طارق قانصو : المعتقل والصمت والكلام


قال لي الضابط "الاسرائيلي": "سوف تذهب الى معتقل الخيام وهناك يعرف كلابنا كيف يجعلونك تعترف."

في الثالث والعشرين من شهر تموز من العام واحد وتسعين اعتقلت عند معبر كفرحونة واخذت فورا الى ثكنة الريحان حيث بدأت عملية استجوابي من قبل مسؤول المنطقة. بدأ فورا بالتهديد بانه في حال عدم تعاوني مع المعتقلين سيقودونني الى معتقل الخيام.

انقضت الليلة الاولى في الثكنة على الرغم من قولهم لي في البداية ان الامر لا يعدو كونه ربع ساعة. وانجلى الصباح لاجد نفسي معتقلا يتوجه به الى داخل الشريط المحتل وتحديدا الى داخل مستعمرة "المطلة" حيث باشر ضابط "اسرائيلي" مهمة التحقيق معي بشكل متواصل حتى الساعة الرابعة عصرا. عندما وجد انني لست "ضالته المنشودة" في عملية التعاون، قال لي بالحرف الواحد: "سوف تذهب الى معتقل الخيام وهناك يعرف كلابنا كيف يجعلونك تعترف."

صدق المسؤول "الاسرائيلي" معي حرفيا. اخذت الى الخيام حيث بدأت عمليات التحقيق واستمرت ثلاثة اشهر ونصف شهر، ورأيت خلالها كل فنون التعذيب. غير ان ما ترك اثرا وجرحا كبيرا في هو قيام الاحتلال بزرع عدد من العملاء وتوزيعهم على عدد من الزنزانات التي غالبا ما تكون المحطات الاولى للاسير الجديد. ومع ان هؤلاء العملاء هم معتقلون مثلنا ومروا بحالات تعذيب مماثلة، الا ان نفوسهم ضعيفة امام الاغراءات، وذلك اما طمعا في تسهيل حركتهم في السجن وتخفيف سنوات سجنهم او من اجل عشر سجائر يوميا، اضافة الى الخروج من وقت الى اخر للاستحمام او الجلوس تحت اشعة الشمس.

والحقيقة ان عمالة الزنزانات قد شكلت ابرز مظاهر المعتقلات والسجون التي يرزح تحتها المعتقل، وقد كان الخيام واحدا من تلك الاماكن التي عجت بهذا النوع من العملاء الذي يطلق عليهم معتقلو الخيام اسم "السنافر"، ومرجعهم مدير امن المعتقل جان الحمصي المسيطر عليهم سيطرة كاملة، جاعلا بعضهم رقيبا على بعض ليتسنى له السيطرة التامة عليهم، كما انه يأمرهم بتجنيد عملاء آخرين ليكونوا عبيدا تحت امرته. المهم ان هؤلاء العملاء يشكلون في اكثر الاحيان واسطة الاتصال مع الامن لينقلوا لهم نتائج التحقيق الداخلي الذي اجروه داخل الغرف مع الاسرى الجدد ويعودون بالتعليمات اللازمة لتنفيذها.

لقد خبرناهم وعايناهم، كلاب وفية لاسيادها تحفر بانيابها حفرا لنصب الشرك لتوقع به الفريسة كي يتسنى للعدو الحاقد ان يفوز بالطرائد.

فمنذ الايام الاولى لوجودنا في معتقل الخيام نوضع في غرفة كباقي الغرف، ضيقة، فيها اشخاص، اذكر ان احدهم كان لا يزال قيد التحقيق، كما كان هناك واحد مضى على اعتقاله سنتان ونيف، محطم النفسية، اثار ضربات خطيرة لا تزال بادية على رأسه وكأنه خرج منذ وقت قصير من قبر سكنه لفترة من الوقت، استقبلني بالترحاب والتهليل حتى كدت انسى رغم الجراح التي المت بي اني موجود في معتقل الخيام. لم اتمالك نفسي من الدهشة عندما راح يعرض علي بطولاته ومغامراته محاولا بذلك انتزاع الثقة مني ليتسنى له الغوص والمباشرة في المهمة الموكلة اليه، وبعد عدة ايام عندما ادرك انه لن ينال ما يريد، عمد الى تغيير اساليبه وظهر على صورته الحقيقية المتخفية وراء هذا القناع من "الكذب والخداع"، فانطلق على سجيته "المتصهينة" محاولا ايذائي بالضرب، بتوجيه من الشرطة، على الرغم من اني لم اكن قد شفيت من الجراح.

 كنت اراه يخوض مع السجين الآخر المسألة نفسها، فكان يسامره حتى ساعة متأخرة من الليل وكنت اسمعه ينتزع منه ما لم يستطع "سوط المحقق" انتزاعه، ليخرج السجين في الصباح ويعود بعد وقت طويل وقد انهكه التعب والسوط دون ان يلتفت الى ان ما سأله عنه المحقق هو نفسه ما رواه في الليل.

