الحلقة الثانية
تعذر تحويل بيروت ستالينغراد ثانية

في هذه الحلقة يتحدث الدكتور جورج الأمين العام "للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " عن محطتين حارتين في مسيرة الثورة الفلسطينية هما عمان وبيروت ويقول بصراحة كاملة أن "الجبهة الشعبية" لم تتوقع غزواً إسرائيلياً بهذا الحجم للبنان في العام 1982 ويتحدث بالصراحة نفسها عن قرار الخروج من بيروت المحاصرة والظروف التي أملته ، كما يتحدث عن علاقته بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهنا نص الحلقة .

لماذا لم تكن حركة القوميين العرب على رغم علاقتها بعبد الناصر جزءاً أساسياً من قيادة المنظمة ؟
نحن لم نكن ضد عملية تأسيس منظمة التحرير وفي الوقت نفسه لا أستطيع القول أننا رحبنا أو تحمسنا لهذا الموضوع ، لماذا؟ لأننا لم نكن راغبين في القول لجماهيرنا وشعبنا أن منظمة التحرير هي طريق تحرير فلسطين .

هل يعني ذلك أنكم كنتم تنظرون إلى المنظمة باعتبارها جزءاً من النظام الرسمي العربي في تلك الفترة ؟
نعم كنا ننظر إليها كذلك مع الأخذ في الاعتبار أن هذا الجزء من النظام العربي وطني وليس رجعياً أو مرتبطاًبالغرب إضافة إلى أننا كنا ندرك أن عبد الناصر له تأثير كبير على قيادة المنظمة وبالتالي نطمئن إلى أنها لن تكون خارج النسق الوطني والقومي ، وفي المناسبة نحن كحركة قوميين عرب شاركنا في مؤسسات المنظمة منذ عقد المؤتمر التأسيسي الفلسطيني الأول ، وكانت مشاركتنا ممثلة بوديع حداد وأبو ماهر اليماني ، وكذلك كان لنا وجود في الجسم العسكري للمنظمة ، وكان هناك تنسيق بين الرفاق المشرفين على العمل العسكري داخل الأرض المحتلة وبعض الكوادر من الحركة لتلقي تدريبات عسكرية من خلال بعثات جيش التحرير .
في هذه الفترة كانت الساحة الفلسطينية تشهد صراعاً غير منظور ما بين أحمد الشقيري والمنظمة من جهة ، وحركة "فتح" من جهة ثانية وكانت "فتح" تطرح حرب الشعب والمجموعات الفدائية ، وأعتقد أنها حققت نجاحاً في هذا الموضوع بعد حرب 1967 إذ استطاع أبو عمار التقاط اللحظة المناسبة والسيطرة على منظمة التحرير بمساعدة عبد الناصر وبعض الدول العربية التي كانت لـ"فتح" علاقة جيدة بها في تلك الفترة واستفاد أبو عمار بالطبع من الخلافات التي انفجرت بين عبد الناصر والشقيري خصوصاً بعد مؤتمر الخرطوم .

في تلك الفترة ظهرت على سطح الحياة السياسة الفلسطينية حركة "فتح" بوصفها حركة كفاح مسلح شعبية ، كيف نظرتم إلى صعود "فتح" في تلك الفترة ؟
الحقيقة أننا قومنا صعود حركة "فتح" باعتبارها حركة تدعمها القوى المحافظة بهدف مواجهة نفوذ عبد الناصر المتصاعد على الصعيد القومي وعلى صعيد القضية الفلسطينية خصوصاً أنها ركزت على البعد القطري في سياساتها لكننا بصدق كنا نرى إلى المجموعات التي أسستها حركة "فتح" مجموعات وطنية متحمسة إلى قتال إسرائيل وممارسة الكفاح المسلح وانطلاقا من هذه الرؤية وهذا الموقف أجريت اتصالات عام 1966 مع الأخ هاني الحسن وبعض قيادات "فتح" للعمل على تشكيل جبهة وطنية عريضة على شاكلة جبهة التحرير الجزائرية لكن "فتح" لم تستجب هذا الطلب ، لذلك شكلنا "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" من جبهات ومنظمات في ساحات عدة بعد هزيمة العام 67 مباشرة ومن دون مشاركة "فتح" .

