العيادة - القيادة

عمان الخمسينات كانت المحطة الأهم في تاريخك وتاريخ حركة القوميين العرب كانت العيادة وكان وديع حداد وكان الاختفاء والأهم كانت تجربة بناء حركة القوميين العرب . كيف تنظر إلى هذه التجربة اليوم وأهم المحطات فيها ؟
بعد انتقالي إلى عمان بستة أشهر عاد الرفيق وديع حداد إلى عمان ، وكنت تخرجت قبله بسنة حينها قرر والدي أن يفتح لي عيادة في عمان ، وكان والدي إنساناً ميسور الحال يحبني كثيراً وأطلق لاحقاً على العيادة اسم "القيادة" لأنها كانت بمثابة غرفة عمليات لقيادة العمل الشعبي والجماهيري في الأردن .
وهذه العيادة كانت تقع في شارع الملك طلال وقد بدأت العمل أنا والدكتور وديع حداد في العيادة بأجور رمزية جداً كنا نوظفها لسد بعض مصروفات الحركة ، وفي تلك المرحلة كان الدكتور أحمد الخطيب عاد إلى الكويت وكان يتقاضي راتباً مقداره مائة دينار كويتي يحول منها تسعين ديناراً شهرياً كمصروفات للحركة .
بدأت أنا والرفيق وديع بالدخول إلى عمق العمل الجماهيري ، خصوصاً وديع الذي كان دائم الحركة والفاعلية في الأوساط الشعبية ، خصوصاً داخل المخيمات ، حيث افتتحنا دورات محو أمية ، وكذلك مستوصفا لعلاج الجماهير والجميع يعرف حالة الفقر التي كانت تئن تحته جماهيرنا في الأردن في ذلك الزمن .
وكان لنا خط بناء آخر مواز للخط الجماهيري يتمثل في بناء صلات مع الكثير من الشخصيات الوطنية في الأردن وبالذات فئة البرجوازية الوطنية التي كانت لنا بها صلات أيام الجامعة الأميركية ، وكان هذا بطبيعة الحال يعبر عن انفتاحنا على جميع فئات الشعب الوطنية وعند إعادة قراءة تجربتنا في الأردن أستطيع القول بأمانة أننا تمكنا خلال ثلاث سنوات من العمل الدؤوب والجاد أن نوازي في قوتنا أحزاباً عريقة كحزب البعث ، والحزب الشيوعي ، وأصبحت حركة القوميين العرب إحدى القوي الرئيسية العاملة في الأردن .
خلال هذه الفترة أصدرنا صحيفة أسبوعية باسم جريدة "الرأي" التي رأس تحريرها الدكتور أحمد الطوالبة . ولعبة هذه الصحيفة دوراً مهماً جداً في التحريض على ضرورة تعريب الجيش الأردني ، وطرد قلوب باشا الإنجليزي رئيس هيئة أركان الجيش الأردني آن ذاك . وأدى هذا بدوره إلى قيام الحكومة بوقف صحيفة "الرأي " . في تلك الفترة كانت سوريا تشهد حالة من الانفراج واللبرالية ، فأصدرنا الصحيفة من سوريا ، وكنا نوزعها في الأردن إلى أن جرت تحولات محدودة في عمان في العام 1956 في عهد حكومة سليمان النابلسي تجسدت بإنفراجات سياسية على الصعيد الوطني العام . حينها عدت إلى الأردن بشكل طبيعي .
وفي تلك الفترة جرت انتخابات نيابية عامة وخضنا الانتخابات بكتلة من أربعة مرشحين ولم يحالفني الحظ في النجاح إلا أننا في حركة القوميين العرب اعتبرنا أن الأصوات التي حصلنا عليها جيدة (مع الأخذ في الاعتبار أنني كنت حينها شاباً صغيراً وفي بداية تجربتي النضالية والسياسية)وإنجاز معقول لحركة سياسية فتية كحركة القوميين العرب ، هذا أولاً ، وثانياً كنا نرغب في قياس مدى عمق صلاتنا بالناس والشعبية التي نتمتع بها وبعد الانتخابات بعام تقريباً دخل عامل مهم أثر في طبيعة الحركة وتمثل هذا العامل بالانقلاب على حكومة سليمان النابلسي الوطنية عام 1957 ، وكان لهذا الانقلاب تأثير كبير علينا ، لكنه أفرز تجربة مهمة ، إذ أعتقل الرفيق وديع حداد ، وقررت أنا الاختفاء داخل الأردن لإعادة بناء الحركة ومواجهة المرحلة المقبلة التي كانت تتسم بالقمع والملاحقة وكذلك البدء بممارسة الكفاح المسح ضد العدو الصهيوني ، وكنت أثناء اختفائي أقود العمل اليومي والسياسي داخل الأردن وفلسطين بشكل رئيسي ، وبقيت على هذا الحال إلى ما بعد قيام الوحدة بين مصر وسورية إذ غادرت الأردن إلى سورية في كانون الثاني (يناير) عام 1959.
 

