ألم يكن ممكناً تفادي الحرب الأهلية ؟
لا أعتقد ذلك .لماذا؟ لأنني أعتقد أن هناك مخططاً مرسوماً من قبل القوى المادية للثورة لضربها وتصفية الحركة الوطنية اللبنانية .

بعد اندلاع الحرب الأهلية بسنتين بدأت موازين القوي بالاختلال لمصلحة الحركة الوطنية اللبنانية ، هل كانت لدى القيادة الفلسطينية رؤية لتغيير النظام السياسي في لبنان ؟
بالنسبة إلى ياسر عرفات لم يكن خيار استبدال النظام السياسي في لبنان وارداً في حساباته السياسية لأنه كان يركز على العامل الفلسطيني أما بالنسبة إلينا في الجبهة الشعبية والكثير من القوي الوطنية اللبنانية ، فإن هذا الهدف كان قائماً إذا تمكنا من ذلك ، لماذا ؟ لأن استبدال النظام السياسي و إلغاء البنية الطائفية في لبنان آنذاك كانا سيغيران طبيعة الحركة وتصبح المعركة مع إسرائيل ذات طابع قومي أشمل عندما يتحول النظام السياسي في لبنان إلى نظام وطني قومي ديمقراطي يشارك في المعركة.

في الذاكرة الفلسطينية الكثير من المحطات المؤلمة والجروح النازفة ، كان أبرزها في محطة لبنان سقوط مخيم تل الزعتر الذي حمل سقوطة متغيرات كبيرة على صعيد الصراع الدائر في لبنان ، ما هي طبيعة الانطباع الوجداني والسياسي الذي تركه سقوط تل الزعتر؟
الحقيقة أن مجازر تل الزعتر وحملات الإبادة التي تعرض لها الناس فيه ولدت لدي ألماً كبيراً جداً ، خصوصاً على الصعيد الإنساني والأخلاقي العام ، فلم أكن أتصور أن يصل الانحطاط الأخلاقي والإنساني إلى هذه الدرجة من الإجرام والفاشية ، كما كان لاستشهاد الرفيق أبو أمل ( محمد الخطيب ) عضو اللجنة المركزية للجبهة أثر كبير في نفسي ، لأن هذا الرفيق كانت له صفات خاصة ، فهو مقاتل ومناضل من عائلة فقيرة ، بدأ العمل منذ الستينات مع الرفيق وديع حداد .
أما على الصعيد السياسي العام ، فقد كان سقوط تل الزعتر يعني أننا دخلنا في معركة كبيرة تهدف إلى تصفية المقاومة الفلسطينية في لبنان وتجلى هذا الموضوع في اغتيال القائد العربي الكبير كمال جنبلاط إذ كانت عملية اغتياله تحمل الكثير من الدلائل السياسية ، لأن كمال جنبلاط كان قائداً لبنانياً وقائداً عربياً كبيراً ، وكان الوحيد القادر على قيادة لبنان العربي المنشود .
واستمرت عملية تصفية المقاومة والحركة الوطنية في لبنان بعد سقوط تل الزعتر ولم يوقفها سوى زيارة السادات للقدس التي أحدثت متغيرات كبيرة في المنطقة ودفعت بعض القوي إلى إعادة النظر في حساباتها السياسية ، فكان أن دخلت الحرب في لبنان منحى آخر مع استمرار الجوهر وتبديل التحالفات الداخلية والخارجية .

ماذا تذكر عن كمال جنبلاط؟
أنا تعرفت إلى الأخ الكبير كمال جنبلاط في العام 1949 كما قلت لك في بداية حوارنا والحقيقة أن شيئين يميزان كمال جنبلاط : الأول طبيعة شخصيته وما فيها من خصائص استثنائية على صعيد حياته الخاصة والثاني قائداً وطنياً لبنانياً كبيراً ، وقائداً قومياً وهو كان معروفاً على الصعيد الدولي ورجلاً صاحب علاقات أممية واسعة وأهم جانب فيه انه كان يريد الوصول إلى بناء لبنان الديمقراطي بتوجهه اشتراكي ، وهذا ما جعلني أحبه وأحترمه وكان استشهاده خسارة كبيرة للبنان والثورة الفلسطينية والحركة القومية العربية .

في مرحلة لبنان نسجتم علاقات سياسية مع بعض الدول الاشتراكية لماذا تأخرت علاقاتكم إلى هذه الفترة ؟
الحقيقة علاقتنا بالدول الاشتراكية لم تكن مبكرة وهذا يعود إلى تزعمنا جبهة الرفض التي كانت تري فيها الدول الاشتراكية ، وبالذات موسكو ، نوعاً من المواقف المتطرفة ، وهذا ما جعل علاقتنا محدودة إذ كان سقف هذه العلاقات محدوداً بالاتصال بيننا وبينهم على مستوى سفارتهم في بيروت ،فيما كانت لأبو عمار و الجبهة الديمقراطية معهم علاقات واسعة وتعاون كبير على أكثر من مستوى كانت لنا علاقات تعمقت بعد زيارة السادات للقدس ، تلك الزيارة التي أفرزت تحولات كبيرة وبدأ نمو تلك العلاقات مع ألمانيا الديمقراطية وامتد بعد ذلك ليشمل كلاً من الاتحاد السوفيتي وبلغراد وتشيكوسلوفاكيا وأخيراً رومانيا .

