مفيد عبود : المعتقل والصمت والكلام


"اصوات الاسرى لا تزال تطن في رأسي، اسمعهم يصرخون من الالم بسبب استعمال الكهرباء والعصي ورمي الماء البارد والساخن... لا ازال اسمع صيحات الاستنكار والاحتجاج التي كنا نرفعها ونترجمها بالضرب على الابواب للضغط عليهم لاعادة "المعذب" الى زنزانته."

 

ككل رجل وطني وجدت نفسي مندفعا لمقاومة الاحتلال "الاسرائيلي" الذي يحتل جزءا من وطني لبنان. بحكم انتمائي الى هذا الواقع، اعتقلت من قبل ميليشيا لحد التابعة "لاسرائيل" في بلدتي حولا، ثم اقتادني العملاء الى معتقل الخيام حيث بدأت رحلة العذاب التي تميزت بتهديدات كثيرة بجلب زوجتي واخواتي الى المعتقل للضغط علي طلبا للمعلومات، وكان قد جرى اعتقال شقيقتي خديجة عبود عام ستة وثمانين ثم افرج عنها عام سبعة وثمانين.

وشاء العملاء ان افرز الى احدى الزنزانات التي كان فيها شخص اخر وذلك بعد سلسلة من عمليات التعذيب الوحشية. المهم ان هذا الشخص ادلى بمعلومات للعملاء نسبها الي، ما استدعى اعادة التحقيق معي واعادة مسلسل التعذيب من جديد ولكن هذه المرة باسلوب اكثر شراسة وعنفا في انتهاك حقوق الانسان. ثم جرى اقتيادي، برفقة المعتقل الجديد الذي ادلى بالمعلومات، الى البلدة بهدف البحث عن قطعة سلاح مخبأة كانت في حوزتي.

وهناك شاء القدر ان اشاهد للمرة الاولى ابنتي التي لم اكن قد شاهدتها قبل ذلك لانها ولدت اثناء غيابي في سجن الخيام.

خلال هذا الوقت بدأت مرحلة جديدة من حياتي بعدما انتهت فترة التحقيق. هذه الحياة تشبه الى حد ما حياة "القبر" لانني كنت اساق الى الزنزانة الافرادية كلما وقعت مشكلة او عراك مع عملاء الزنازين المنتشرين في زوايا المعتقل.

والزنزانة الافرادية، او "الحواكير"، كانت عبارة عن مساحة يبلغ طولها 160 سنتم، وعرضها 120 سنتم، مع ارتفاع مترين. كانت الغرفة مظلمة، بدون كهرباء ولا ماء، خالية الا من الظلام، فيها فقط دلو لقضاء الحاجة.

خلال فترة الاعتقال شاركت في عدة اضرابات عن الطعام للمطالبة بتحسين حقوقنا الانسانية طبقا لما تتضمنه اتفاقية جنيف بشأن معاملة الاسرى والمعتقلين.

اما ابرز الاضرابات فكانت الانتفاضة التي جرت في 25 تشرين الثاني عام تسعة وثمانين والتي ادت الى استشهاد معتقلين هما: الشهيد بلال السلمان والشهيد ابراهيم ابو عزة.

وهذا الاضراب جرى التحضير له طوال عدة اشهر.

بالنسبة الى وجبات الطعام، كانت عبارة عن عشر حبات زيتون ومكعب جبنة صباحا، اما الغداء فكان "يخنة" بطاطا مع صحن ارز لخمسة اشخاص.

غرفنا، "زنزاناتنا"، كانت تعج بالمعتقلين، حيث ننام مثل "السردين" داخلها ونعاني من الرطوبة والروائح المعفنة صيفا، والبرد القارس شتاء بسبب عدم توفر الأغطية الكافية.

 هذا المسلسل اليومي الذي نحياه، ادى الى تدهور حالتنا الصحية واصابتنا بالعديد من الامراض. ومن جملة هذه الامور اصابني الم شديد من "مسمار بين اضلعي" بحجم ثلاثة سنتيمترات بسبب الضرب المبرح بالعصي التي تحمل المسامير. هذا الامر دفع بالعملاء الى اقتيادي الى المستشفى لاجراء بعض الفحوصات وانتزاعه وذلك عام خمسة وتسعين، أي بعد سبع سنوات من اعتقالي.

كيف لا نصاب بالامراض ورحلة الالم والعذاب لا تنتهي. اصوات الاسرى لا تزال تطن في رأسي، اسمعهم يصرخون من الالم بسبب استعمال الكهرباء والعصي ورمي الماء البارد والساخن... لا ازال اسمع صيحات الاستنكار والاحتجاج التي كنا نرفعها ونترجمها بالضرب على الابواب للضغط عليهم لاعادة "المعذب" الى زنزانته.

لقد كنا نبلسم جراحنا معا. كل واحد منا دواء للاخر، يعمل على بث روح التضحية والصمود فيه.

هذه الحياة استمرت حتى عام ثمانية وتسعين حيث اخلي سبيلنا بعد المحادثات التي جرت عبر الصليب الاحمر الدولي مع جيش الاحتلال "الاسرائيلي". اخلاء السبيل هذا لم نعلم به الا عندما اخرجنا من بين رفاقنا واخواننا ووضعنا في جناح خاص بنا حيث قالوا لنا ان الافراج سيكون قريبا.

ومع اطلاق سراحي، خرجت الى الفضاء الواسع، الى حضن اهلي وابنتي، غير ان هذه الحرية والفرحة لم تنسياني الاخوة الذي قضيت معهم سنوات طويلة، سنوات من العذاب والحرمان جمعتنا خلالها وحدة القضية وحب الوطن ووحدة المعاناة نتيجة ظلم العدو.

لم انس كيف تهافت الشباب علينا ليحملونا تحياتهم وسلامهم الى اهلهم واحبائهم.

لقد عشنا معاناة صعبة، ونتطلع اليوم الى تحقيق ما تصبو اليه احلامنا، ونتمنى على الدولة اللبنانية ان تحضننا وتعمل على اعطائنا جرعات امل للتفاؤل بالمستقبل اذ لا تكفي عطاءات مجلس الجنوب المحدودة.