ايام طويلة قضيتها، لانقل بعدها الى غرفة عميل اخر وهكذا دواليك، يعاد الشريط بمحاولات جديدة ومغامرات متتالية والنتيجة واحدة. شهر تقريبا قضيته بضيافة اول عميل قبل ان ينتهي التحقيق. اما باقي العملاء الموجودين، فتتكاثر اعدادهم وتتنوع اساليبهم ويفقدون الحياء والخوف رويدا الى ان يصبحوا في قمة الوقاحة، فيتناسون ما جرى لهم في التحقيق وفي غرف التعذيب نفسها ويعملون لمصلحة من عذبهم وانتهك حرمتهم واعتدى بالكلام على اعراضهم. وتدور رياح الغدر والمكر والخداع بمنة ويسرة من زنزانة عميل الى اخرى. فما اوقحهم حين يقفون بباب الغرفة يقولون لذاك الخائرة قواه والمتخبط في بحر العذاب والقلق والخوف والمضرج بالدماء في اكثر اوقاته، لقد جلبوا اختك الان ولا ندري ما يجري لها! انها تصرخ من الالم وتستغيث، ما عليك الا انقاذها من بين ايديهم فهم لا يعرفون للانسانية معنى. ثم يبدأون بسرد قصص حصلت لفتيات دخلن المعتقل، اختلقوها ليثيروا "حمية الشرف والعرض" وليحصلوا على المعلومات التي يكسبون بها رضى اسيادهم.

هؤلاء العملاء اسمعوا رجلا، اقلقه غيابه عن اولاده، صوتا اوهموه بانه صوت ابنته الصغيرة، يأتي من مكان قريب اليه، من غرفة المحقق، اوهموه بانها موجودة عندهم وهي موثقة وما عليه الا ان يتكلم لينقذها. وحين يحل اخر ضيفا عليهم، وبعد ان تكون اساليبهم المعتادة قد فشلت في الاسفار عن نتيجة مرضية لهم ولمن وراءهم، فلا شيخهم الوهمي "مشت بضاعته" ولا آلة كشف الكذب "اتت اكلها" ولا التخويف والتهويل من اطالة السجن لفترة طويلة افلحا، حينئذ يعمدون الى اتهام احد الاسرى بالعمالة وبانه اندس بينهم ليكون عينا واذنا للعملاء و "يفتون" بقتله لانه عميل، وتبدأ مشاوراتهم ووشوشاتهم على مرأى ومسمع منه، وهنا لا ينجو الا كل ذي حظ عظيم.

تبدأ جولاتهم بالضرب والتعذيب النفسي ويتداورون السهر عليه كي لا ينام في الليل، وهو يعلم ان لا نوم في النهار بل تحقيق وتعذيب، فيشتكي للشرطي ولا يجد ملجأ له الا التصدي لهم مهما كانت النتائج او اعطاءهم ما يريدون حتى وان كان من وحي الخيال ونسج الابتداع. ومنهم من يريد اشباع غرائزه المتوحشة المفترسة التي ترى في رضى العملاء انسا له، فيختلق القصص ويصطنع ويؤلف كل ما يوصل الى العمود والسوط وصيحات الالم.

ومن مؤامرتهم الدنيئة ان دبروا لاحد الاسرى الجدد طريقة للهرب والتخلص من السجن فاوهموه بانهم سيقبضون على الشرطي ندما يأتي ليفتح الباب ثم يقومون بضربه ليغمى عليه ثم يهربون. وحين اتى الشرطي كان الاسير المسكين يظنه وحيدا وهو لا يدري ان كل الكلاب المسعورة جاهزة للانقضاض عليه، اذ ان الشرطة وعملاء الزنزانة جاهزون جميعا لاكمال المسرحية، وما ان فتح الشرطي الباب حتى انقض عليه فما رأى امامه سوى عصي وسياط تنهال عليه وتعاجل جسده ضربا، ثم سحب الى الساحة وعلق على العمود بعدما كان عملاء الزنزانة قد تفانوا في هذه الجولة من التمارين، ورقص الجلادون والسجانون فرحا واجتهدوا جميعا بكل ما اوتوا من وسائل وادوات لضرب هذه "الخشبة التي كان اسمها انسان" والتي بدت وكأنها خلت من الروح لولا الانين المنبعث بين اللحظة والاخرى كأنه يخرج من بئر عميقة. ويكررون الحالة مرة اخرى مع اسير اخر وتعود الجولة المحببة لتروح عن انفسهم عناء السجن ومأزق الاعتقال. اما المعتقل الذي اوهموه بالقدرة على الهروب فعادوا وحاولوا اقناعه بانهم غمزوه في اللحظة الاخيرة كي لا يفعل شيئا.

جرت هذه المناورات مع المعتقلين الجدد الذي لا يعرفون هذه الافعال الشنيعة التي تخصص بها عملاء الزنزانة. ولا اغالي اذا قلت انهم حاولوا إغرائي لكي اصبح عميلا تابعا لهم، والرفض الدائم كان يكلفني الالم الكثير.

كما اني لا اغالي اذا قلت ان اسوأ الحوادث هي التي تسبب بها العملاء في الزنزانات.

بقينا على هذه الحال فترات طويلة الى ان قضى الله امرا كان مفعولا واصبحنا احرارا، عندما خرجنا في 26 حزيران 1998 من الجحيم الى فضاء الحرية ورحابها، ونحن اليوم ننتظر من الدولة اللبنانية ان تفي بوعودها تجاهنا وتؤمن لنا وظائف من اجل تعويض الكثير مما فاتنا.