هل كان لتبني الجبهة الشعبية الماركسية اللينينية في مؤتمرها الرابع عام 1981 علاقة بتطوير علاقاتكم مع الدول الاشتراكية ؟
لا أعتقد أن لهذا العامل دوراً كبيراً فالسبب الأكثر أهمية يعود إلى موقف سياسي .

على أثر العملية الانتحارية التي قدمتها دلال المغربي ، قامت إسرائيل بعملية اجتياح واسعة للجنوب اللبناني في آذار (مارس) 1978 ، أي دور للجبهة كان في التصدي لهذا الاجتياح ؟
نحن كنا جزاءاً من المقاومة التي تصدت للاجتياح الإسرائيلي ، ولعبت الجبهة دوراً متميزاً في عمليات المواجهة ، وبالذات في مدينة صور البطلة حيث لعب الرفيق أبو أحمد فؤاد دوراً مهماً وكبيراً في تلك المعركة .

علاقاتكم بالمؤسسة السياسية الفلسطينية (اللجنة التنفيذية) اتسمت بالمد والجزر منذغادرتم اللجنة التنفيذية عام 1974 وعدتم إليها في العام 1981 كيف تفسرون هذا الحراك؟
كانت مسألة وجودنا داخل اللجنة التنفيذية تقوم على أسس سياسية واضحة ومعروفة للجميع فنحن اكتشفنا بعد طرح النقاط العشر أن هذه النقاط ليست إلا مقدمة لجر منظمة التحرير إلى مجاهل سياسية خطرة لذلك انسحبنا من اللجنة التنفيذية بعد شهرين من إقرار النقاط العشر ، وبقينا على هذا الوضع حتى العام 1979 ، حين التحضير لعقد مجلس وطني فلسطيني، وكانت اللقاءات بين الفصائل تجرى في طرابلس الغرب في ليبيا وعلى أثر محادثات طويلة توصلت الفصائل مجتمعة إلى ما يسمى في حينها"وثيقة طرابلس" هذه الوثيقة هي التي عدلت النقاط السياسية الواردة في النقاط العشر وذلك من خلال الربط ما بين المرحلي والاستراتيجي ، كما جرى التشديد على مسألة عدم الاعتراف بإسرائيل ، وعلى الجانب الآخر من وثيقة طرابلس كان الشق التنظيمي .
وعقد المجلس الوطني الرابع عشر في قاعة اتحاد نقابات العمال في دمشق بحضور كل فصائل المقاومة ، وكان من الواضح أن أبو عمار مستعد للقبول بالشق السياسي من وثيقة طرابلس لكنه كان متأزماً ومنزعجاً من الشق التنظيمي ، ويسعى إلى التنصل منه لأنه لا يريد عملية إصلاح تنظيمي تحد من سلطته وتكبل تصرفاته السياسية ، تحت شعار فزاعة اليسار ومنعه من السيطرة على مقاليد المنظمة .
وخضنا معركة قاسية مع أبو عمار على هذا الصعيد غير أن بعض الفصائل الفلسطينية وقفت إلى جانبه ، وللأسف الشديد استطاع أبو عمار من خلال هذا الموقف إعادة السيطرة على منظمة التحرير واطلاق شعاره الشهير ، فليبق القديم على قدمه وبالفعل لم ندخل نحن إلى اللجنة التنفيذية حتى عقد المجلس الوطني الخامس عشر في دمشق في ربيع 1981 وحينها عدنا إلى اللجنة التنفيذية .

كان حصار بيروت الامتحان الأصعب للمقاومة الفلسطينية ، كيف كان الحكيم يعيش يوميات الحصار ؟
بطبيعة الحال كنت في بيروت عندما بدأت المعارك وكنت أمارس مهماتي الداخلية والخارجية ، وكان لدي عشية الاجتماع مشروع لتوحيد القوي الديمقراطية في الساحة الفلسطينية لواجهة العدوان الإسرائيلي المتوقع والمخططات المرسومة لتصفية المقاومة ولكن حتى أكون صريحاً معك لم نكن نتوقع أن تأتي الضربة الكبرى من إسرائيل مباشرة كنا نعتقد أن الضربة المباشرة ستقوم بها الرجعية اللبنانية ممثلة بالجبهة اللبنانية ووحدات عسكرية نظامية وتم تشخيص ذلك في مقررات المؤتمر الرابع للجبهة وكان في ذهني باستمرار وجود مخطط لضرب المقاومة ، وكان حجم هذا المخطط قائماً على اعتبار الرجعية اللبنانية أداته بالدرجة الأولى ، ثم إسرائيل التي قد تكون حدود عدوانها الجنوب اللبناني فقط .

