متاعب البحث عن
السلام |
بالرغم من التقارير الإعلامية المتفائلة ، حول تقدم العملية التفاوضية على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي ،إلا أننا بحاجة إلى تقييم موضوعي للمرحلة الراهنة من المحادثات السلمية ،خاصة إذا أردنا حصر العقبات التي تعترض طريقنا ، وتحديد المهام الملقاة على عاتقنا وعاتق أصدقائنا في أنحاء العالم،لمواصلة المسيرة الطويلة و الشاقة لوضع حد لقرن من النزاع. وتتمثل العقبة الأولى بالرفض الإسرائيلي لتطبيق ما تبقى من البنود الواردة في اتفاقيات المرحلة الانتقالية الموقعة ، بما فيها عملية إعادة الإنتشار الثالث ، التي ينبغي أن تشمل كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، وذلك وفق اتفاقية أوسلو ومجمل الاتفاقيات اللاحقة؛ (باستثناء القضايا المفترض البت بخصوصها في إطار محادثات المرحلة النهائية، وهي المستوطنات والقدس والحدود ، ومواقع عسكرية معينة ) ؛ وتشغيل الممر الآمن الشمالي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين الفلسطينيين وأخيراً عودة النازحين الفلسطينيين الذين نزحوا عن أراضيهم في أعقاب حرب عام 1967. و من الاستحالة بمكان أن تنخرط القيادة الفلسطينية جدياً في مفاوضات الوضع النهائي ،ما لم تشهد هذه القضايا تقدماً واضحاً وملموساً على الأرض. فكيف للفلسطينيين أن يوقعوا على اتفاقية دائمة مع شريك لا يوفي بالتزاماته؟ كيف للعملية التفاوضية بأسرها أن تحتفظ بشيء من المصداقية في عيون الشعب الفلسطيني المحبط والغاضب من جراء الزحف الضاري والمتواصل للمستوطنات، ومصادرة الأراضي ، وشق الطرق، وهدم البيوت ،إضافة إلى تعرضه الدائم للمواقف الإسرائيلية المعلنة التي تهدده بضم أراضيه و اللجوء إلى استعمال القوة العسكرية ضده ، عدا عن تجاهل و نفي أبسط حقوقه ؟ لذا يعتبر تنفيذ الاتفاقيات الإنتقالية متمثلة ب(أوسلو-القاهرة-طابا-واشنطن-الخليل-واي ريفر-شرم الشيخ) بمثابة إجراءات استعادة الثقة ، والتي من دونها ، لا يمكن تصور تقدم جوهري على المسارات الأخرى. أما بخصوص المسائل المركزية للوضع الدائم، فلا تزال الفجوة ما بين موقفي الطرفين هائلة. وفي الواقع، توحي التقارير والتسريبات الصحفية حول المفاوضات ،بأنه حصل تقدم هام على صعيد قضية الأراضي ، حيث تبين أن الإلحاح الإسرائيلي بضم 35% من أراض فلسطينية قد انخفض ليصل إلى 10% ، وهي نسبة غير مقبولة لدى الفلسطينيين ، إلا أن ذلك يدلل على إمكانية زحزحة مواقف الحكومة الإسرائيلية في هذا الشأن ، وأنه و بفضل تعزيز الجهود وتنشيط دعم أصدقائنا، يصبح بالإمكان تطوير معادلة مرضية مبنية على أساس مفهوم مقايضة الأراضي. كما حصل بعض التقدم في الخطاب الإسرائيلي بخصوص نهر الأردن والحدود الجنوبية والشرقية للدولة الفلسطينية حيث بات الإعلام الإسرائيلي هذه الأيام يثير علنا إمكانية تفكيك جزء من المستوطنات أو إبقائها تحت السيادة الفلسطينية. ويصاحب ذلك بالطبع الطلب ، المرفوض فلسطينيا ، والمتمثل بضم الكتل الاستيطانية للأراضي الإسرائيلية . بيد أن هذا يشير أيضا إلى إمكانية تفكيك المستوطنات ، وهو ما يشكل خطوة حقيقية إلى الأمام في الطريق السليم. ولسوء الحظ، ما زالت هذه الاختراقات شفهية واختباريه وغير ملزمة تماماً. إذ لم يقدم الطرف الإسرائيلي أي اقتراح مكتوب بهذا الصدد، مما يعني أن العملية التفاوضية برمتها لا تزال هلامية المعالم و خالية من مضمون جدي .إضافة إلى ذلك، فقد بعث رئيس الوزراء الإسرائيلي مؤخراً برسائل مقلقة ، فحواها أن الوفد الإسرائيلي للمفاوضات ،غير مفوض بإنهاء أو حتى اقتراح أي أمر، و أن المفاوضات ستتم مباشرة في إطار اجتماع القمة الثلاثية الأمريكية الإسرائيلية الفلسطينية في الولايات المتحدة. أما العقبة الأعظم فتتمثل بالموقف الإسرائيلي إزاء القضيتين الرئيستين ، ألا وهما القدس واللاجئين ، حيث ما زال هذا الموقف ثابتا و بعيدا كل البعد عن متطلبات الحد الأدنى ، لأي اتفاقية من المتوقع أن تضع حداً لنزاع تاريخي ، دام أكثر من قرن ما بين الشعبين.
