محمد علي خريس : المعتقل والصمت والكلام


كانت اللبنة والزيتون... تدخل الغرف بالصحون، الا انهم منعوا الصحون، فصارت تدخل الينا باكياس النايلون بحجة "كثرة الجلي."

انتسبت الى المقاومة عام 1985، اما الدافع الاساسي لهذا الانتماء فهو احتلال ارضنا واغتصابها من قبل العدو "الاسرائيلي" لانه لم يرحم ارضا ولا شعبا، كل ما يهمه هو التوسع واحتلال اكبر بقع من الارض. ومن خلال تأثري بعمليات المقاومة التي كانت تقوم بها ضد العدو المحتل، من اجل الدفاع عن ارضها وشعبها وطرد العدو الغاصب، زرعت في مشاعري القوة والاندفاع، وكانت نفسي تحدثني دائما: "لماذا انا جالس هنا والشباب الآخرون يقومون ويقدمون انفسهم في سبيل دينهم وارضهم"، لذلك اندفعت بكامل قوتي لكي اقدم للارض مثلما يقدم الشباب.

ونحن لسنا كما تدعي اميركا والكيان الصهيوني باننا قوة ارهابية تقتل الناس او بالأحرى كما يسموننا "آكلين لحوم البشر"، نحن اصحاب حق ومبدأ وعقيدة. فاميركا و"اسرائيل" تشردان الناس من ارضهم وتلعبان بالسياسة العالمية وبالاقتصاد الداخلي في جميع الدول وتجوعان الناس وتطعمان الحيوانات وتعيلانها وتدخلانها الى المستشفيات فيما الناس يموتون على الطرقات، وتؤسسان جمعيات للرفق بالحيوان، تسميان نفسيهما من دول العالم الاول، وتسمياننا نحن "ارهابيين" لاننا ندافع عن ارضنا وحقنا وشعبنا.

 اما بالنسبة الى الاعتقال والمراحل القاسية التي مررت بها انا واخوتي المعتقلين، فقد بدأت بعد اعتقالي في 6-2-1988 من بلدتي الخيام من خلال معلومات جمعها العدو وعملاؤه من بلدتي ومن خارجها. فانتقلت الى المعتقل حيث بدأ التحقيق معي فشعرت بانني ادخل الى المسلخ. اول من بدأ معي التحقيق هو العميل يحيى ابو قمر الملقب بياسر من بلدة الماري والعميل الثاني عصام جروان الملقب بعواد من بلدة دير ميماس، وابتدأ التحقيق بالسؤال عن العمليات التي كنت مكلفا بها وما هي المعلومات المطلوبة مني. ماذا يتصور العالم ان يكون اسلوب التحقيق ! هل المحقق صديق او اخ لنا او هناك أي صلة تربطنا به؟ لا، انما هو عدو لنا الى يوم الدين. اما مرحلة التحقيق فتنقسم الى عدة اقسام، منها: التجويع، الكهرباء، الضرب بالكرباج، العصا، والتهديد باعتقال الاهل والزوجة والاخت او الابنة. فضلا عن دس عملاء الزنزانة بيننا.

استمرت فترة التحقيق اربعين يوما متتاليا، كل يوم تتراوح فترة التحقيق بين عشر ساعات او اكثر، وكان السؤال الاهم هو عن مجموعات المقاومة والاسلحة والذخائر. في بادئ الامر اعتمد اسلوب السجن الافرادي، ونحن كنا نسميه بالمقابر، لانه كان مظلما جدا، وكان الاشخاص الموجودون بداخله لا يعرفون بعضهم بعضا. مررت في هذا السجن الافرادي ثلاثة اشهر. في بداية التحقيق نقلت الى العميل يوسف خنافر من بلدة عيناتا فالى العميل عادل الحلبي من بلدة الكفير. بقيت عند العملاء اربعة عشر يوما، وبعدها انتقلت الى السجن الافرادي، وعندما دخلت لم اجد سوى "حرامين وسطل": والرطوبة والظلمة. اما مراحل التعذيب فهي متعددة، من الكهرباء التي كانت توضع في اليدين واللسان والاذنين وفي وسط الانسان، الى الضرب الذي كان دون رحمة، فالمهم ان تدلي بما عندك من معلومات امنية عسكرية. ولقد اعتمد اسلوب التعليق على العمدة لفترة تزيد احيانا عن عشر ساعات، وكانت تستمر من المغرب حتى الصباح مع صب الماء البارد والساخن اضافة الى الجلد على العمود، وهذه المرحلة استمرت اربعين يوما.