كيف تقوم أداء المقاومة في اجتياح 1982 بأمانة وصدق ؟
سأجيب عن سؤالك بمنتهى الصدق والمسؤولية أداء المقاومة في مواجهة الاجتياح كان متفاوتاً كان بائساً بمظهره الرئيسي في الجنوب واقصد صور وصيدا على رغم المواقف المشرفة التي شكلت مظهراً ثانوياً في بعض المواقع مثل النبطية وقلعة الشقيف و ارنون ، وخاض خلالها المقاتل الفلسطيني قتالاً بطولياً ومشرفاً ، وكان مثالاً للتضحية والتفاني لو كانت المقاومة في الجنوب منظمة لتغيرت النتائج بعض الشيء ، ولما تشجعت القيادة الإسرائيلية على الاندفاع وتوسيع رقعة الاجتياح باتجاه بيروت والجبل .
وعندما اتضح المخطط الإسرائيلي وحجمه كنت على يقين أنه لا يمكن أن يصمد في مواجهة هذا المخطط إلا أراده جبارة بكل معني الكلمة ، ولم يكن في ذهني غير قرار الصمود والصمود وتحويل بيروت إلى ستالينغراد ثانية في مواجهة الغزاة وفي أول اجتماع للقيادة الفلسطينية عقدناه في منتصف حزيران قلت نحن صامدون ومن يريد الصمود فليبق ويقاتل ، وكانت الغالبية منسجمة مع هذا الرأي .
خلال حصار بيروت كان أداء الثورة الفلسطينية في القتال أكثر تنظيماً وقدم المقاتل الفلسطيني على مدار 86 يوماً من الحصار مثلاً رائعاً دافع المقاتلون عن بيروت المحاصرة دفاعاً مستميتاً في ظل صمت عربي رسمي وهجوم إسرائيلي أطلسي مركز وكثيف وعلى رغم قرار الخروج الذي حكمته جملة اعتبارات لبنانية داخلية وعربية وإقليمية شكلت معركة بيروت صفحة مشرفة في تاريخ الثورة الفلسطينية والأمة العربية ، ولا يمكن لأى قائد فلسطيني أن يتجاهل التضحيات الكبيرة والجسيمة التي دفعها الشعبان الفلسطيني واللبناني ثمناً لهذا الصمود .

أثناء فترة الحصار هل تعرضتم لضغوط من الحركة الوطنية اللبنانية للخروج من بيروت ؟
في البداية كان قرار الجميع الصمود ، ولكن مع مرور الوقت واشتداد الحصار وتطبيق إسرائيل سياسة الأرض المحروقة وشل مرافق الحياة بدأنا جميعاً نقوم المرحلة وندرس أماكن الصمود ومدى نجاعته وعلى اثر تقويمنا المشترك بدأت أقتنع بأن لا ضرورة للعناد والدخول في مواجهة انتحارية خصوصاً أن الموضوع لم يعد موضوع المقاومة والحركة الوطنية ، بل أصبح موضوع الجماهير اللبنانية وشعاره تجنيبها المزيد من اضربات والخسائر ، لأني بت مدركاً أن شعار تحويل بيروت لستالينغراد أخرى مستحيل .

عندما كان أبو عمار يفاوض فيليب حبيب عبر الرئيس شفيق الوزان وبعض الشخصيات اللبنانية هل كان يطلعكم على تفاصيل هذه المفاوضات ؟
يصف أبو عمار دائماً نفسه بأنه إنسان ديمقراطي لكنه لم يكن كذلك ، فهو لم يكن يطلعنا على تفاصيل مفاوضاته بالكامل مع فيليب حبيب ، لذلك عليك أن تسمح لأبا عمار ثم تقم أنت باستنتاج ما يريده أو ما يعرفه .

قرار الخروج من بيروت كيف تبلور؟ و من اتخذه ؟ ومن عارضه ؟
الغالبية الساحقة من قيادة المقاومة شاركت في اتخاذ قرار الخروج وأنا واحد منهم .

ولكن كيف تبلور قرار الخروج؟
الواقع ذاته هو الذي بلور قرار الخروج من بيروت ، خصوصاً بعد اشتداد الحصار إذ أصبح لا بد من أخذ حالة الجماهير اللبنانية في الاعتبار وكذلك موقف الحركة الوطنية اللبنانية .

ومن عارض قرار الخروج من بيروت ؟
أعتقد أن هناك بعض القيادات التي عارضت الخروج سواء داخل منظمة التحرير أو داخل كل فصيل ، وعلى صعيد الجبهة كان الرفيق أبو ماهر اليماني من معارضي الخروج ، إضافة إلى خمسة أعضاء من اللجنة المركزية للجبهة.

[الصفحة التالية]