وفي غياب استعادة السيادة الفلسطينية العربية الإسلامية المسيحية على المدينة المقدسة، لن يتم التوصل إلى أية اتفاقية ، ولا أي سلام ولا أية مصالحة. فالقدس الشرقية أرض محتلة ، يعتبر ضمها والتوسيع الأحادي الجانب لحدودها البلدية ، ممارسات غير شرعية ، و تشكل سياسات التمييز والتطهير العرقي التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية تعبيراً واضحاً لهذه اللاشرعية. ولا يمكننا الشروع في وضع تصور لمخطط يضمن بقاء المدينة غير مقسمة جغرافياً ،إلا في حال استعادة الفلسطينيين للسيادة بشكل فاعل على القدس الشرقية. وما من قيادة فلسطينية توافق على التخلي عن الحقوق الفلسطينية في القدس. ويبدو أن الجمود الإسرائيلي إزاء هذا الموضوع لا يبعث على التفاؤل حيال المحصلة النهائية للمفاوضات الجارية. إنه من الصعب نزع فتيل النزاع المتأصل منذ زمن طويل ، من دون الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين والسماح الفعلي بعودتهم إلى أراضيهم التي طردوا منها بالقوة في العام 1948، ومن دون إيجاد تسوية عادلة لقضية التعويض عن ممتلكات الغائبين. ويشكل الرفض الإسرائيلي للحق الفلسطيني المعترف به دولياً بعودة اللاجئين الفلسطينيين، وإنكار إسرائيل الرسمي لمسئوليتها التاريخية في خلق مشكلة اللاجئين ، يشكل عائقاً أمام أية فرصة للمصالحة التاريخية كما ويهدد إمكانية الوصول إلى معاهدة سلام فلسطينية إسرائيلية شاملة. إن الإصرار الإسرائيلي على تقليص قضية اللاجئين وحصرها بالبعد الإنساني، و الذي بموجبه تقرر إسرائيل ،و حسب ما تراه مناسبا ،بالسماح بعودة عدد ضئيل من اللاجئين ضمن مخطط لم شمل العائلات، لا يبشر بالخير إزاء هذه القضية المحورية . ومن هنا، ينبغي أن يكون واضحاً للجميع أن ما من قيادة فلسطينية تقبل أن تضحي بحقوق اللاجئين مقابل استرجاع نسبة من الأراضي مهما كان حجمها. وفي مطلع أيلول القادم وبالتحديد في الثالث عشر منه ستشارف المرحلة الانتقالية على الانتهاء وبالتالي ستفقد الاتفاقيات الانتقالية خصائصها الإلزامية. وسيستلزم هذا الموعد حينها إطاراً قانونياً وسياسياً جديداً .كلنا أمل ، أن يتمكن الطرفان من جسر الهوة الكبيرة فيما بينهما، قبل حلول هذا التاريخ ، وتنشأ "الدولة الفلسطينية الديموقراطية والسلمية ،ذات السيادة والقابلة للاستمرار ،"والتي دعا إلى قيامها إعلان برلين ؛ بالتزامن مع اتفاقية سلام شاملة، معلنة بذلك عن بدء مرحلة جديدة لشعوب هذه المنطقة.و لكن، وفي حال لم يتحقق ذلك، فلنا الحق في إعلان السيادة على أراضينا ، بموجب حقنا غير القابل للتصرف والمعترف به دولياً. وستكون هذه الأراضي عبارة عن دولة مستقلة ، محتلة جزئياً ،حيث سنواصل التفاوض من أجل استعادة كافة أراضينا وحقوق شعبنا. إلا أن هذه الخطوة يجب أن تفهم كما هي فعلاً أي كإسهام في السلام وتجسيدا لنية صادقة تجاه المستقبل، ولا يمكن أن تشكل تهديدا لاحد، ذلك لأن السلام يبقى خيارنا الاستراتيجي ، بغض النظر عن مدى تقدم أو تراجع المفاوضات الراهنة والمتاعب المصاحبة لها. 1/7/2000
|