اما مرحلة التجويع فكانت اشد واصعب من التعذيب الجسدي، وكانت تتراوح بين عشرة ايام وخمسة عشر يوما. وخلال هذه المرحلة كانوا يجلبون لنا وجبة صغيرة كي لا نموت من الجوع. بالنسبة لتهديدنا بالعرض فكانوا يأتون بالاخت او الزوجة او الام ويقومون بضربها او يحاولون اخلاعها ثيابها او محاولة اغتصابها. هذه هي الاساليب التي كانوا يقومون بها امام المعني، ولقد قالوا لي اذا لم اعترف بالحقيقة فسوف يدخلونني الى فلسطين لكي يحكموا علي بالسجن ثلاثين سنة، وكانوا دائما يقولون لي اننا نحن لبنانيون وانت لبناني فاعترف لنا ولن نرسلك الى الداخل الفلسطيني.

وكان العذاب النفسي من اساليب التحقيق الذي لا يتصوره العقل وكانوا دائما يقولون لنا اننا نحن لبنانيون وانتم لبنانيون، فلماذا تأتون لقتلنا؟ ولكن هم لم ياخذوا هذه العبارة بعين الاعتبار ذلك انه لا يهمهم سوى الدفاع عن العدو الصهيوني، ولكن نحن - والحمد لله - على رغم هذه الاساليب، لم يؤثروا علينا لا في فترة التحقيق ولا في فترة السجن، وبقينا على موقفنا حتى النهاية.

اما بالنسبة الى الحياة في السجن الجماعي فلقد كانت المعاملة على الشكل التالي: بالنسبة لمعاملة الشرطة كانت اسوأ معاملة من التعذيب، وكانوا دائما يقولون لنا: "انتم اعداء لنا"، وكانوا دائما يستهزئون بالدين وبعلمائه. اما الشمس فكنا نادرا ما نراها. واذا كان فصل الصيف، نخرج عشر دقائق او اقل في العشرة ايام او الخمسة عشر يوما، واذا كان احدنا يتكلم مع الاخر او يضحك، يتم ادخال الجميع الى الغرف. وبالنسبة الى فترات الاستحمام فقد كانت تتراوح ما بين شهرين واحيانا ثلاثة اشهر، وكان الحمام جد سريع تحت الماء. واحيانا كنا ندخل الى الغرف والصابون على اجسادنا، هذا في فصل الشتاء. اما في فصل الصيف فكنا نستحم كل شهر ونصف او شهرين. اما التمريض، فقد كان اذا مرض احد منا يأتي الممرض ويعطيه حبة مسكن، او يقول له انت تتمارض، واذا كان يراه مريضا جدا يأخذه الى المستشفى حيث يقولون له لست مصابا بشيء. عانيت بسبب هذه المعاملة من امراض عدة: وجع في الرأس، في المعدة، في العيون، ضعف في الاعصاب، السمع، الكلى، حساسية في الجلد، كل هذا ويقولون لي نفس الكلام: "لست مصابا باي مرض".

اما بالنسبة للمعاملة، فكان الشرطي يضرب من يشاء عندما يخطر على باله، وكانوا يمارسون ادوارا كثيرة، منها الطائفية للتفرقة في السجن، واللعب على الاوتار السياسية، كما حاولوا ان يمنعونا عن الصلاة والصوم والدعاء، وهذا الوضع استمر حتى عام 1989 عندما بدأت الانتفاضة في سجن "رقم ثلاثة" وامتدت الى السجون الباقية، ذلك ان القلوب كانت مشحونة، وكانت اسباب الانتفاضة هي التجويع والحمام والشمس والصلاة والصوم، ولكن على الرغم من ان الانتفاضة غيرت بعض الامور فانه سقط نتيجتها شهيدان وهما بلال السلمان من بلدة مركبا والثاني ابراهيم ابو عزة من بلدة البرغلية، واستشهدا نتيجة القنابل الدخانية والغاز. وبدأ الوضع يتغير مرحلة بعد مرحلة. طبعا لم يغيروا الوضع لكرم اخلاقهم، لانهم لم يكونوا يملكونها ولكن المقاومة الاسلامية هي التي فرضت عليهم تغيير المعاملة. وردا على سقوط الشهيدين قامت المقاومة باعدام العميل الدكتور ناجي كنعان وقاموا بتغيير رجال الشرطة لان ادارة السجن اعتبرت تعسف رجال الشرطة احد اهم اسباب الانتفاضة. بيد انها امور مدروسة ومخطط لها من قبل قيادة العدو الصهيوني والعميل انطوان لحد الذي لا يملك القرار وانما هو اداة لتنفيذ القرارات، لاننا نحن، امام الرأي العام، موجودون عند العملاء ولكن ضمنيا نحن موجودون عند الكيان الصهيوني.

