احمد اسماعيل : المعتقل والصمت والكلام
"ومن هذه النقاط تبدأ حرب الارادات بيننا وبينهم ويستمر الاضراب اياما واياما، وفي كل يوم يراهنون على انه سوف يفك الاضراب. لكن الايام تمر وتصل احيانا الى الشهر ونحن نعاني من الجوع، المعدة خاوية لا يدخلها سوى الماء وحبات قليلة من الملح.."
ما يزال ادباؤنا العرب او غالبيتهم يكتبون اليوم عن الحقبات العثمانية والفرنسية والإنكليزية التي مرت على المنطقة، في حين تبدو قضية آلاف الاسرى الفلسطينيين واللبنانيين والعرب في السجون "الاسرائيلية" وكأنها مغيبة او مفصولة عن بقية فصول الصراع الشامل مع "اسرائيل". وسط هذه الاجواء سعينا نحن المعتقلون الى اتباع شتى الطرق لابراز تجربة مريرة داخل السجون وخارجها حيث كنا نسعى في الداخل لتحسين شروط اعتقالنا وجعل الامر حالة نضال لا تتوقف عند الاسر او الاعتقال بل تقتضي الاستمرار في أي زمان ومكان مهما كانت الظروف التي مر بها المناضلون.
من هنا كانت عملية التعاون بين الاسرى داخل المعتقل قوية وكنا نسعى الى اخذ حقوقنا رغما عن العدو "الاسرائيلي"، وكان سلاحنا الاخير الذي نحتكم اليه في هذا السياق، الاضراب المفتوح عن الطعام، أي الاضراب الاستراتيجي الذي لا سقف زمنيا له، وهو مرهون بتحقيق المطالب التي كنا نرفعها عند اعلان الاضراب. وقبل ذلك كنا نخوض اضرابا تكتيكيا سقفه محدود ويحدده الاسرى، لكن دون ان نعلم ادارة السجن والقمع التابع للاحتلال بسقف الاضراب في محاولة منا للضغط على الادارة كي تبقى في حالة استنفار دائم، لا تعرف ما نخططه فعلا، وهذا بحد ذاته بشكل ارباكا قويا لها ويحقق فعالية في الوقت نفسه.
لقد شهدت السجون منذ تأسيسها من قبل العدو اضرابات مشهورة وعديدة سقط خلالها شهداء وجرحى. وشهدت السجون "الاسرائيلية" تاريخا حافلا بهذه النضالات وتراثا غنيا. جميع الاسرى يستمدون من هذا التراث التجربة والفرصة الجيدة لكسب المعرفة والمعلومات من اجل تأمين الحضور الذهني والجهوزية من الناحيتين النفسية والجسدية لكي يتمكنوا من الدخول في اية معركة يفرضها عليهم الاحتلال في سجونه، والتي من شأنها ان تعرضهم لسوء المعاملة والتضييق على حركتهم. وكنا، من اجل طعامنا وكرامتنا، نفتح المعركة دوما تحت عنوان: "اما حياة كريمة جديرة بنا لكوننا بشرا او الموت ولا الذل".
وبالنسبة للاضراب المفتوح (الاستراتيجي) فقد كان يحضر بسرية تامة من قبل الاسرى واللجان المنتدبة خوفا من ان يحصل العدو على المعلومات الفورية فيعمل على افشال الاضراب قبل بدئه، وذلك من خلال زرع العملاء بين الاسرى. بسبب هذه السياسية، كثيرا ما نجحنا في اعلان اضرابات فوجئ بها العدو لانه لم يعرف بها مسبقا.
المهم ان الاضراب يجري الاعداد له قبل اشهر، وقد يستمر الاعداد سنة او اكثر وتحدد ساعة الصفر قبل اشهر حسب تطورات الوضع السياسي الخارجي والمعطيات السياسية الداخلية. يتم التنسيق بين كل السجون حول التفاصيل الصغيرة والكبيرة وفي شتى القضايا والمجالات وتعين قيادة من بيننا ويتفق على الية العمل والبرنامج حتى تتوحد جميع قلاع الاسر بكلمة السر.
كان يتم التنسيق كذلك ما بين السجون والخارج بتبادل رسائل سرية لتحريك الشارع والجماهير للوقوف الى جانب الاسرى. وهذا الامر يشكل عاملا مساعدا لانجاح الاضراب وتفعيل دور الاعلام بشكل اكثر فعالية وتنشيط المؤسسات الانسانية وجمعياتنا العامة من خلال بعث الرسائل لشرح موقفنا والاوضاع التي نمر بها والتي لا يمكن السكوت عنها، مع التأكيد باننا نخوض اضرابا حتى الموت ما لم تتحقق مطالبنا الانسانية العادلة.
