الحلقة الثالثة
شعبنا فجرّ الانتفاضة ضد الاحتلال ولم يستأذن قائداً أو فصيلاً

كانت الثمانينات حافلة بالأحداث فلسطينياً وعربياً ودولياً في هذه الحلقة يتطرق الدكتور جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى أبرز المحطات في ذلك العقد وصولاً إلى انعقاد مؤتمر مدريد قبل أربعة أعوام ، وهنا نص الحلقة الثالثة .

بعد اتخاذ القرار بالخروج لماذا اختار الحكيم دمشق وليس تونس ؟
بالطبع اخترت الذهاب إلى دمشق لأنني مدرك أنني أستطيع عبرها الاستمرار في ممارسة الكفاح المسلح ، وإعادة بناء الجسم العسكري للجبهة ، وكذلك أستطيع المشاركة بفاعلية في أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي للبنان كل ذلك كان ممكناً من خلال الساحة السورية ، لماذا؟ لأن سورية دولة من دول الطوق وكان لها موقف واضح من الاجتياح تجلى برفضها الكلي للنتائج السياسية والعسكرية للاجتياح ، والعمل بجدية لإزالة هذه النتائج عبر دعم الحركة الوطنية اللبنانية وتطويق المشروع الكتائبي الانعزالي ومنع أصحابه من جني ثمار هذا الاجتياح ، أما إذا ذهبت إلى تونس فماذا أستطيع أن أفعل من هناك ، على بعد آلاف الكيلومترات من فلسطين ؟
كانت في ذهني المساومة السياسية التي سيدخل فيها أبو عمار بعد الخروج من بيروت ، وذلك بوضعنا جميعاً أمام الأمر الواقع عبر مقولة أنه لم يعد أمامنا سوى القبول بما هو مطروح علينا من مبادرات أميركية لحل القضية الفلسطينية ، لأن الصراع مع إسرائيل وفق رؤية أبو عمار لم يعد ممكناً واقعياً بعد خسارة الساحة اللبنانية .
من هنا كان قراري التوجه إلى دمشق والاستمرار في المقاومة ومواجهة نتائج الاجتياح إذ لا يجوز أن نترك لإسرائيل جني ثمار عدوانها بكل بساطة ، وأكدت الوقائع لاحقاً صحة وجهة نظرنا في ضوء الخسائر الكبيرة التي تكبدتها إسرائيل من جراء هجمات المقاومة اللبنانية التي كنا جزءاً رئيسياً منها .

ماذا يذكر الحكيم عن الموقف السوفيتي أثناء الاجتياح؟
أذكر أنني التقيت السفير السوفيتي في بيروت ، وقومنا الوضع العام وأهداف العدوان الإسرائيلي ، لكنني لم أكن أراهن على موقف سوفيتي مثل التدخل المباشر في المعارك أو تقديم إسناد عسكري إلينا لأنني أعرف جيداً حدود الموقف السوفيتي والسقف الذي يمكن أن يصل إليه ، وكان الشارع العربي عموماً يسجل موقفاً سلبياً من الموقف السوفيتي في موضوع الاجتياح ، وبعض التنظيمات انتقد علانية الموقف السوفيتي ونحن لم نفعل ذلك .

بعد الخروج من بيروت أتت حرب الجبل في لبنان ، أي دور لعبته "الجبهة الشعبية" في هذه المعارك؟
لا أريد أن أعرض دور الجبهة الفاعل والمهم في حرب الجبل ، ويمكنك أن تأخذ الإجابة من الحركة الوطنية اللبنانية وبالذات من الحزب الشيوعي والحزب التقدمي الاشتراكي لانهما الأكثر دراية بالدور الذي قمنا به في دعم القوي التي ساندتنا في بيروت .
وعموماً كان فهمنا لمعركة الجبل أنها استكمال للمعركة التي لم تنته مع العدو الصهيوني والسلطة اللبنانية بخروجنا من بيروت وللحق فإن الدور السوري في المعارك كان مسانداً لنا بقوة .

أين كنت تقف من أحداث طرابلس الدامية ؟
كنت مدركاً هدف أبو عمار من العودة إلى طرابلس ، وقومت عودته سلباً وطالبنا منه العودة إلى تونس .

ولكن لماذا عاد أبو عمار إلى طرابلس ؟
أراد أبو عمار من خلال عودته إلى طرابلس القول أن الخيار الذي اتخذه بالذهاب إلى تونس كان صحيحاً ، وأن خيارنا بالعودة إلى سورية كان خاطئاً ، وكذلك عاد ليؤكد وجودة في لبنان ويخرب على القوي التي تقاتل الوجود الأطلسي والإسرائيلي هناك .

هل تعتقد بأن أبو عمار عاد إلى طرابلس ليكمل عملية سحب قوات "فتح" من لبنان ؟
لا أستطيع القول أن هذا كان هدف أبو عمار ، وعلى كل الأحوال كانت معارك طرابلس نقطة سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني وأمل ألا تتكرر في يوم من الأيام ، لأن الجميع خرج منها مهزوماً وكان الشعب الفلسطيني الخاسر الكبير .