هل كانت بنية حركة القوميين في الأقطار الأخرى ناضجة ؟
ليس في كل الأقطار العربية ، ففي لبنان أكملت الحركة نضجها نسبياً، وأصبحت تنظيماً هرمياً من القيادة إلى القاعدة ، وكان من أبرز الشباب النشيطين في تلك الفترة محسن إبراهيم ، وشاب آخر على قدر كبير من الأهمية في كفاحه ونشاطه وبخاصة في الجنوب اللبناني وهو المرحوم محمد الزيات الذي غادرنا مبكراً عن عمر يناهز 32 عاماً وللإنصاف لعب المرحوم محمد زيات دوراً مهماً في أواخر الخمسينات إذ خاض الانتخابات النيابية في مواجهة قوائم وتكتلات للعائلات التقليدية والقطاع الجنوبي ، ولا بد من ذكر دوره بوصفه أحد الأركان المهمين في قيادة الثورة العام 1958 في لبنان ضد الرئيس كميل شمعون هذه الثورة التي انطلقت من الجنوب اللبناني وامتدت لاحقاً إلى مختلف الأراضي اللبنانية وبالطبع كان هناك الرفيق أبو ماهر اليماني والرفيق عدنان قيس والكثير من الرفاق المخلصين .
أما في سورية والعراق فكان وضع الحركة أقل نضجاً وأكثر بطئاً في فاعليته من لبنان والأردن وذلك يعود إلى وجود حزب البعث في كل من سورة والعراق بشكل قوي وفعال إلا أن تجربة القوميين العرب في كل من اليمن وليبيا والبحرين تستحق التوقف أمامها .
فتجربة هذه الأقطار الثلاثة بدأت عندما تعرضت حركة القوميين العرب لكثير من الضغوط والضربات ،خصوصاً في الجامعات العربية ، مما دفعنا إلى التفكير في إيفاد طلابنا إلى الجامعات المصرية من مختلف الأقطار العربية وبالفعل التحق كثير من الشباب بالجامعات المصرية المختلفة ، وبدءوا بالفعل داخل الجامعة ، وكان من بين هؤلاء الشباب طلاب من ليبيا واليمن والجزيرة العربية ، كان هذا التوجه في بداية العام 1959 بعدها قررت الحركة دعوة الطلاب الخريجين إلى دمشق للتدارس معاً المهمات والواجبات الملقاة على عاتق هؤلاء الطلاب في أقطارهم وأتى إلى دمشق حوالي عشر طلاب منهم فيصل الشعبي وآخرون لا أريد ذكر أسماءهم وعقدنا لهم دورات مكثفة عادوا بعدها ليؤسسوا فروعاً للحركة في بلدانهم .
 