بعد كل هذا التجهيز والتحضير الدقيق تبدأ عملية الاضراب. ومع اول يوم من انطلاقه تبدأ ادارة القمع بتضييق الخناق علينا بشتى الوسائل، محاولة بذلك افشال الاضراب من خلال سحب مكاسب نلناها في الاضرابات السابقة، كما تشن حربا نفسية ودعائية لتحطيم المعنويات والارادات.
ومن هذه النقاط تبدأ حرب الارادات بيننا وبينهم ويستمر الاضراب اياما واياما، وفي كل يوم يراهنون على انه سوف يفك الاضراب. لكن الايام تمر ونصل احيانا الى الشهر ونحن نعاني من الجوع، المعدة خاوية لا يدخلها سوى الماء وحبات قليلة من الملح. ومع التجارب الكثيرة للاسرى تتعود اجسادهم على هذا النوع من الاضرابات. لكن الكثير منهم يقل وزنه، وبعد انقضاء فترة طويلة من الاضراب لا يقوى على الحراك وكثيرا ما يلازم فراشه او الارض. الا ان المعنويات كانت تقوى يوما بعد يوم بقدر ايماننا بعدالة قضيتنا والمطالب التي اضربنا من اجلها.
وكقاعدة مركزية لتحركنا كنا نشكل لجنة وطنية عامة موسعة، أي على شكل برلمان، تكون المسؤولة اولا واخيرا عن مصير الاضراب وتتخذ القرارات المناسبة بشأنه خاصة حول استمراريته او تجميده. المهم ان اللجنة - البرلمان تأخذ القرار عند اطلاق ساعة الصفر في المعركة وتحدد ما اذا كان الاضراب قد حقق اهدافه كاملة او جزءا منها. كما انها تضع الاستراتيجية الكاملة في ادارة عملية التفاوض وترسم الخطوط العامة لمتابعة تطورات الاضراب وذلك لسد الثغرات من اجل عدم تكرار الاخطاء مستقبلا.
وبالرغم من حالة اللهفة والشوق الى ملذات الاكل على انواعه كنا نصمد وكانت معدتنا تتلوى وتكثر الآلام في الليل وخاصة عند وقت النوم. كانت الايام تمر وكنا نشعر بان كل يوم يعادل عاما بكامله لكنه كان بحد ذاته اختبارا وامتحانا لمعدن الانسان ولارادته ولصلابته في المواقف وارتباطه بالقضية النضالية التي اعتقل من اجلها وقضى سنوات عديدة في هذه الزنزانات "الاسرائيلية".
ومع استمرار الاضراب كنا نشكل لجانا فرعية من اجل ادارة الامور ميدانيا وزرع الشجاعة وبث الروح الوطنية العالية بين الاسرى وخلق الروح القتالية العالية وشرح الموقف اليومي واعطاء كل المعلومات حول المستجدات والتطورات المتعلقة بالمفاوضات القائمة بين اللجنة النضالية وبين ادارة القمع "الاسرائيلي" في المعتقلات.
ومن هذه اللجان كنا نشكل اقساما ونضع مسؤولين عنها ومساعدين يتابعون المهام اذا تم سحب المسؤول وعزله من قبل الادارة ويكون المندوب همزة وصل بين اللجنة الوطنية وبقية الاسرى لشرح موقف كل اسير. وعلى المندوب ان يجيد الحوار ويتمتع بصلابة الموقف، اضف الى ذلك صفات ومميزات عالية من التقدير والشخصية القوية امام ادارة العدو فيفترض بها ان "تهابه وتعمل له حسابا كبيرا" وتدرك في الوقت نفسه ان الاسرى اختاروه ليس عبثا بل لان له تأثيرا كبيرا في المعركة.
كما كانت اللجنة تختار مسؤولين للغرف والزنزانات فيكون كل منهم المسؤول والناطق الرسمي باسم الغرفة امام مسؤول القسم واللجنة النضالية، ومسؤول ايضا عن كل احتياجات الاسرى الموجودين في الزنزانة وهو الذي يرفع باسمهم اراءهم واقتراحاتهم حول الاضراب.
واخيرا يقرر فك الاضراب بعد تحقيق جزء كبير من الاهداف، واذا تعذر على اللجنة الوطنية العامة تأخذ القرار المناسب، وبرزت اختلافات في وجهات النظر حول الجدوى من استمراره او فكه، يعود القرار عندئذ الى عموم الاسرى من خلال الاستفتاء العام وحينئذ يحسم الامر لصالح الاغلبية.