طرابلس وتوقف في مصر التي لعبت إلى جانب الفرنسيين دوراً مهماً في تأمين خروجه من المدينة ، يومها انتقدت زيارة أبو عمار بشدة ، ماذا كانت هذه الخطوة تعكس لك ؟
بعد التدخلات والوساطات العربية والدولية غادر أبو عمار كان واضحاً في ذهني أن أبو عمار حسم خياراته السياسية باتجاه استكمال المخطط المرسوم في ذهنه لإنهاء الكفاح المسلح والسير في نهج كامب ديفيد وأن اختلفت المعطيات والتسميات .

قاطعتم جلسات المجلس الوطني الذي عقد في عمان في 1984 وعدتم إلى المشاركة في المجلس الوطني الذي عقد عام 1987 أين كنتم تختلفون مع أبو عمار وعلى ماذا اتفقتم لاحقاً ؟
خلافنا مع أبو عمار في مجلس عمان كان يتمحور على ضرورة استمرار الثورة والحفاظ على بنية المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني ، في سياق خط وطني واضح وسليم فيما وصل أبو عمار إلى مرحلة عدم القدرة عل الاستمرار في مسيرة الثورة ، وبالتالي الدخول إلى مسارات مساومة مع كل من مصر والأردن ، لأنه بات مقتنعاً بأن لا بد له بعد مرور عشرين سنة من عمر الثورة الفلسطينية من الحصول على شئ ما ، وهذا يعود إلى عدم إدراكه الدرجة الأولى لطبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه الكبرى ، والتي لابد من أن يقابلها مشروع فلسطيني ثوري مقاوم حتى يتسنى للمشروع الثوري تحقيق نوع من التوازن الذي يمهد ويضمن لنا استرجاع حقوقنا .
وعندما عدنا إلى المجلس الوطني في الجزائر عام 1987 عدنا على أساس إلغاء وثيقة 11 شباط (فبراير) التي وقعها أبو عمار مع الأردن في 1985 ، وإجراء إصلاحات تنظيمية وديمقراطية داخل هياكل منظمة التحرير وبلفعل استطعنا أن نحقق نوعاً من التوازن السياسي داخل المنظمة ، لكن الثغرات التنظيمية ظلت قائمة إلى أن جاءت الانتفاضة بعد عقد المجلس ببضعة أشهر ، فكان أن دخلت الساحة الفلسطينية مرحلة نوعية جديدة .

أعتبر بعضهم أن الانتفاضة شكلت عملية تصحيح تاريخية لمسار العمل الفلسطيني عبر نقلها زخم المقاومة من الخارج إلى الداخل ، ما مدى دقة هذا الاستنتاج ؟
الدروس التي أفرزتها الانتفاضة كبيرة وعلى رأسها نقل زخم النضال من الخارج إلى الداخل ، وأعتقد بأن الأجيال القادمة عندما تفكر في إدامة الصراع مع المشروع الصهيوني يجب أن يكون في ذهنها أن ساحة الصراع الأساسية هي الداخل وأن العامل الخارجي لم يعد يتعدى كونه عامل إسناد لأن مواجهة العدو يجب أن تتم وجهاً لوجه .
ومن الدروس التي أفرزتها الانتفاضة أيضاً المشاركة الشاملة لكل فئات الشعب الفلسطيني في عمليات المواجهة مع الاحتلال من الشيوخ إلى النساء إلى الأطفال وأود أن أذكر هنا الدور المتميز الذي أداه الفتيان في تصعيد الانتفاضة وأدامتها ، هؤلاء الفتيان الذين أطلق عليهم اسم "أطفال الحجارة" .
ومن دروس الانتفاضة أيضاً أنها أوجدت مفهوم العنف الشامل الذي يجمع بين كل أشكال النضال العنيفة وغير العنيفة على نحو تكاملي فاعل أربك قوات الاحتلال وشل آلته العسكرية الضخمة التي عجزت فعلياً عن مواجهة الانتفاضة وأطفال الحجارة بالطبع نحن نفهم الانتفاضة مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني جاءت امتداداً لمرحلة الكفاح المسلح من دون أن تلغي العمل المسلح كشكل رئيسي من أشكال مواجهة الاحتلال .

بصراحة هل فوجئتم باندلاع الانتفاضة والزخم الشعبي الذي رافقها؟
نحن كنا نركز باستمرار بعد الخروج من بيروت على الداخل باعتباره ركيزة أساسية في النضال الوطني الفلسطيني إضافة إلى ركيزة الخارج لكنني لا أستطيع الادعاء أننا كنا نتوقع حدوث الانتفاضة بهذا الزخم والاستمرار والشمول ، وليس صحيحاً ادعاء أي قائد فلسطيني أو قوي فلسطينية أنها فجرت الانتفاضة كانت الانتفاضة من فعل الجماهير وإبداعها ، ولم تستأذن الجماهير هذا القائد ولا ذاك الفصيل عندما فجرت انتفاضتها في وجه الاحتلال .