وأنتم في غمرة تأسيس حركة القوميين العرب طرأ متغير على المنطقة العربية تمثل بقيام "ثورة تموز /يوليو "بقيادة جمال عبد الناصر كيف قرأتم قيام الثورة في حينه ؟ وهل شكلت لكم عامل دفع مادي ومعنوي؟
كانت نظرتنا إلى ثورة "تموز /يوليو" المصرية في البداية باعتبارها انقلابا عسكرياً قامت به مجموعة من الضباط الطامحين إلى السلطة ، والحقيقة أنه كان لنا في الحركة موقف حازم من الانقلابات العسكرية في ضوء التجارب المتلاحقة التي جثت في سورية ، وجعلنا هذا نتوجس ونكون حذرين في تأييد أي حركة انقلابية وبالتالي لم نعر ثورة يوليو المصرية أي اهتمام بوصفها إنقلاباً عسكرياً ، ظل هذا الموقف سائداً لدينا حتى العام 1955 حيث شكلت صفقة الأسلحة التشيكية وبعد ذلك تأميم قناة السويس تحولاً في نظرتنا وعلاقتنا مع ثورة يوليو ، بدأنا بعدها نشعر بأهميتها وأصبح لاحقاً بيننا وبين عبد الناصر انسجام كبير في الموقف السياسي .

في أي سياق قومتم تجربة الوحدة المصرية - السورية ؟
كان قيام الوحدة يمثل لي على الصعيد الوجداني حدثاً مهم جداً جداً فهي أول وحدة عربية في التاريخ المعاصر .. وكنت أراها بداية لتجسيد وحدة الأمة العربية ، خصوصا أنها تمت بين أكبر بلدين عربيين محيطين بفلسطين وكانت لهذا دلالة مهمة وخاصة وبالذات على صعيد تطويق الكيان الصهيوني ، ولكن من الجانب الآخر طرح علينا قيام الوحدة سؤالاً مهماً جدا وهو مدى مشروعية بقاء حركة القوميين العرب وضرورته ، ما دام أن هنالك قيادة قومية عربية بزعامة جمال عبد الناصر ، بدأت فعلياً بعملية توحيد الأمة ؟
وجاء هذا الطرح بالذات من الرفاق الحركيين في سورية ولبنان ، إذ أتى مندوب عن الرفاق في سورية إلى عمان ليناقش معي هذا الموضوع وهذا الرفيق هو مصطفي بيضون وهو عضو قيادي في الحركة حينها كان الرفيق وديع معتقلاً ، وأنا مختفياً وبعد نقاش طويل كان ردي أن قيادة عبد الناصر هي القيادة الرسمية للوحدة العربية ، ولكن ماذا عن الجماهير وقيادتها ؟ أنتم تعرفون كم أحب واحترم عبد الناصر ، لكن هذا يجب ألا يجعلنا نهمل قضية الجماهير وضرورة وجود قيادة شعبية لها وأخذ الرفاق في قيادة الحركة بهذا الرد والتزموا ضرورة بقاء الحركة لتقود العمل الجماهير .
 

قراءة تجربة الوحدة

بعد الانفصال وضرب تجربة الوحدة بين مصر وسورية هل قمتم بقراءة موضوعية لتجرة الوحدة ؟ وما هي العبرة التي جرى استخلاصها ؟
عملية تقويم الوحدة في تلك الفترة أخذت منا اهتماماً كبيراً وجرت عملية تفاعلات واسعة بين مختلف قيادات الحركة ، وفي ضوء هذه النقاشات تقرر أن يسافر الرفيقان محسن إبراهيم وهاني الهندي إلى مصر لمناقشة أسباب حدوث الانفصال والمستجدات التي أفرزها خصوصاً على صعيد سورية ، ومن خلال الحوارات التي دارت بين الرفيقين هاني ومحسن من ناحية وعبد الناصر من ناحية ثانية تبين أن هناك خلافاً بيننا وبين عبد الناصر في النظر إلى أسباب فشل الوحدة ، كنا نرى أن أسببها تعود إلى غياب الديمقراطية وتسلط الأجهزة الأمنية وسيطرتها على قيادة العمل السياسي الجماهيري مما أفرغ الوحدة من أي مضمون ديمقراطي وجعلها تبدو كأنها وحدة مفروضة على الجماهير فرضاً ، على رغم حماسة الجماهير لعملية الوحدة إضافة إلى الأفق الضيق الذي كان الضباط الكبار يقومون به الحياة السياسية في سورية .
أما وجهة عبد الناصر فكانت تعيد أسباب فشل الوحدة إلى التآمر الخارجي (…)

