في حقبة الأردن هل
كان موضوع تبني الماركسية اللينينية مطروحاً جدياً داخل صفوف " الجبهة
الشعبية " ؟
نعم كان موضوع الماركسية والموقف منها موضوعاً مهماً ، شغل
جانباً لا بأس به من حياة القوى السياسية الفلسطينية والعربية . وأذكر أنني
كتبت في تلك الفترة الاستراتيجية السياسية والتنظيمية التي تضمنت موقفنا من
الماركسية. وجوهر هذه الوثيقة أننا أخذنا بالماركسية كمنهج وأداة تحليل من
دون الاستغراق الكلي في تفاصيل القضايا الماركسية اللينينية التي كانت تخص
تفاصيل التجربة الروسية وبعض التجارب الأوربية.
نظرنا للماركسية باعتبارها نظرية علمية نسترشد بها, لكن هذا الاسترشاد
مرهون بكيفية فهم النظرية وتالياً القدرة على تطبيقها على واقع معين ومرحلة
معينة. فجوهر الماركسية هو المنهج الذي تمثله في رؤية القضايا وتحليلها
وتحديد أداة حركتها. وبالتالي فإن فهمي للماركسية كان يقوم منذ الستينات
على أساس أنها دليل عمل مرتبط بعلاقة جدلية بالممارسة التي تغني النظرية
وتجعلها في حالة نمو وارتقاء ، وليست في حالة جامدة. وعلى هذا الأساس فإن
الالتزام بالماركسية لا يقدم ولا يؤخر ما لم ينتج من هذا الالتزام استعمال
هذه النظرية، وتطبيقها في فهم الواقع ، واستخراج استراتيجية العمل التي
تحدد طبيعة المرحلة وطبيعة المعركة ، وتحدث القوى المتصارعة ورؤية هذا
الصراع والإحاطة بالظروف الموضوعية التي تتحرك من خلالها . بهذا المعنى كنت
أفهم الماركسية .
وأنا ، كما تعرف ، مطلع على قضايا الفلسفة الماركسية وربما كانت فترة
الاعتقال في سورية عام 1968 من أغزر الفترات التي قرأت فيها الماركسية وكان
الكتاب الأهم الذي قرأته في كركون الشيخ حسن (اسم السجن ) كتاب إنغلز " ضد
دوهرينغ " .
ما هي حقيقة موقف عبد الناصر من النزاع
المسلح الذي نشب بين حركة المقاومة والحكومة الأردنية في العام 1970؟
توترت العلاقة مع عبد الناصر بعد قبوله مبادرة روجرز، اعتبرنا
قبوله هذه المبادرة نوعا من الدخول في مساومة مع الولايات المتحدة
الأمريكية وبالتالي فإن هذا الموقف يضعف عملية المواجهة 0مع العدو ويؤثر في
مسيرة الثورة واندفاع الجماهير التي كان لعبد الناصر تأثير كبير عليها.
ولم نكن ندرك أن قبول عبد الناصر مبادرة روجرز هو نوع من القبول التكتيكي
الذي يستجيب لجملة الظروف السائدة في المنطقة إقليميا ودوليا، إضافة إلى
وضع مصر الداخلي حيث كان عبد الناصر يقوم بعملية إعادة بناء شاملة للجيش
على يد السوفيات وبدعم كامل منهم. وأن هذه العملية تملي عليه التعاطي مع
عملية روجرز إلى أن ينجز عملية بناء الجيش لخوض المعركة مع إسرائيل.
لم يكن يرغب في استباق الأحداث، لكننا لم نكن نملك، ويا للأسف، هذه الرؤيا.
لذلك هاجمنا نحن عبد الناصر على رغم أنه كان يساند الثورة في الأردن، فاتخذ
بالتالي موقفا حذرا منا. لكنه لم يكن بالطبع واقفا إلى جوار النظام في
الأردن بقدر ما كان يسعى إلى إزالة أي توتر بيننا وبين الحكومة الأردنية.
هل نظرتم إلى اتفاقية القاهرة التي وقعت
في 1969 بين الحكومة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية على أنها عملية
تمهيد لنقل المقاومة بطريقة أو بأخرى من الأردن إلى لبنان؟
لم نكن ننظر إلى تلك الاتفاقية باعتبارها خطوة تمهيدية لنقل
المقاومة من عمان إلى بيروت، كنا نتصور أن الثورة في الأردن ستستمر ولم نكن
نفكر في أن هناك مشروعا لاقتلاعنا من الأردن، وبالتالي نظرنا إلى اتفاقية
القاهرة باعتبارها نوعا من تنظيم العلاقة بين المقاومة المسلحة الموجودة في
لبنان والحكومة اللبنانية، ليس إلا.