حملت الانتفاضة معها الكثير من المتغيرات داخل الساحة الفلسطينية ، ولعل أبرزها دخول الحركة الإسلامية وتحولها إلى مكون رئيسي من مكونات هذه الساحة ، وهي الآن القوة الرئيسية التي تمارس الكفاح المسلح بفاعلية ضد إسرائيل ، كيف تنظرون إلى القوي الإسلامية في هذه المرحلة ؟ هل هي شريك أم منافس؟
في هذه المرحلة أنظر إلى الحركة الإسلامية بوصفها حليفاً أساسياً في مواجهة التحديات الكبيرة والمخاطر التي تتعرض لها قضيتنا الفلسطينية ، وأنا أقف ضد الخط الذي يطالب بفك عرى التحالف مع القوي الإسلامية لأن فكه سيكون لمصلحة إسرائيل الآن ، ونحن ندرك بالضبط وبالتحديد من هو العدو ، وأين يقع التناقض الرئيسي داخل الساحة الفلسطينية ، إنه مع أبو عمار ونهج أوسلو وليس مع الحركة الإسلامية ، لذلك فإن الرؤية السياسية السليمة للتناقضات في هذه المرحلة تجعلنا والقوي الإسلامية في صف واحد .

منذ انطلاق الانتفاضة قلتم أن ثمة خطين ونظرتين في التعامل معها ، خط أبو عمار الذي يريد استثمار الانتفاضة سريعاً وخطكم الذي كان يرى فيها رافعة لتحقيق شعار الدولة الفلسطينية ، ألا تعتقد بأنكم حملتم الانتفاضة أكثر مما تحتمل؟
عندما قلنا إن الانتفاضة نقلت شعار الدولة الفلسطينية من الإمكانية التاريخية إلى الإمكانية الواقعية ، فإن هذا الطرح لم يولد لدينا أوهاماً متسرعة ، تحدثنا عن إمكانية لا أكثر ولا أقل ، وتحقيق الإمكانية مرهون بتوفير شروط تحولها إلى واقع وقلنا في حينها بوضوح أن هذا الانتقال وهذه الإمكانية هما عملية نضالية طويلة تحتاج إلى مراكمة مقدمات كبرى سياسياً وتنظيمياً وكفاحياً ومادياً ، كما تحتاج إلى عمق وبعد عربي قادرين على استجابة مثل هذا الاستحقاق .
بهذا المعنى تحدثنا عن الإمكانية الواقعية للدولة ، وكنا ندرك أنه يصعب على الانتفاضة بواقعها وبظروفها ، أن تنجز هدفها المعلن الحرية والاستقلال أنها تحتاج إلى تضافر جهود كل القوي ، وكل طاقات شعبنا في الداخل والخارج فالحرية والاستقلال هدف ناظم لكل قطاعات شعبنا في الداخل والخارج ، ومن دون هذا التلاحم ومن دون توفير مقدمات تطوير الانتفاضة في كل المجالات ، وفي سياق نظرة كفاحية طويلة تعمل باتجاه تعزيز الوحدة الوطنية وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أسس جبهوية ديمقراطية ، ومن دون الحماية السياسية للأهداف الوطنية واستثمار قرارات الشرعية الدولية وتوفير الإسناد العربي ، من دون تصعيد الكفاح المسلح ضد العدو .. من دون كل ذلك فإنه نوع من المغالطة الحديث عن تحقيق الدولة الفلسطينية وهذا ما يفسر خلافنا الحاد مع شعار الدولة مرمي حجر .

لعب خليل الوزير ( أبو جهاد ) دوراً أساسياً في قيادة الانتفاضة ، هل أثر اغتياله في مجرى تطورها؟
كان أبو جهاد الشخصية الفلسطينية الرئيسية المشرفة على قيادة الانتفاضة وتوجيهها ، وكان يركز كل جهده ووقته لخدمتها وأعتقد بأن العدو الصهيوني كان يعرف جيداً قيمة أبو جهاد وأهميته لذلك خطط ودبر تصفية هذا المناضل الكبير ، أستطيع الجزم أننا لو خسرنا أي قائد فلسطيني لما تأثرت الانتفاضة كما تأثرت بغياب أبو جهاد وقد أستغل أبو عمار استشهاده وحول مجرى الانتفاضة سياسياً لخدمة برنامجه المعروف .

تفكك الاتحاد السوفيتي على يد غورباتشوف وانهارت المنظومة الاشتراكية هل كنتم تدركون أن "بيريسترويكا" ستقود إلى هذا الانهيار الكبير ؟
لا لم أكن أتوقع أن يصل غور باتشوف بالاتحاد السوفيتي إلى حدود التفكك وأذكر أنني سجلت بعض المحاذير التي يحملها خط غورباتشوف على منظومة الصراع الكوني ومع ذلك أعترف بأن بعض الرفاق في الجبهة تنبأ باكرا بالنتائج التي سيصل إليها الاتحاد السوفيتي في حال استمرار خط غورباتشوف على ما هو ، وكنا ندرك بالطبع مخاطر الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي إلى إسرائيل التي تضاعفت في عهد غورباتشوف.

[الصفحة التالية]