بعد حدوث الانفصال شهدت حركة القوميين العرب حالة من الحراك الداخلي والجدل السياسي والفكري في ضوء التجربة التي خاضتها الحركة في تلك الميادين ، ماذا يذكر الحكيم من تلك الصراعات التي دارت ؟
في تلك المرحلة التي أشرت إليها كانت الحركات السياسية العربية بمعظمها ، وبمختلف تياراتها ، تعيش حالة من الصراع والجدل الشامل في ضوء تجربتها التحريرية التي خاضتها من منتصف الخمسينات وحتى منتصف الستينات ، وانسحب هذا الوضع بالطبع على قيادة حركة القوميين العرب وأذكر أننا عقدنا في بيروت اجتماعاً للهيئات القيادية للحركة ، إذ كانت الحركة تعاني من صراعات سياسية حادة على خلفية ذلك وفي ضوء تجربة العمل القومي العربي كله ومساراته والنجاحات والاخفاقات التي واجهها ، وأذكر أن الرفيق محسن إبراهيم هو الذي تقدم بمقترح تقويم التجربة وبدأنا عمليات التقويم وظهر من خلال النقاش تياران متعارضان في كثير من الموضوعات ، وكان الرفيقان محسن إبراهيم ومحمد كشلي يمثلان التيار الأول الذي يطرح نفسه بوصفه تياراً يسارياً أما التيار الثاني فكان يضم كلاُ من الرفاق هاني الهندي ووديع حداد وأنا والدكتور أحمد الخطيب وكان هناك رفاق يقفون في الوسط بين هذين التيارين ، وتركزت الخلافات على الموضوعات الآتية :