هل تركت العلاقة بين عبد الناصر و"فتح" أثراً سلبياً عليكم ؟
في البداية لم تترك العلاقة بين عبد الناصر و"فتح" أي أثر سلبي على علاقتنا بعبد الناصر ولكن بعد العام 1967 توترت علاقتنا معه على أثر تدخل المخابرات المصرية وقيامها بالكثير من التحالفات لضرب تحالفنا مع عبد الناصر إذ شوه البرنامج الذي كتبته عن استراتيجية العمل الوطني والقومي ، وقدمته إلى عبد الناصر مشوهاً مما أثار لديه رد فعل سلبي ووتر علاقتنا به والتشويه الذي افتعلته المخابرات صورنا قوي متطرفة لا بل مغالبة في تطرفها واستمرت علاقتنا به متوترة حتى منتصف العام 1970 حين جرى تصحيحها ، واتفقنا على كثير من القضايا لكن وفاته حالة دون تنفيذها .

بصراحة هل كان لديك إحساس بأن حرب 1967 ستؤدي إلى هذه النكسة في تاريخ العرب المعاصر؟
لم لكن ويا للأسف أتوقع أن نتائج حرب 1967 ستؤدي بهذا الشكل ، كان لدي إحساس بوجود مشكلة في العمل القومي العربي ، ولم يكن في ذهني أن يهزم نظام عبد الناصر هزيمة كبرى .

يوم سقوط القدس بكى جورج حبش هل كان لسقوط القدس واحتلال إسرائيل فلسطين كاملة أثر في انتقالك من العمل القومي إلى العمل الوطني الفلسطيني ؟
يوم سقوط القدس كان من الأيام المرة في حياتي ، يومها بكيت لأن الهزيمة زلزلت أركان الأمة العربية كلياً وأحدثت صدمه واسعة وبفعل نتائج النكسة الهائلة بدأت التركيز على العمل الوطني الفلسطيني بشكل مباشر ، من دون أن تنفك علاقتي بالعمل القومي واسمح لي هنا بأن أوضح مسألة رئيسية وهي أننا كحركة قوميين عرب أخذت العمل الفلسطيني لدينا مكانة رئيسية منذ العام 1967 حين بدأنا الإعداد للعمل الفدائي المسلح وعلى رغم هذا التحول الذي تركته هزيمة 1967 لم يتراجع اهتمامي بالعمل القومي لأنه عميق في ذهني وفي رؤيتي السياسية وفي تفاعلاتي مع الواقع القومي والفكر القومي .

بعد العام 1967 أصبحت زعيماً "للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" ؟
أريد أن أصحح هنا بعض الوقائع عندما أسسنا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم أكن أنا زعيمها بل كنت أحد قادتها وكان معي الرفيق أحمد جبريل وقادة آخرون والفكرة التي كانت لدي في تلك الفترة تتلخص في إنشاء جبهة وطنية عريضة على طراز جبهة التحرير الجزائرية لكن حركة "فتح"رفضت أن تشكل معنا مثل هذه الجبهة ، وهذا ما دفعنا إلى تشكيل جبهة من أربع أو خمس قوي كانت موجودة في تلك الفترة وهي التي شكلت الجبهة الشعبية وأهم هذه القوي "شباب الثأر" "أبطال العودة" "جبهة التحرير الفلسطينية" .

لكن الجبهة الشعبية بدأت بعد 1967 مباشرة بممارسة الكفاح المسلح عبر جبهة الأردن وسورية ومن داخل الأرض المحتلة هل يعني هذا أنه كان لديكم في حركة القوميين العرب جناح خاص في العمل الفدائي ؟
نعم كان لدينا جناح خاص بالعمل الفدائي وكان الرفيق وديع حداد يشرف عليه وأعتقد أن سبب اعتقالي في سورية عام 1968 كان ممارسة العمل المسلح عبر الجبهة السورية وليس كما حاول بعضهم أن يصور أني كنت أعد للقيام بانقلاب في سورية فالسلاح الذي كنا نخزنه في سورية كان هدفه توفير الإمداد الخلفي للعمل المسلح عبر أراضيها .

في ربيع 1968 وقعت معركة الكرامة التي مثلت باكورة المواجهة المباشرة بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي ما هي حقيقة واقعة الكرامة ودور الجبهة فيها كيف قومت هذه المعركة ؟
عندما وقعت معركة الكرامة كنت معتقلاً في سورية ، ولم أكن شاهداً حياً عليها ، مع ذلك فإنني أعتبرها بمثابة دفعة معنوية للعمل الوطني الفلسطيني في الرد على هزيمة 1967.

