رجائي ابو همين : المعتقل والصمت والكلام


كان في استقبالي اشخاص لا يعرفون الرحمة ولا هي تعرفهم. كانوا يضربونني ضربا مبرحا ويرددون "بتعمل عمليات وله!"

في 12 ايلول 1990 تجهزنا رفاقي وانا لتنفيذ عملية، وكان المناسبة ذكرى انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. كنت احمل سلاح الـ"ب.ك.س" وكل واحد من رفاقي يحمل "ب-7" وكلاشنكوف. كان عددنا ثلاثة، انطلقنا من منطقة معينة الى مكان العملية الكائن في منطقة "برغز"، والهدف كمين تابع لموقع الاحمدية. وصلنا في الساعة الرابعة والنصف من بعد الظهر، وكان احد الرفاق يراقب لنا الطريق ويتصل بنا عبر اللاسلكي لانه يتعذر علينا رؤية الدورية من مكان الموقع الى مكان الكمين.حين وصلت الدورية بلغنا بذلك، ولكن كانت العتمة قد سيطرت واصبحت اطرافها مترامية على جميع المنطقة، فقررنا بعد التشاور تأجيل التنفيذ حتى الصباح. كنا اثناء الليل نسمع صوت الدبابة تدور وتنطفئ. كانت دوريتهم تتألف من ستة عشر عنصرا وطاقم الدبابة. كان معهم من الآليات دبابة مركافا وناقلة جند (ام - 113).

في صباح 13-9-1990 جهزنا انفسنا، وعند بزوغ الفجر اذا بعنصر "اسرائيلي" يقف على برج الدبابة، يبعد عن مكان وجودنا حوالي خمسة وستين مترا. هنا قررنا التنفيذ، وركز قائد المجموعة على العنصر الموجود على البرج فيما باشرت ورفيقي باطلاق النار. اطلق قائد المجموعة قذيفة الـ"ب-7" على الدبابة، أي على مكان العنصر، وفتحت النار بسلاحي، وكذلك فعل الرفيق الثالث، فاذا بالصهيوني الواقف على البرج يقع كعصفور ذبيح. ظللنا نطلق نيران اسلحتنا حتى تمكنا من ايقاع عدد من القتلى والجرحى. استمر الاشتباك ربع ساعة. امرنا قائد المجموعة بالانسحاب، فلبينا الطلب، وعند الانسحاب كان دوري الهاء انظار العدو كي يطاردني ويغير سيره عن باقي المجموعة. وما ان رآني العدو حتى اخذ بمطاردتي.

في هذه الاثناء عادت الاشتباكات مع مجموعة الاسناد، ودامت وقتا طويلا، وكنت اركض حين وقعت بشكل مؤلم واحسست وكأنني غبت عن وعيي. بدأت المروحيات تحلق وترمي بالونات حرارية ضد الصواريخ وتطلق النار من رشاش عياره 12.7 ملم (800 طلقة في الدقيقة) بعدها سيطر الهدوء على المكان. ما ان استعددت للانسحاب حتى شاهدوني واخذوا باطلاق النيران علي من مكان قريب يكاد يطالني. فما كان علي الا الاستسلام بعدما وقعت وعجزت عن التحرك.

هكذا تم اسري، فنقلوني الى تلة الاحمدية، حيث موقعهم، وكان هناك بانتظاري ضابط صهيوني. عند وصولي الى الموقع اخذ هذا الضابط بالتحقيق عن هذه العملية وبدأ باستجوابي لاقول من كان معي والى اين تم الانسحاب.

ومن موقع الاحمدية نقلوني الى معتقل الخيام الكائن في جنوب لبنان المحتل، فكان في استقبالي اشخاص لا يعرفون الرحمة ولا هي تعرفهم. كانوا يضربونني ضربا مبرحا ويرددون "بتعمل عمليات وله!" ما كان علي الا ان اتحمل هذا الضرب الوحشي واصبر لكوني مؤمنا بقضيتي المقدسة.