أولاً موضوع تقويم دور حركة القوميين العرب وتجربتها ، إذ كان يرى كل من محسن إبراهيم ومحمد كشلي أن الحركة لم تحقق أي إنجاز ملموس ، وأن نتيجة فعلها صفر ، وقوة نفوذها وفعلها تكاد لا تذكر في كل الساحات العربية ، فيما كنا نرى نحن أن الحركة حققت إنجازات معقولة ولا بأس بها في بعض الساحات العربية ، ولا سيما منها في الأردن وفلسطين وجنوب اليمن .
وكان محسن والاتجاه الذي يمثله يعتبران عبد الله الأصنج هو الأساس في اليمن الجنوبي ، وهو الذي يقود الحركة الجماهيرية ، وأن الحديث عن كفاح مسلح تقوده حركة القوميين العرب غير ممكن ، كذلك شكل الرفيق محسن في جدوى العمل المسلح في فلسطين الذي كان الرفيق وديع حداد يقوم بالإعداد والتجهيز له بحماسة وكفاح وكانت باكورة أعماله العملية التي استشهد فيها الرفيق خالد أبو عيشة .
ثانياً الموقف من عبد الناصر والعلاقة معه ،وكان هذا الموضوع محل خلاف أيضاً ، إذ كنا نفهم العلاقة مع عبد الناصر على أساس أن عبد الناصر قائد قومي كبير وموضع احترام وتقدير ، لكن هذا لا يجعل الحركة تتماها مع السياسات التي يتبعها ، ولا بد من الإبقاء على عوامل التنسيق قائمة معه ما أمكن ، لأننا تنظيم جماهيري مستقل ، وعبد الناصر قائد قومي ورئيس دولة يقع على عاتقه كثير من التبعات السياسية التي قد لا تتناسب مع خطنا السياسي ، أما محسن ومحمد كشلي فقد كانا ميالين إلى الاندماج الكلي بعبد الناصر .
ثالثاً موضوع توحيد الحركة القومية العربية في حركة سياسية موحدة ، طرح محسن ضرورة دمج مختلف الحركات القومية في حركة واحدة ، مما يعني إلغاء لحركة القوميين العرب ، وكان جوابي ، نعم أنا مع حركة عربية موحدة ولكن كيف وما السبيل إلى مثل هذه الحركة الموحدة؟ ولم يكن يومها لمحسن أي تصور واضح للوصول إلى حركة عربية موحدة .
وفي ضوء ذلك عقدنا اجتماعاً موسعاً لقيادة الحركة وكوادرها في بيروت بعد اجتماع القيادة بفترة للاحتكام إلى القاعدة في القضايا موضوع الخلاف ، وفي ما أذكر أن الرفيقين هاشم علي محسن ونايف حواتمة شاركا في الاجتماعات الموسعة التي ضمت الكوادر القيادية للحركة ،إذ لم يكونا في تلك المرحلة في الإطار القيادي الأول .
وبعد مناقشة ديمقراطية عميقة لكل القضايا موضوع الخلاف توصلنا إلى قواسم مشتركة واستطعنا الخروج بموقف سياسي موحد كانت محصلته متقدمة عن وجهة نظر أي من الاتجاهين ، وبذلك استطعنا الخروج بموقف موحد من المأزق الذي كنا نمر به وقررنا أن نبلغ عبد الناصر الاستنتاجات التي توصلنا إليها في خصوص المأزق الذي يعاني منه العمل القومي العربي .
واسمح لي ، ونحن نعالج موضوع التناقضات داخل الحركات السياسية ، بأن أشير إلى قضية مهمة وخطيرة على هذا الصعيد ، وهي كيف نقرأ واقع التناقضات الراهنة والمعاصرة وما هي المناهج والأدوات التي يجب استعمالها وتوظيفها في عمليات التحليل والتركيب والاستنتاج ولاحقاً عملية إعادة بناء صورة التناقضات ورسمها سواء كانت تناقضات سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو غير ذلك ؟
لماذا أقول ذلك ؟ لأنني ألا حظ أن هناك قصوراً في تناول هذا الموضوع يتسم بالخفية والسطحية والتسرع أحياناً كثيرة ، لذلك أدعو الباحثين ورجال العلم إلى استحداث أدوات تحليل ومناهج بحث متجددة وعملية لدرس واقع التناقضات في مرحلة الثورة التقنية وعصر الأتمتة اللذين أفرزا وقائع وحقائق اجتماعية واقتصادية وسياسية جديدة ومتجددة ، تجاوزت أدوات التحليل التقليدية والكلاسيكية التي أصبحت متقادمة في قراءة لوحة التناقضات الكونية سواء في المجتمعات الرأسمالية الغربية أو في مجتمعنا العالم الثالث .
في هذا السياق أود أن ألفت الانتباه إلى الجهد الذي يبذله الكاتب والمفكر العربي المصري الدكتور سمير أمين وآخرون من الذين يبذلون جهوداً واسعة في محاولات التأسيس لمنهج علمي متطور في بحثه لقضايا التناقضات المعاصرة والراهنة .

هل كانت لكم في تلك المرحلة علاقات وطيدة مع حزب البعث ، خصوصاً أنه تسلم سدة الحكم في كل من سورية والعراق؟
كنا نقف في تلك الفترة إلى جانب عبد الناصر في القضايا موضوع الخلاف التي كانت تحدث بين عبد الناصر والبعث .

لماذا لم تستقر في مصر ما دام أن علاقاتكم مع عبد الناصر كانت جيدة ؟
الحقيقة أنني لم أفكر في الاستقرار في مصر نظراً إلى عامل البعد الجغرافي ، كنت أفضل البقاء على رأس عمل الحركة سواء في الأردن أو في لبنان أو في سورية ولكنني بعد اختفائي ذهبت لزيارة مصر أثناء الاحتفالات بافتتاح السد العالي ، وأنت تعرف ماذا يعني السد العالي لمصر وللعالم العربي في تلك المرحلة خصوصاً على صعيد علاقة عبد الناصر بالدول الاشتراكية وبالذات الاتحاد السوفيتي في مواجهة الحصار الاقتصادي المفروض من قبل الغرب عبر البنك الدولي.
وبعد حضور حفلة الافتتاح أجريت اتصالاً هاتفياً بمدير مكتب الرئيس عبد الناصر الأخ سامي شرف ، فأخبرني بأن الرئيس عبد الناصر يرغب في رؤيتي بالطبع كان عبد الناصر استقبل أكثر من مرة أعضاء قياديين من الحركة وهو يعرف أنني الرأس الأول لحركة القوميين العرب ، وبالفعل عقد اللقاء مع عبد الناصر وكان استقباله لي حميماً ودافئاً .