بعد معارك أيلول دخل متغيران مهمان على
الساحة العربية :ـ الأول تمثل بوفاة عبد الناصر وتسلم السادات الحكم ،
وقيامة بحركة أيار (مايو) التي صفي من خلالها التركة الناصرية ، وكذلك تسلم
الرئيس الأسد مقاليد الحكم في سورية فكيف تعاطيتم مع هذين المتغيرين؟
في ما يخص العلاقة مع الرئيس السادات كان لدينا سلفاً قبل وفاة
عبد الناصر تقويم خاص له ، كان يمثل أحد رموز اليمين في تركيبة النظام
الناصري ، وكانت رؤيتنا بعد تسلم السادات تقول أنه سيقود مصر في هذا
الاتجاه وبالتالي لم تكن لنا أي علاقة مع نظامه .
أما عن الساحة السورية وتسلم الرئيس الأسد مقاليد الحكم في نهاية العام
1970 فقد حاولت بجدية نسج علاقة معه ، لذلك أرسلت إليه رسالة خاصة عبرت
فيها عن رغبتي في توثيق العلاقة مع سورية ومعه شخصياً لكنني لم أتلق
وبالأسف أي رد على رسالتي تلك من الرئيس الأسد وعموماً نحن كجبهة شعبية
كانت علاقتنا محصورة في تلك الفترة بالعلاقات مع اليمن الديمقراطي والعراق
، وما عدا ذلك لم تكن لدينا علاقة مع أي نظام عربي حتى بتلك الأنظمة التي
كانت تقف في الصف الوطني والقومي ومنها النظام في ليبيا والجزائر .
بعد الخروج من الأردن كيف كانت علاقتكم مع
أبو عمار؟
التاريخ فإن علاقتي مع
أبو عمار بعد الخروج من الأردن كانت جيدة جداً ، وعملنا معاً على إعادة
بناء الثورة وتثبيت جسم المقاومة على أرض الواقع ،ولكن سرعان ما انهار شهر
العسل بيني وبينه بعد حرب تشرين التي قلنا عنها منذ البداية أنها حرب
تحريكية وليست حرباً تحريرية ،لماذا؟ لأننا كنا ندرك الأفق الذي خيضت به
المعركة ، والتحولات السياسية والاجتماعية التي أحدثها السادات في حياة مصر
.
وبدأ الخلاف مع أبو عمار عندما أراد التحرك باتجاه التسوية السياسية على
أساس أن حرب تشرين أفرزت حالة من النهوض العربي ، وبالتالي لا بد من
استثمار هذه الحالة إلى درجة أنه تصور أن الثورة الفلسطينية شاركت في تلك
الحرب كطرف رئيسيي مع الطرفين المصري والسوري ، مع أننا كثورة فلسطينية لم
نشارك مباشرة في تلك المعركة وأنه على أساس هذا التصور قطف ثمرة من ثمار
حرب تشرين خصوصاً بعدما بدأت الأطراف العربية الدخول في مشروع الخطوة خطوة
وعمليات فصل القوات.
وهنا يبرز جانب مهم من عقلية أبو عمار وسلوكه السياسي ، فهو يريد استثمار
أي حدث سياسي بغض النظر عن واقع موازين القوي وحقائق الواقع ، وعلى هذا
الأساس فهو يحدد موقفه على أساس مصلحته الشخصية والذاتية والطبقية وليس على
أساس المصلحة الوطنية ، وهذا ما حصل معه في مدريد ولاحقاً في أوسلو
والقاهرة .
بعد حرب
تشرين طرحت النقاط العشر التي وافقتم عليها في المجلس الوطني الثالث عشر ،
وبعد فترة قصيرة أعلنتم رفضكم لها ، واعترضتم لاحقاً على البرنامج المرحلي
وأسستم جبهة الرفض ، ما هي ملابسات هذا الموضوع ؟
نحن وافقنا على النقاط العشر في المجلس
الوطني ، وأعتقد أن شخصاً واحداً اعترض عليها في المجلس الوطني هو الرفيق
ناجي علوش وافقنا على النقاط العشر لكننا اكتشفنا بعد ذلك بوقت قصير أن أبو
عمار يريد أن يجعل منها أرضية لتحريك نهجه السياسي باتجاه آخر مختلف تماماً
عنها ، وتكشف لنا هذا الاتجاه عندما علمنا بوجود مفاوضات سرية بين أبو عمار
وهنري كيسينجر عبر وسيط ثالث ، لذلك أعلنا رفضنا النقاط العشر ، وخرجنا من
اللجنة التنفيذية بعد شهرين من عقد المجلس الوطني الذي أقرت فيه النقاط .
