فادي العلي: المعتقل والصمت والكلام


- اخلع ثيابك.

خلعت ثيابي حتى الداخلية منها ! قد يتعرى الانسان، لكن لا يفقد كرامته. تعريت وفقد هو كرامته.

لكل شيء بداية، وبدايتي كانت عند النهاية، نهاية شيء يسمى الحياة. فبدايتي وبداية من رسم لهم القدر القهري هذا الطريق، كانت ضربة قاسية في وريد التحرك او التفكير. ففي يوم 1-5-1988 مساء الاحد الساعة الرابعة والنصف تقريبا (في سهل ابل السقي)، وبعدما اجتزت حاجز قوات الطوارئ الدولية بسبعمئة متر تقريبا، كنت شارد البال، مرفرفا فوق عالم الملموسات افكر "بوردتي"، غدا لقاؤنا، انه اللقاء الحاسم الذي سيحدد لاثنين بين هذه المليارات الخمسة والنصف طريقا يكتنفه الحب والعشق والورد والشوك. كنت طائرا مرفرفا في بداية الطيران، في بداية الفرح، في بداية الاحزان الجميلة والى جانبي ملاك طاهر بريء، امي، الحنونة الطيبة.

تهادت سيارتي على طريق الاسفلت مترافقة مع نبضات قلبي ورقصات احلامي. واذا بسيارة جيب من نوع "تويوتا"، زيتية اللون، تظهر امامي، تضم داخلها خمس جراثيم سافلة منحطة خائنة، ترفع امامها الظلام والظلم الاسود الخانق، تقف على بعد مئتي متر امامي، قاطعة الطريق، تاركة مسافة لمرور سيارة امامها. لم يتبادر الى ذهني أي شيء او أي خوف. تقدمت ببطء فتبين لي ان بداخلها نائب مسؤول امن المنطقة ومسؤولا اخر يقود السيارة وثلاثة في الخلف. ترجل نائب الرئيس مبتسما ابتسامة الموت والحقد الجاهل اللئيم. اومأ لي لاتخذ يميني واتوقف. في البدء لم انتبه له ولا لغيره، لاني كنت ما زلت تحت تخدير حلمي. توقفت، قال لي بعد القاء السلام على الوالدة اريد مكالمتك على انفراد. نزلت والتقينا وراء السيارة، قال: يريد الضابط "الاسرائيلي" ان يسألك في مرجعيون بعض الاسئلة. بعد كر وفر، رفض ان اوصل امي الى المنزل الذي يبعد خمسة عشر كيلومترا، قال لي "سأرسل من يوصلها".

علمت من اصراره ان المسألة ليست مسألة مدة قصيرة، بل رحلة طويلة تتعدى الايام، انها دعوة الى البداية، الى معتقل الخيام. بعد نقاش مع والدتي رضخت للامر، كانت مرتبكة، الدمع يدغدغ جفنيها، يداها ترتجفان حزنا، قسمات وجهها تنفجر قهرا وعذابا. حاولت ان امسك اعصابي، ثم استدرنا الى وراء الجيب. فتحوا لي الباب الخلفي. وكانت الصاعقة‍، نعم لقد كانت صاعقة اشعلت انفجارا في قطار حياتي، بيد انها المحطة الاولى، والجبار العظيم يعلم متى نصل المحطة النهائية. كان يوجد رجل في داخل الجيب واخر في الخارج، علمت من المشهد امامي انها رحلة الوداع. حاولت ان القي نظرة اخيرة على امي بقدر ما استطعت لكن النذل كان قد وقف حاجزا بين عيوننا. في ارض الجيب كان صديقي موثوق اليدين، معصوب العينين، علمت حينها ما ينتظرني.

صعدت، فلاقاني احد المأجورين باخمص بندقيته على خاصرتي مقهقها ببرودة الموت والسفالة:

- كيف العمل؟ سألني.

- نشكر الله. رددت بصوت حاولت ان لا يكون مخنوقا عصبيا. وانطلقنا..

كانت الطريق امامنا كأفعى تتلوى راقصة فرحة بعيد ميلادنا الجديد، تفرش ظهرها لهذه الآلة الغريبة. كانت اقصر رحلة عرفتها في حياتي. وصلنا البوابة، كانت كلمة السر (تحيا سوريا) عندها احسست في اعماق شعوري وعقلي، وللحظات خلت، بان العالم كان كرة بين يدي، وسألت نفسي اين اصبحت الان؟

وصلنا الى ساحة ووقفنا امام غرف وضع فوق كل واحدة منها رقم بالخط الكبير من (الواحد الى الستة). عندها عصبوا عيني وانزلوني الى الارض ونزل قلبي معي. انها المحطة الاولى، صفر القطار صفارته معلنا وصول راكب جديد لينضم الى القافلة، قافلة "الشهداء الاحياء".