أبو عمار شريك في مسيرة ربع قرن من النضال والكفاح اتفقت معه واختلفت متى التقيت للمرة الأولى وما هو الانطباع الذي تركه لديك هذا اللقاء ؟
في الحقيقة علاقتي بحركة "فتح" لم تكن في البداية مع أبو عمار بل كانت مع الأخ هاني الحسن ، وكان أول لقاء لي مع ياسر عرفات بعد العام 67 والانطباع الذي تركه لقاؤنا الأول وما تلاه من لقاءات إن أبو عمار يفكر في شخصة أكثر مما يفكر في شعبه . ومنذ تلك الفترة أستطيع أن أقول ، كان أبو عمار يرغب على الدوام في تشكيل هالة كبيرة لنفسه ، ولا يسمح لأحد بمنافسته سواء من داخل "فتح" أو من الفصائل وكانت هذه المعادلة تحكم الكثير من تصرفاته ومواقفه السياسية .
وسأروي لك حادثه وقعت ونحن في الأردن في العام 1970 كانت هناك دعوة لكل المنظمات الفلسطينية إلى تطويق الأحداث التي وقعت بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية ، وكان الاجتماع في هيئة الأركان ، وحضر عن الطرف الأردني الضابط الوطني مشهور حديثه ، وشارك فيه الأخ صالح مهدي عماش عن العراق الذي كان يتوسط بيننا وبين السلطة الأردنية ، ولم أكن أنا حاضراً ، فيما حضر عرفات ،وفي بدايته سأل مشهور حديه "لماذا لم يحضر جورج حبش" ؟ إن لم يكن حاضراً وموافقاً على ما سنتوصل إليه فإن التوتر سيستمر وأصر على الذهاب معه إلى الاجتماع ولدى وصولي وقف مشهور حديثه قائلاً الآن بحضور الدكتور جورج حبش نستطيع حل الموضوع ، عندها إنفعل أبو عمار وقال "أنا معترض ماذا افعل أنا هنا ؟" عندها تداركت الموقف لئلا يبدو أن ثمة انقساماً في صفوف المقاومة ، وقلت نحن قيادة جماعية والقرار يتخذ بموافقة الجميع ، والأخ أبو عمار مكانته محفوظة .. عندها هدأ عرفات واستكملنا الاجتماع .
أوردت لك هذه الواقعة رداً على سؤالك حول انطباعي عن أبو عمار منذ البداية وأعتقد أن هذه الخاصية الشخصية مازالت لديه وربما تضخمت أكثر فأكثر .

حقبة الأردن لا بد من الوقوف أمامها بجرأة وأمانة وموضوعية حتى تقولوا ما لكم وما عليكم بداية نتساءل هل كنتم تشعرون بوجود مجموعة من التناقضات التي تتراكم باستمرار مع الحكومة الأردنية ؟
نعم كنا نشعر بوجود مثل هذه التناقضات التي يجري أحياناً تكبيرها وتضخيمها ، ولكن اسمح لي بأن أوضح مسألة أساسية ومهمة جداً جداً تتعلق بالصراع الذي نشب مع الحكومة الأردنية ، أعتقد أننا ظلمنا فيه كثيراً ، فنحن لم يكن في وأردنا إطلاقا فتح معركة مزدوجة مع العدو الصهيوني والنظام في الأردن لأننا كنا ندرك تبعات هذه المعركة المزدوجة ، إذ كنا نعتبر أن معركتنا الأساسية هي مع العدو الصهيوني والنظام وليس مع النظام ، مع انتباهنا إلى التحضيرات والمخططات التي كانت تحوكها لنا قوى عربية معروفة المواقف وكي أكون أميناً أقول نحن لم نرفع شعار إسقاط النظام في الأردن إلا بعد معارك أيلول الدامية.

