعوبة في ايجاد وظيفة او عمل يليق بنا، هذه هي هموم الاسرى الذين لا يزالون قيد الاعتقال... او التحرير.
داخل المعتقل رسمنا اهدافنا ووضعنا خططنا ورسمنا المستقبل. خارج المعتقل صدمت بالواقع حتى اني ابعدت من داخل المنطقة المحتلة بعد الافراج عني، فحرمت من رؤية اهلي الذين منعت من رؤيتهم ايضا وانا في المعتقل. عانيت من وحشة الوحدة. تخيلت الناس مصطفين على جوانب الطريق لاستقبالي، ينثرون الارز والورود، لكن الصدمة كانت ان القضية لم تعد تهم الكثيرين، والمهمة الجديدة امامنا هي السعي لجعل قضية الاسرى قضية لكل اللبنانيين، كذلك انخرطت في صفوف لجنة المتابعة لدعم قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون "الاسرائيلية"، واشارك اليوم بنشاطات محلية وعربية ودولية... وسنتابع حتى تحرير اخر اسير من المعتقلات "الاسرائيلية"...
وسننتصر.