وبقي الوضع يتغير سنة بعد سنة، حتى اذا كان واحد منهم تضربه زوجته يأتي الى السجن ويتذمر منا. وعندما قمنا باضراب عن الطعام للمطالبة بزيادة الوجبات استعملوا اشد الاساليب لتفكيكه وقد كانوا على علم بهذا الاضراب من خلال العملاء وكانوا مستعدين لاي حركة في السجن وتحديدا لهذا الاضراب الذي وقع في 13-4-1991.

 افشل الاضراب ونقل بعض الشباب من جسن الى اخر باعتبارهم المحرضين. مرت علينا ايام بقينا خلالها دون ماء، يومين او ثلاثة، وكنا نرفض الطعام دون الماء وهذه الاحوال كانت دائما تتكرر. ومرت علينا مرحلة كان اذا قام احدنا باشغال يدوية يعاقب عليها، والاشغال كانت مثلا: ان يقوم واحد "بحف الزيتون" او "يصنع الدامة" او "البرجاس". هذه المرحلة استمرت حتى عام خمسة وتسعين، وكانوا عندما يعلمون بانه سيتم الافراج عن دفعة للتبادل يحسنون معاملتها وتمريضها ويقومون بتغيير الثياب ويسمحون لها بالحمام والشمس. كل هذا قبل ان تخرج الدفعة، ولكن نحن نسميها تنازلا لان "اسرائيل" لم تفرج عن احد من المعتقل عن حسن نية الا لان لديها مصلحة في ذلك.

مرت علينا فترة كنا نصنع فيها الابر من اجل تخييط الثياب، وكنا نستعمل شرائط الخبز. وعندما كانوا يفتشون الغرف ويرون الابر كانوا يسألوننا من اين اتت؟ ومن احضرها؟ ومن صنعها؟ ولقد بقيت هذه المضايقات حتى عام 1995. وفي فترة من الفترات منعوا عنا "علب اللبنة" او "مجامع الحلاوة" من اجل المضايقة، لاننا كنا نستعملها للاكل في شهر رمضان ونحفظ بها الطعام من الغبار والاوساخ، فكانوا يأخذونها ويعاقبون الذين يخبئونها. وكانت اللبنة والزيتون والحلاوة والمربى تدخل الى الغرف بالصحون، الا انهم منعوا الصحون، فصارت تدخل الينا باكياس النايلون بحجة "كثرة الجلي". وهو ليس سببا مقبولا انما هي مضايقة وعمليات استفزاز.

كل هذه الاساليب والاوضاع بقيت حتى 1995، عندها بدأت التحسينات وتوسيع الغرف ودخول الصليب الاحمر الدولي الى معتقل الخيام، وسمح لنا بالاشغال والمقابلات والزيارات والرسائل من الاهل، وتم تغيير المعاملة كليا. طبعا لم يكن هذا التغيير نتيجة حسن نوايا من قبل العدو الصهيوني والعميل انطوان لحد، انما جرى بضغط من قبل المقاومة الاسلامية والدولة اللبنانية عبر الاتصالات الدبلوماسية التي قامت بها فرنسا وغيرها، واستمر دخول الصليب الاحمر الى المعتقل حتى حصول عملية انصارية التي دفع ثمنها العدو الصهيوني نخبة جنوده، ولذلك منعوا الصليب الاحمر من الدخول الى المعتقل للضغط على المقاومة من اجل التبادل. ولكن مهما شكلت "اسرائيل" من ضغوط على المقاومة الاسلامية فلن تستطيع ان تحقق شيئا من مرادها، "لكن الغريق يتعلق بالقش".

وعندما منع الصليب الاحمر من الدخول الى المعتقل بقي الوضع على ما هو عليه ولكن تم تحجيم بعض الاشغال بحجة قيامنا باعمال يعتبرونها استفزازا لهم مثل مشعل الحرية او آيات قرآنية يوجد فيها كلام مثل الظالم، الظالمين، الفاسقين والمجرمين او أي شيء اسود او احمر او اخضر لانهم يعتبرون هذه الالوان رموزا لشعارات معينة.

وكان العملاء يمارسون بعض الاعمال التي لا يتصورها العقل، كالاتفاق مع مدير السجن المدعو جان الحمصي الملقب بابي نبيل على تشويه سمعة المعتقلين باتهامهم باللواط. وكان اذا اتاهم معتقل جديد يقولون له السجن كله يعمل هكذا، كان ينظر كيف كنا نعيش وكان يفاجأ لان هذه الاعمال ليست لنا، فهي من اعمال عملاء الزنزانة. وكان عندهم اساليب كثيرة منها منع الطعام والشراب عن المعتقل الجديد لكي يضغطوا عليه للاعتراف بما عنده من معلومات امنية وعسكرية.

