إلى أين أيها الجنرال |
ما زال الجنرال يرتدي بزته العسكرية، وما زالت لعبة الحرب هي المفضلة لديه، لم يستطيع الجنرال يفهم أن حتى الآن أن دوره تغير ومهامه تغيرت وبالتالي أسلوبه في التفكير والتكتيك والاستراتيجية والحسابات يجب أن يتغير. آن الأوان لهذا الجنرال أن يتذكر ما قاله المفكر العسكري كلاوزفيتس أن الحرب هي استكمال للسياسة إن فشلت السياسة في تحقيق الغايات. يعتقد صاحبنا أن كلاوزفيتس كان مخطئاً. ويتصرف على أن الأهداف السياسية يمكن أن تحدد بعد أن تفرض آلة الحرب البشعة حقائق على الأرض مكتوبة بالدم. وبالتالي تفرض شروط المنتصر على الطرف الأضعف. نقول للجنرال أنه مخطئ، وأن مستقبل الشعوب لا يُحدده عدد الدبابات والطائرات، خاصة إن كان المستهدف شعب أعزل إلا من بعض الحجارة، وعدالة قضية وصراع مستمر حتى الاستقلال. فلم تستطيع فرنسا أن تستمر في حكمها واستيطانها للجزائر بالرغم من آلة الحرب الضخمة التي كانت لها وسنوات الاحتلال الطويلة. ولم تستطيع أمريكا وآلة الحرب العظمى لديها من قمع شعب فيتنام الأعزل. ولم تستطيع قوات ميلوسوفيتش من قهر شعب البوسنة، فإدارة الشعوب أقوى من كل دبابات الغازي واسلحته، والعدل لابد وأن ينتصر في النهاية. لم يفهم هذا الجنرال حتى الآن أنه يخسر كل لحظة ومع كل شهيد يسقط على أرض فلسطين فرصة ممكنة للسلام الذي يحقق له ولشعب إسرائيل العيش بسلام وآمان في المنطقة. خسرت إسرائيل في الأربع الثلاث الماضية كل ما حاول العالم أن يقدم لها من فرص للتعايش السلمي، خسرت كل المحاولات العربية في استيعاب إسرائيل كجزء من المنطقة. وخسرت فرصة استمرت لأكثر من خمسين عاماً. حاول فيها فلسطينيو الداخل التعايش مع الكولونيالي القادم من كل بقاع الأرض ليتقاسم معهم أرضهم ومائهم وسمائهم وهوائهم. خسرت إسرائيل مع هذا الجنرال إمكانية عقد سلام دائم مع فلسطين قلب الصراع العربي الإسرائيلي في كامب ديفيد الثانية. عندما حاول أن يلعب بورقه الدين وتحويل الصراع إلى صراع ديني بينه وبين كل الآخرين. خسر هذا الجنرال وخسرت معه إسرائيل فرصة شرم الشيخ الثانية في إعادة الهدوء ووقف حملته الاستعمارية المتجددة ضد شعب فلسطين الأعزل في قراه ومدنه. خسرت إسرائيل مع هذا الجنرال الفرصة الأخيرة التي قدمتها له الحكمة والعقلانية العربية في القمة العربية الطارئة. يبدو أن جنرال العمليات الخاصة مازال يرى عملية السلام وكأنها عملية كوماندوز خاصة أساسها أن القائد يخطط بشكل خارج عن المنطق والتوقع، وبالتالي تكون نتائجها خارجة عن التوقع والمنطق أيضا. فإما تكون انتصاراً خارقاً للعادة وإما تكون هزيمة نكراء لا يستطيع القائد العسكري توقع نتائجها أو الخروج من مأزقها. تماماً كما حاولت الموساد أن تفعل مع خالد مشعل في عمان منذ فترة، فلو نجحوا في العملية لكانوا يتغنون بها وبدقتها وعظمتها. ولكن فشلها وضع الحكومة الإسرائيلية في موقف المذهول ، وبالتالي كانت الحكومة الإسرائيلية آنذاك مستعدة لعمل أي شيء للخروج من الأزمة لتي وضعت نفسها بها. وبيان الحكومة الإسرائيلية بقيادة ( الجنرال الخارق للعادة ) حول الوقف المؤقت لعملية السلام هي رصاصة الرحمة الأخيرة في جعبة الجنرال على مستقبله السياسي وعلى حلم كل العاقلين في إعطاء السلام فرصة. إعلان الحكومة الإسرائيلية يعتبر إعلان الحرب على الذات أولاً وعلينا ثانياً. بالنسبة لنا فنحن شعب معطاء ومناضل وصراعنا مستمر منذ أكثر من مئة عام وسيستمر حتى تحقيق الحلم الفلسطيني في دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف. وسلاحنا فيها صدورنا العارية وحجارة أرضنا المباركة وفي النهاية سننصر لأننا نعرف ما نريد. أما معركة الجنرال مع ذاته فهي شأنه وحده، وهي معركة بين قطبي السلام والحرب في إسرائيل وهي معركة العقل والجنون، والمتغطرس قصير النظر مع العقلاني بعيد النظر وفي النهاية هذا خيارهم فليواجهوه بأنفسهم ولكن لن نسمح لهم بإهدار دمائنا في معركتهم ولن نسمح لهم بأن يمارسوا قمعهم وفصلهم العنصري وجرائمهم علينا بدون ثمن. إنّا هنا باقون، في أرضنا، ندافع عن حقوقنا مهما كان الثمن ونعلم أنه بالنهاية الحق الفلسطيني سينتصر، وسنعلن دولتنا على كل أرضنا المحتلة ووفقاً لقرارات الشرعية الدولية بعاصمتها الأبدية القدس الشريف.
|