وقعت جولات من الصراع والمعارك خلفت مئات الضحايا من الجانبين قبل أيلول 1970 فعلى أي أرضية إذا نشبت المعارك بين المقاومة والحكومة الأردنية ؟
جولات الصراع التي سبقت أيلول الأسود كانت مفروضة علينا وفي معظم جولات الصراع التي دارت ، كنا في موقع الدفاع عن النفس وعلى ما أذكر أن أولى جولات الصراع بدأت عام 1968 عندما وضعت الحكومة الأردنية بعض الوحدات الخاصة في منطقة الكرامة في محاولة للحد من نشاط المقاومة الفلسطينية وحركتها ، وكان المقصود من تلك الحركة توجيه رسالة من قبل الحكومة الأردنية إلى المقاومة أن السلطة الأردنية موجودة وقوية .
أما الاشتباك الأول فكان في 4/11/1968 في عمان إذ ادعت الحكومة الأردنية في بيان أصدرته وزارة الداخلية وجود تنظيم مسلح خارج عن القانون يقوده شخص يدعى طاهر دبلان يقوم بتحرشات وأعمال اعتداء على الناس ولهذا السبب تقوم قوات الأمن بإجراءات أمنية لردع هذه الحركة ومنعها من التطاول على أمن الوطن والمواطنين ، وفجأة بدأت قوات البادية بقطع الطرق المؤدية إلى مخيم الوحدات ومحاصرته وبدأت بإطلاق النار على عموم المخيم وبخاصة مكاتب المنظمات الفلسطينية داخل المخيم مسنودة بقصف مدفعي من منطقة القويسمة .
والحقيقة أنه لم يكن لطاهر دبلان ومجموعاته أي وجود في مخيم الوحدات وهو في الأساس رجل في موقع غير معروف والمستغرب أن حركة "فتح" أصدرت بياناً تؤيد فيه بيان وزارة الداخلية واعتبرت أن العمل الذي تقوم به السلطةالأردنية عملاً مشروعاً ولهذه لم تشارك "فتح" في هذه المعركة ولم تدافع عن مخيم الوحدات وهكذا تحملت "الجبهة الشعبية" مسؤولية مواجهة القوات المهاجمة على رغم تواضع إمكانياتها العسكرية في مخيم الوحدات .
وفي ذلك الوقت كنا نرى أن هدف المعارك الأساسي هو ضرب النشاطات الجماهيرية المتصاعدة في تشكيل تنظيمات الميليشيا الشعبية والحقيقة أن الجماهير التي حسمت المعركة ونجحت في منع دخول القوات المهاجمة إلى المخيم وفي اليوم نفسه تعرضت سيارة تابعة للجبهة لمكمن في منطقة جسر المحطة وهي منطقة تقع خارج دائرة الاشتباك أسفر عن استشهاد ثلاث من رفاقنا ، منهم الملازم رفيق سرور (عبد السلام ) .
أما الجولة الثانية من الصراع فكانت في تاريخ 10/2/1970 بعد إعلان الحكومة الأردنية بياناً رسمياً ، يقيد تنقلات المقاومة ويحد من وجودها داخل المدن من دون البحث في ذلك البيان مع المقاومة ونشبت المعركة في منطقة جبل التاج وكانت ملامحها عندما جاءت عدد من رجال الأمن الأردني مع سيارات مسلحة ودهموا مكاتب "فتح" و"الصاعقة" و"الجبهة" وتحولت عملية ألدهم إلى اشتباك مسلح تبعته عمليات استفزازية في أكثر من موقع وعمليات لسحب السلاح واستشهد في تلك الحوادث في مكمن رفيقانا شحادة العجرمي و"أبو طلعت" .
وبعد توقف الاشتباكات ، طالبت الحكومة الأردنية بأجراء محادثات لتطبيق بيانها ، وجرى الاتفاق لاحقاً على بعض القضايا الإجرائية لمنع حدوث أي اشتباك أو السيطرة عليه إذا وقع ونظرنا نحن إلى الاتفاق مع الحكومة الأردنية التي كان يرأسها بهجت التلهوني على أنه اتفاق أجرائي، لأن الحكومة الأردنية لم تكن صاحبة قرار ، وأن الجهات المقررة في الأردن لديها نيات تصعيد واضحة باتجاه الاشتباك مع المقاومة وتزامن ذلك مع قيام عمليات تحريض واسعة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية وفي الإطار العشائري .
عند هذه النقطة بدا من الواضح أن الحكومة الأردنية تعمل لحسم مسألة ازدواجية السلطة التي تمثلت بسلطة المقاومة الشعبية ، وسلطة الحكومة الأمنية والعسكرية وبدأ ذلك واضحاً من خلال أحداث السابع من حزيران (يونيو) 1970 التي كانت أكثر اتساعا وشمولاً من أحداث شباط (فبراير ).إذ من مقدمات بدأ قصف مدفعي شديد من منطقة سحاب والقواسمة والإذاعة على مخيم الوحدات . وهنا اندفع الناس لمواجهة المعركة اعتقاداً منهم أن معركة الحسم قد بدأت مع السلطة . وبعد اندلاع المعارك اجتمعت قيادة الجبهة وقررت اقتحام كل من فندق فيلاديفيا والأردن "انتركونتيننتال " واحتجاز رهائن في كل من الإشرافية والجوفة في مواجهة قوات الحراسة التابعة للقصور الملكية على رغم التواضع الشديد لإمكانات سلاح المدفعية لدينا .