هذا في الوقت الذي يقدم اليه الطعام من قبل العملاء، طبعا باتفاق مع الامن لكي يؤمن لهم، ويقولون له اذا سألك الكامن هل تأكل وتشرب تقول لهم لا، وعندها يؤمن لهم ويعطيهم ما عنده من معلومات امنية وعسكرية، وهكذا تصل المعلومات للامن، و "لا من شاف ولا من دري". وكان اهم من هذا الاسلوب حين كان البعض يدعي النوم والباقي يفتح مواضيع امنية وعسكرية، وكان الجديد يدخل في الكلام ويعطي ما عنده من معلومات امنية وعسكرية من دون ان يشعر، وهذا الاسلوب كان يستعمله كل العملاء تقريبا وكانوا يقولون للجديد اذا لم تدل بما عندك من معلومات فسيأتون "بعرضك". كما اكنوا وما زالوا يسرقون ما يأتي به الاهل لقريبهم المسجون، واذا تكلمنا مع الشرطة يقال لنا هذا الذي ارسله لكم اهلكم. وكان ابرز من يسرق، فواز الحوراني، فؤاد ابو قمر وجريس بولس.

 كما كان العملاء يلجأون "لاسلوب الشيخ" ويقولون للجديد انه يوجد في السجن شيخ ويطلبون منه ان يكتب لهم قصته بحجة ان ينقلوها الى الشيخ، ويقوم الجديد بكتابة القصة، ولم يكن الشيخ الا عبارة عن رجل وهمي فيما ينقلون الرسالة الى الامن. كما كانوا يستعملون اسلوب الخلاف بينهم، "واحد يشد وواحد يرخي" وبهذا الشكل يقع الجديد بالفخ ولم يدر من اين حصلوا على هذه المعلومات الا عندما ينقل الى السجن الجماعي ويعرف الحقيقة.

 كما كان العملاء ينشرون الاخبار التي ليست في مصلحتنا، مثل معارك جانبية، او استشهاد مجموعات للمقاومة، او قصف مواقع عسكرية للمقاومة، اما المعلومات التي كانت لمصلحتنا فكانوا يكتمونها او يغيرون فيها، مثل استشهاد سيد المقاومة الاسلامية الشهيد السيد عباس الموسوي. كانوا يتغنون بهذا الخبر ونحن كنا نعتبر هذا الخبر انتصارا لنا لان استشهاد قادتنا هو بحد ذاته انتصار لنا، وعندما سقطت المروحيتان على الحدود بانت وجوههم سوداء كالحة، وكانهم اولياؤهم، وكانوا عند حصول أي عملية للمقاومة يقولون دائما ان هذه العمليات تؤخر مفاوضات ما يسمونه "السلام" او تبادل الاسرى. وعندما نسمع صوت المدفع او الطائرات او اخبارا عن اعمال عسكرية للمقاومة كنا نتفاءل وكنا نجدد عزمنا لان تحرير الارض والانسان لا يتحقق بسلام مع الكيان الغاصب، لاننا لا نعترف به وهو الذي يشرد اهلنا ويحتل ارضنا ويذبح اطفالنا.

كان العملاء يقولون لنا: ماذا استفدتم في هذا السجن؟ طبعا نحن استفدنا الكثير. ولكن هم ماذا استفادوا ؟ نحن لا نريد من هذه الدنيا شيئا، كل ما نريده من الله هو الآخرة، لان الدنيا الى زوال، لا ينفع فيها سوى العمل الصالح، وهي درب العبور الى الآخرة. كانوا دائما يقولون لنا انظروا الى الذين خرجوا قبلكم من السجن، ماذا يقدم لهم؟ لا احد ينظر إليهم ولا احد يساعدهم. ولكن على الرغم من مرارات السجن والفترات الطويلة واستعمال كل الأساليب، فلن يؤثروا علينا ولن يستطيعوا ان يغيروا من المعنويات ولا من المبادئ ولا من الاهداف، فلقد كانت مرحلة الاعتقال امتحانا لنا، وهي من ضمن خطنا ودربنا الطويل في صراعنا مع هذا العدو الغاصب. ونحن في الاعتقال عرفنا كيف نختار مقاومتنا وقادتنا، لانه لا شيء يفيد في هذه الدنيا الا العمل الصالح والجهاد في سبيل الله.