كنا بالفعل صادقين في تأييدنا للنقاط العشر ، واذكر أن الرفيق تيسير قبعة
وقف في المجلس الوطني وأعلن أن الجبهة توافق على دولة فلسطينية على
"الجفتلك" ، و هذا لا يعني أننا كجبهة نقبل بأي إنجاز وطني على طريق
الاستقلال واستعادة الحقوق الوطنية ، شرط أن تكون موازين القوي تسمح بذلك ،
وحين شكلنا جبهة الرفض كان هذا الاعتبار أي اعتبار موازين القوي ، أحد
الأسس التي قامت عليها ، وثاني هذه الاعتبارات أن فهمنا للهدف المرحلي لا
يعني بأي شكل من الأشكال أننا تخلينا عن الهدف الإستراتيجي وهو عودة كل شبر
من فلسطين إلى أصحابها وعودة كل مواطن فلسطيني إلى دياره .
أنا جورج حبش مواطن فلسطيني من مدينة اللد لا يمكن أن أقبل ، بأي شكل من
الأشكال بالا تكون أرضي وأرض أجدادي لي ولأبنائي ولأحفادي ، قد تقول لي ما
هذا الكلام يا حكيم ، أن ما تطالب به هو كلام غير ممكن التحقيق في ضوء
الواقع والمعطيات ، وأن ما تطرحه تفكير غير علمي ، هناك في فلسطين الآن
خمسة ملايين يهودي يستندون إلى القنبلة النووية وأسلحة الدمار الشامل ،
فكيف لك أن تطرد هؤلاء من فلسطين وتفكك دولة إسرائيل ؟
جوابي في هذه الحالة أننا كعرب وفلسطينيين لم نكن في يوم من الأيام ضد
اليهود أو اليهودية ، نحن ضد المشروع الصهيوني الذي يمثل خطراً تاريخياً
على الأمة العربية ، أذكر أن أحد الصحافيين سألني قائلاً " هناك أربعة
ملايين يهودي في فلسطين وأنت تطالب بتطبيق حق العودة لأربعة ملايين فلسطيني
في الشتات والمهاجر ، وأضاف أن بيتك في اللد ما زال قائماً وتسكن فيه عائلة
يهودية هاجرت من رومانيا فأين ستذهب بهم"؟
كان جوابي أنا لن أطردهم من بيتي بل سأبني طبقة ثانية فوق بيتي وأسكنهم
فيها هذه هي رؤيتي ، نحن لم نعاد اليهود كيهود وأنت تعرف أن لليهود تاريخاً
يعيشون بيننا منذ القدم ، وهم حتى قيام المشروع الصهيوني كانوا يعيشون
عيشاً طبيعياً في الوطن العربي سواء في اليمن أو مصر أو العراق أو سورية أو
المغرب .
بصراحة ، هل كنتم كقيادة فلسطينية تتصورون
أن وجودكم في لبنان سيفجر التناقضات في ذلك البلد على صورة حرب أهلية
واحتراب لبناني_فلسطيني ؟
نعم كنا نتوقع ذلك وأنا شخصياً لم
تكن تغيب عن ذهني استهدافات إسرائيل وأميركا وعموم التحالفات المحلية
الرجعية التي كانت ترى في نمو ظاهرة الثورة الفلسطينية خطراً داهماً لا بد
من سحقه أما بخصوص الحرب الأهلية والصراع اللبناني فلا يمكن لأي شخص أن
يغفل التناقضات الحادة التي كانت قائمه بين الحركة الوطنية اللبنانية ،
والسلطة اللبنانية والتحالفات المحيطة بها ، وبالذات المؤسسة السياسية
المارونية ، وبعض الأطراف الأخرى وكانت هذه التناقضات تملي علينا الوقوف
إلى جانب الحركة الوطنية اللبنانية لاعتبارات عدة إلا أننا ورفاقنا في
الحركة الوطنية وجدنا أنفسنا في دوامة الصراع الذي لم نكن نرغب في أن يأخذ
هذا المنحى الذي أخذه أي أن يكون الصراع فلسطينياً _ لبنانياً وإسلامياً _
مسيحياً ، كان هذا الشكل من الصراع خطاً كبيراً لم نستطع السيطرة عليه.