جاء رجل، كبلني باصفاد معدنية ووضع في رأسي كيسا اسود وربط فوقه عصبة سوداء على عيني واوثقها وثاق "الحارس الامين"، ثم قادني عبر طريق تعترضه بعض الدرجات صعودا ونزولا الى ان وصلنا الى مكان ما. قال:

ادر وجهك الى الحائط، لا تتنفس، لا تتحرك ولا ترفع الكيس عن وجهك.

- لكني متضايق فانا مريض بالتهابات في انفي.

ضحك ضحكة ساخرة لئيمة حاقدة وقال:

أتظن نفسك في اوتيل خمس نجوم، سوف نريك النجوم في عز الظهر‍ صاح ضميري اوليس انسانا‍ انه لا يملك ذرة واحدة من الاحساس ‍ واستدرت الى الحائط، ذاك الحائط الذي صرخ باعلى صوته يا هذا اهلا بك وبالقافلة‍.ز

 شردت بدوامة امي وابي، ترى... لن اراهما بعد الان، واصدقائي و.. حبيبتي. بدأت الدقائق ثم الساعات تزحف حولي، في صدري ورأسي، افكار كأنها امواج نار تريد خنقي. انا في حلم؟ كنت اسأل نفسي واعود فاسيطر على اعصابي. انا الان في خط المواجهة مع العدو، لقد ازيلت كل الحواجز وابرز الكلب انيابه. اوقفوني على الجدار ما يقارب خمس ساعات، دارت في الدنيا ما دارت واوهمتني ما شاءت، احسست كأني في عالم سلخ عن هذه الدنيا نهائيا، عالم يدور باتجاه، ومعتقل الخيام باتجاه اخر. طلبني المحقق وبدأ يسألني الى ان وصلنا الى نقطة قلت له فيها:

- لماذا تعاملونني هكذا، لم توقفوني متلبسا بعمل اقوم به ضدكم؟

- يا (...) تقاتل جيش الدفاع "الاسرائيلي" والابرياء "الاسرائيليين" وتقول انكم لستم ضدنا.

كان المحقق لبنانيا، عندها عرفت معنى كلمة "عميل مأجور" بكل معانيها، بكل فواصلها.

- اخلع ثيابك. قال لي.

خلعت ثيابي حتى الداخلية منها ‍ طبعا قد يتعرى الانسان، لكن لا يفقد كرامته. تعريت وفقد هو كرامته. هو من يبث التفرقة والضغينة واللؤم والحقد بين الشعوب ويستميت لاجل "اسرائيل". بعدها احضر شريطين كهربائيين ربط احدهما بعضوي الذكري والاخر دسه في مؤخرتي ثم كهربني مفرغا حقده بي.

 

وبدأت رحلت التعذيب، ساعتان من الضرب المبرح والكهرباء، بعدها اخرجوني ثم اخذوني الى حمام جماعي، وضعوني فيه مكبلا ومعصوب العينين. قال الشرطي، اللبناني الهوية، "اياك ان تتحرك، اركع"، ركعت. "وجهك الى الحائط"، استدرت. "هذا جزاء من يقاتل دولة "اسرائيل"".

انفجرت بداخلي التساؤلات وكأنه يحدثني عن دولته، عن شعبه وامته، خنزير، سافل، حقير باع شرفه بمئتين وخمسين دولارا. اين شباب العرب الشرفاء؟ اين الرجال؟ اين؟ واين؟ واين؟ لماذا يتركوننا نقاتل باجسادنا، نلتحم بالدبابات، نطعم الارض لحمنا ونسقيها دمائنا كي تظل كرامة العرب والمسلمين مصونة.

تساءلت: لماذا يتخلون عنا في هذه الظروف؟ لماذا يتخلون عنا في يوم تكالب فيه كل الطامعون حتى وصل الحد الى ان عربيا يتكلم بلسان صهيوني يدافع عن "اسرائيل" وكأنها امه. الا ان المهم الان هو كيف علي ان لا اعترف ولا ادعهم يصلون الى أي شيء يريدونه.

هذه الحياة استمرت شهرين وانتهى التحقيق وفرزت الى السجن.

 معتقل الخيام يعود بناؤه الى عام 1932، بناه الاستعمار الفرنسي. فالسجن قديم، وهذا يعني انه قد حمل بين جناحيه ابطالا رفضوا الذل والهوان. السجن يتألف من خمسة اجنحة، كل مبنى منفصل بحد ذاته، وفيه اربعة اجنحة مخصصة للرجال وواحد للنساء. ويتألف كل جناح تقريبا من عشرين الى خمس وعشرين غرفة مع ثلاث او اربع غرف للشرطة وغرفة افرادية للمعتقلين. كان دخولي الاول الى غرفة وجدت فيها احد زملائي في المدرسة وكنت واياه قد انشأنا زمالة جيدة، كان اللقاء حارا. ارتحت كثيرا لوجود انسان فهمته واحببت التعامل معه. كانت غرفة لا تتجاوز المترين وربع طولا وعرضا، سقفها يرتفع الى ثلاثة امتار وربع، في زاويتها سطل للبراز والبول وابريق بلاستيكي للماء، مع متاعنا البسيط ومع فرشنا وثلاثة اغطية من الصوف لكل واحد منا. جلست واياه وبدأ بارشادي على نظام السجن.