 نقلوني الى غرفة اخرى، وهناك كان التحقيق معي. اخذوا اسماء اهلي واعمارهم، واخذ المحقق الجاف يتعامل معي بالشتائم والكلام البذيء فضلا عن الضرب وصب الماء علي. واخذ محقق ثان يسألني عن العملية وكم واحدا نحن ومن يعمل معك من بلدتك وعن مخازن السلاح وعن عمليات ستنفذ وو.... ويتخلل هذه الاسئلة كهرباء، وتعليق على العمود وضرب بالكرباج والعصا وركلي بعد تمديدي على الارض، وكثير من اشكال التعذيب الوحشية.

استمر اول يوم من التعذيب حتى الصباح. واخذوني الى غرفة صغيرة تحاذي غرفة فيها شخصان اخذا يسألانني عن قصتي، ويسألان عن حاجاتي، وعرفت من اسئلتهما انهما من عملاء الزنزانة الذين باعوا ضميرهم وشرفهم فاصبحوا اكثر لؤما من بني صهيون.

كان دور هؤلاء العملاء يقضي بالتودد للاشخاص الجدد كي يحصلوا منهم على معلومات عن المقاومة تفيد العدو الصهيوني وعملاءه اللحديين. كانوا يتلونون حسب انتماء "الضيف" الجديد. يثيرون نقاشا كي يشارك الجديد بهذا النقاش ليعرفوا من يحب او لمن يتبع. كثير من الاشخاص تحملوا الضرب ولم يعترفوا، فاستدرجوهم الى الاعتراف، هؤلاء الأوغاد ! بعضهم من يضربون المعتقل الجديد في الغرفة ويتهمونه بالتعامل ويحسبون انفسهم من الشرفاء. يتحايلون على المعتقل الجديد باساليب عديدة، بتكارمون عليه بالدخان والكلام المعسول، واذا تكلم الجديد عن شيء يهمهم، يتمارضون كي ياخذهم الشرطي الى العيادة حيث مكان الممرض، ولكن هذا السجان يأخذهم الى غرفة التحقيق حيث يدلون بما جنوا من "المسكين الجديد".

وكل ما يجنونه من هذا الدور هو ان يخرجهم السجان الى ساحة الشمس او يعطيهم دخانا اذا كانوا يدخنون كما يعدهم بالافراج القريب، الا ان وعودهم كاذبة يستعملونها كي يستفيدوا من ضعف العملاء وقلة ضميرهم وجبنهم. ومن ثم ينقل الاسير الجديد الى غرف جماعية، فيها الاخوة والرفاق الشرفاء كما العملاء السريون، فما كان علينا الا ان نحذر هؤلاء.

كنا خلال سنوات الاسر نقضي الوقت بالنقاشات الفكرية والاجتماعية وحفظ القرآن والشعر والاقوال المفيدة. وبعد دخول الصليب الاحمر الى المعتقل كنا نقرأ الكتب ونلعب "الدامة" والشطرنج و"ورق الشدة" ونصنع الاشغال اليدوية التي هي عبارة عن مسابح مصنوعة من حف بذار الزيتون او الكرز وثقبه عن الرأسين وتنعيمه وجعله املس وكأنه صنع في معمل. ثم كان هناك التطريز، أي رسم صورة معينة على خرقة بيضاء وتطريزها بالابرة والخيط. نأتي الخيطان من ثيابنا حيث "نكر" الكنزة او الجوارب او نسحبها من المناشف. كما صنعنا اطارات للصور من الكرتون الذي نأتي به من المطبخ، هذا اذا سمح الشرطي، وهذا الكرتون هو كرتون علب الجبنة والمعلبات. ولكن بعد حين امرت ادارة المعتقل بتوقيف الكرتون.

 وهناك ايضا العمل بالخرز، وشك الخرز والبرق والرسم على الورق وغيرها من الاشغال اليدوية المحدودة. اما الوسائل التي نصنع منها الاشغال اليدوية فهي الابرة، الصمغ، المسطرة، الاقلام، المبراة، الممحاة والتلوين. هذه الادوات موردها الصليب الاحمر الدولي. وهكذا كنا نبقى بين النقاشات والاشغال اليدوية حتى يتم الافراج عنا، وهذا ما حصل معي حيث افرج عني في 26-6-1998 في عملية التبادل التي حصلت عبر معبر كفرفالوس بعد ان كنت قد اعتقلت في سنة 1990.