في سياق حديثكم عن احتلال فندقي " فيلاديفيا " و " انتركونتننتال " ماذا تذكرون عن تلك الحادثة وهل كانت في موقعها الصحيح ؟
بالنسبة إلى عمليات احتلال الفنادق واحتجاز رهائن داخلها، كان خيارنا في تلك اللحظة خياراً صعباً جداً ، نظراً إلى الهجمة الشرسة التي كانت تتعرض لها ثورتنا ومخيماتنا وجماهيرنا في الأردن . وكان لابد من إيجاد الوسيلة الناجحة للضغط على السلطات الأردنية وإجبارها على وقف هجومها، وبالفعل نجحنا في ما كنا نهدف إليه .
وأذكر أنني بعدما وصلت إلى فندق " انتركونتننتال " في الخامسة والنصف صباحاً التقيت الرهائن والصحافيين الموجودين فيه ، وشرحت لهم الأبعاد والملابسات للعملية التي اضطررنا للقيام بها . وطلبت منهم أن يتفهموا واقعنا ودوافعنا ، ومما قلته في ذلك اللقاء :" ربما كان من الصعب عليكم تفهم وجهة نظرنا ، فالناس الذين يعيشون ظروفاً مختلفة يفكرون بطرق مختلفة ، ولا يمكن أن يفكروا بالطريقة نفسها التي نفكر بها نحن. فالشعب الفلسطيني عاش لسنوات عدة ظروفاً حددت طريقة تفكيره وهذا أمر لا نستطيع أن نفعل أي شيء حياله.
إن بإمكانكم فهم طريقة تفكيرنا إذا عرفتم حقيقة أساسية ، فنحن ، الشعب الفلسطيني ، نعيش منذ 22 عاماً - وهي الأعوام ال22 الأخيرة - في المخيمات. لقد طردنا من بلادنا ومنازلنا وأراضينا لنعيش هنا في مخيمات اللاجئين في ظل ظروف شديدة القسوة ، ومنذ 22 عاماً وشعبنا ينتظر استعادة حقوقه ، ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل .
منذ بدأت ثورتنا قبل ثلاث سنوات جرت محاولات عدة للقضاء عليها . وقامت المنظمات الفدائية بعد 5 حزيران ، وهو تاريخ معروف جيداً لكم ،وانطلقت وأنظارها متجهة نحو الأراضي المحتلة . ولكن عندما سارت الثورة راحت قوى عدة من أعدائنا تضع الخطط لتهزم هذه الثورة. أمريكا تقف ضدنا ، نحن نعرف ذلك جيداً ونحن نشعر به جيداً. شعرنا به من خلال مساعدات الفانتوم في العام الماضي ، أمريكا ضد ثورتنا وهي تعمل على سحق ثورتنا .
وهنا شعرنا بأن لنا كل الحق في الوجود لحماية ثورتنا تذكرنا كل مآسي شعبنا وكل الظلم. تذكرنا شعبنا والأوضاع التي يعيشها والبرودة التي ينظر لها الرأي العام إلى قضيتنا.
وشعرنا بأننا لا يمكن أن نسمح لهم بسحقنا ، إننا سندافع عن أنفسنا وعن ثورتنا بكل وسيلة، وكل ما يحمي ثورتنا حق . هذا هو خط تفكيرنا ، ولهذا وضعنا خططاً مضادة مصممين على النصر.
وكان أحد بنود هذه الخطة، أنتم ، ما حصل هنا ، شعرنا بأن لنا الحق كله في الضغط على النظام وعلى أمريكا والقوى كافة. وإن هذا الضغط ورقة رابحة بأيدينا ، إنني أحدثكم بكل صراحة ويجب أن أقول لكم بكل صراحة أيضاً أننا كنا مصممين ولم نكن نمزح.
إنني اعرف طريقة التفكير الليبرالي، وأعرفها جيداً أعرف كم هو صعب إقناعكم . أعرف أن بعضكم يقول لنفسه الآن، وما علاقتي بكل هذه الأوضاع ؟ إن هذا غير عادل وفظ وأناني . لا بأس إن الظروف التي يعيشها الناس تحت طريقة تفكيرهم وشريعتهم الأخلاقية. حاولنا جهدنا، وآمل أن نكون نجحنا في ذلك، أن نكون عاملناكم أفضل معاملة ممكنة خلال إقامتكم في الفندق تحت إشراف الجبهة إنها المرة الأولى التي ندير فيها فندقاً وإنني واثق بأن رجالنا مقاتلون ممتازون لكنني لا أعرف إلى أي مدى أتقنوا إدارة الفندق. كانت التعليمات واضحة جداً ، وآمل أن يكونوا نجحوا في ذلك
.

[الصفحة التالية]