بدأت الرحلة في 12 حزيران حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، جاء شرطي ونادى باسمي بان اجمع اغراضي. كانت اغراضي فراشا لا تزيد سماكته عن سنتمترين وثلاثة حرامات، اعتقد انها من مخلفات الحرب العالمية الثانية ‍ واظن انها غسلت لاخر مرة في تلك الحرب. لملمت اغراضي، كنت شبه طبيعي، فتح لي الشرطي الباب وقال: "امش امامي". اتجهت الى باب السجن الخارجي واعتقدت بانه سيفرج عني، اسرعت الخطى فصرخ بي قائلا: "الى اين؟ اظننت افراج؟" كان صوته يشق هواء الرواق النائم. بدأ النور من حولي يتبدد شيئا فشيئا وعادت الرطوبة تشق طريقها الى انفي وجسدي، واستفقت على وجه الشرطي امامي يصرخ بي ككلب مسعور ارتسم على وجهه حقد الصهاينة كله، امرني بان اتبعه الى داخل السجن من الجهة الثانية. كان رواقا ضيقا لا يزيد عن المتر وعشرين سنتم، بلاطه يعود الى ماضي بعيد، اصفر منخور منحدر الجدار عن جهته اليمنى، اصفر كوجه الموت المصاب بالجدري.

لاحظت ان "الكلفة"، وهم من المساجين الذين يخرجون لتوزيع الطعام، يتكلمون مع السجناء، وعند دخول الشرطي الرواق يخافون ويبتعدون. كنت اختلس النظر فارى اشباح رجال تتحرك بسرعة، تسترق النظر الي وتعود لتنبطح او لتجلس، لا ادري، لكنها كانت تختفي بسرعة.

 اخيرا وصلنا الى الباب، وقف الشرطي وبيده حلقة تحتوي على اكثر من اربعين مفتاحا من الحجم الواحد. دس المفتاح المقصود وفتح المغلاق. اشار بان ادخل، دخلت الى الغرفة واذا بشاب اشقر طويل، مبتسم ابتسامة تأهيل وترحيب، يستلم مني اغراضي بسرعة ويضعها على الارض ويستدير من خلفي ليغلق الباب للشرطي ليقفله، نظرت حولي فوجدت شابا جالسا وامامه صحن يأكل منه، لم يعرني أي انتباه في البدء، كان اسمر داكن السمرة، ملتحيا وشعره قصير لا يتجاوز النصف سنتم. تقدم "جعفر" وعانقني، قبلني بحنان وحضنني، احسست بحنانه نخترق جسدي، رآني مضطربا، فأثلجت نظراته الحنونة الطيبة صدري وبدأ يرحب بي ترحيب "الاخوة الصادقين" وكأنه يعرفني منذ زمن. جلسنا، كانت الغرفة منظمة، مرتبة، في سقفها الحديدي ربط حبلان من غسيل، علقت عليهما غيارات داخلية وبلوزة او اثنتان واكياس البسة، اما وراء الباب فالحرامات مطوية والغرفة نظيفة.

فجأة بدأت الضربات على جدران الغرفة من اليمين والشمال فوقف الاشقر ورفع رأسه وقال: يا جيران اتركونا شوي. اسمه فادي علي - متحدثا عني - من بلدة الهبارية عمره 19 عاما نمرة رجله 41، ابيض، شعره اسود وطوله مئة وسبعون سنتمترا، ضعيف ووسيم. ثم قال صوت من الغرفة "اسمع يا فلان، اجلبه بسرعة وفهمه الوضع". فهمت عليهم، جلس فلان وبدأ يسألني عن العمليات اين ومتى، كأنه تحقيق مع ضابط صهيوني. راح يسألني عن اية وكالة سمعت عن العمليات او أي تلفزيون او راديو. لم آبه بداية ثم رويت له كل ما تذكرت.

في الليل بعدما نام الاشقر اقترب مني "جعفر" وقال لي: "نحن نثق بك لاننا نعرف عنك كل شيء من ابناء بلدك"، سأعلمك حياة السجن كما تعلمت وجربت. اولا، عليك ان تعلم انهم يزرعون بيننا دائما عملاء لا نكشفهم الا بعد مدة طويلة، بعدما يحصلون على معلومات قد تضر بشخص، باشخاص، بالسجن كله او حتى باشخاص في الخارج. هؤلاء العملاء، اضاف، هم رجال منا، كانوا معنا لكنهم سقطوا امام السيجارة وحب الخروج بسرعة، وهذا الشخص، يقصد به الاشقر، منهم. في السجن عليك ان تنسى كل شيء عن الخارج، تنسى كل شيء جميل، وتتأقلم مع الجو هنا. بقدر ما تكون مرنا وصاحب روح رياضية ترتاح وتكتسب اصدقاء، وحاول دائما ان تتعلم من كل ما يحيط بك وما يحصل معك".

بقينا معا سبعة اشهر، نمت بيننا صداقة، وفجأة صرخ الشرطي باسمه بان يجمع ثيابه، لم استطع الوقوف، اندهشت ولم اقدر على الكلام. نظر الي، رأيت وكأن عينيه تصرخان بنظرات متمردة رافضة، تصرخان بالف لا. كانت ايدينا ترتجف وعيوننا تتهم الصمت العربي بالخيانة، الرجعية، الوصولية، تجول في ازقة القاهرة ودمشق وطرابلس ومكة، في كل عاصمة عربية، وعاودتني قصيدة حفظناها معا "يا سجاني يا عتم الزنزانة، عتمك رايح، ظلمك رايح، نسمة بكرا ما بتنساني، يا سجاني".

وصل الشرطي، حان الفصل بيننا، رجعت الى الوراء وهو يقول لي "لا تزعل، هذه حال السجن".

بعد شهر طلبت الى التحقيق لاعادة فتح الملف وعندما خرجت من غرفة التحقيق اخذوني الى ساحة. قال لي الشرطي:

- اخلع ثيابك.

- كلها؟

  - نعم، اتستحي؟

فضحكت وقلت في نفسي "امام العار تستحي انت يا فاقد ماء حياء وجهك. كيف تنظر الى جسد شريف يا اسفل البشر، بسفالتك يجب ان تستحي انت من نفسك ولا تنظر الى ما هو اسمى منك، لانك لا تستحق النظر الى ما لا تستطيع ان تكون مثله". خلعت ثيابي وكان نصرا جديدا اعلقه على صدري.

مرت الايام وتبعتها السنون، وكنا نتعلم حياة السجن التي زرعت فينا التدقيق في الامور وحفظها وممارستها بكل ما نستطيع من قوة، واكمال التعليم الذي هو الاساس في السجن، وهذا ما يجب ان يرغب فيه السجين لانه يجب الا تضيع منه فرصة يؤكد فيها لنفسه "ان السجن هو صانع الرجال".

هكذا كنت في سجني اقتل الوقت في التفكير، في الخيال، وايضا في مراجعة الاخطاء، وكنت انظر الى الجدران، واصرخ، من اعماق اعماقي، الى متى هذا الذل؟ هذا التخاذل؟ كنت اصرخ "يا شعبي، انت من صنعت حضارة اضاءت انوارها اوروبا، وما زال العالم الاول ينهل من نورها‍ يا شعبي، كيف ترضى بان يكون ابناؤك سجناء حثالة البشر، حثالة الحضارات، مزبلة التاريخ".

كل يوم مثل غيره، لكن الجرح في صدري كان ينزف دما، وعقلي كان تواقا للثأر، للقتل، لا للجمود. وخرجت ظانا ان كل شعبي، كل الجهات، من رسمية وغيرها، ستقدر عملي وتأخذ بيدي، لكني وجدت نفسي اقف في الفراغ. اداروا لي ظهورهم وتركوني. مع اني لم اكن ابغي سوى العطف، لا لاجلي بل لاجل كل شريف.

لا تنسوا المقاومة ضد كل الظلم. انا لم اصنع مجدا، انني الفكر المحرك الذي صنع شيئا، ولقد شققت لغيري طريقا اسميته "طريق الاحرار" طريق كل من يريد لشعبه الحرية.

بعد اطلاق سراحنا وتحريرنا، وعدتنا الدولة باشياء كثيرة جميلة كسبت بها الرأي العام، ولم يعلم الرأي العام باننا لم نحصل على شيء مما وعدوا، أتعلمون لماذا، لان الدولة تملك الاعلام، اما نحن فلا نملكه، لانه ليس هناك اعلام حر او متحرر بل هناك اعلام مقيد مسير.

اما بالنسبة للمجتمع فهو لم يفهمني بل تجاهلني، وعذابي في السجن لم يكن الا نقطة في بحر، امام اطفال قانا ودموع امهات الشهداء، امام لهفات الحبيبات المنتظرات فرسانهن في ارض المعارك من جبهة الناقورة الى العرقوب. خوفي ان يضيع وطني وتضيع امتي. خوفي على شعب يقف مقيدا امام تحديات التاريخ.