ما هي القضايا التي جرى تداولها في هذا اللقاء ؟
جرى تداول كثير من الموضوعات وكان في طليعتها الوضع في سورية بعد الانفصال وقدمت إليه صورة عن الوضع السياسي في سورية وحركة الشارع السوري في ذلك الوقت وأعتقد بأن الصورة التي قدمتها كانت صادقة ودقيقة تعكس نبض الشارع السوري المؤيد بغالبيته للوحدة ولعبد الناصر حينها تألم عبد الناصر كثيراً لكنه أبدى ارتياحاً كبيراً لأنه شعر بأن تعبه وجهده لم يضيعا سدى .
الموضوع الثاني الذي تحدثنا فيه تناول أزمة العمل القومي العربي العام وضرورة إخراج العمل القومي من أزمته عبر فتح بوابة الصراع مع العدو الصهيوني والبدء بالعمل المسلح الفلسطيني ، إلا أن الرئيس عبد الناصر لم يكن متحمسا للبدء بالعمليات العسكرية ضد إسرائيل في تلك الفترة لأنه كان يرى أن فتح الصراع معها يعني المواجهة مع أميركا والغرب عموماً ، وأن الوقت ليس ملائماً مواجهة علنية مع إسرائيل ، لكنه في المقابل لم يرفض ووافق على تقديم دعم ومساعدة للإعداد لعمليات عسكرية ضد إسرائيل ، والحقيقة أنني ألححت على عبد الناصر في موضوع العمل العسكري المسلح بناء على إلحاح الرفيق وديع حداد في هذا الموضوع .
الموضوع الثالث الذي أثرته مع عبد الناصر ، موضوع اليمن من خلال العمل المسلح لكنه أقترح أن يتم البدء بالعمل العسكري بشكل مدروس وهادئ وعلى نطاق ضيق على أن تجري عملية مراجعة وتقويم لتجربة العمل العسكري ، وبناء على الاستنتاجات الأولية ، يقرر لاحقاً توسيع التجربة العسكرية أو إلغاءها .
بعد لقائي الأول مع عبد الناصر بثلاثة أشهر جرى لقاء آخر في حضور كل من الرفيقين محسن إبراهيم وهاني الهندي ، وكنا في هذا اللقاء نشعر بالارتياح لأننا نحمل على الأقل إنجازين مهمين الأول نجاح تجربة الكفاح المسلح ضد البريطانيين في اليمن ، والثاني تمكن الرفيق وديع حداد من تجنيد ما يقرب من 40 إلى 50 شاباً للعمل العسكري من بين مختلف فروع الحركة للعمل في إقليم إظفار ، في هذا اللقاء اقترح عبد الناصر أن نعقد اجتماعاً مشتركاً للبحث في موضوع العمل القومي مع كل من زكريا محيي الدين وعلي صبري والمشير عبد الحكيم عامر وكان الموعد يوم الجمعة وللحق فقد تفاءلنا بهذا اللقاء واعتبرناه دفعة قوية جداً للعمل القومي العربي ، ولكن سرعان ما تبدد هذا التفاؤل عند عقد الاجتماع الذي حضره كل من زكريا محيي الدين وعلي صبري الذي جلس مستمعا ولم يشارك في الحوار سوى زكريا محيي الدين وبعد هذا اللقاء غادرنا القاهرة ونحن أقوى وأشد تماسكاً على صعيد قيادة الحركة ولم ندخل عبد الناصر في خلافاتنا الداخلية .

من هي القيادات التي كانت تقف على رأس العمل القومي في اليمن؟
في عدن تحديداً كان يقود العمل عبد الفتاح إسماعيل وأحمد الشاعر وعبد الله الخامري و محمود عشيش ، أما في الجبل فكانت الشخصية القيادية الأولى والأساسية ممثلة بالرفيق فيصل الشعبي إضافة إلى مجموعة من الشخصيات البارزة أذكر منهم سالمين علي ، ناصر محمد ، علي سالم البيض، سالم مصلح مطيع ، علي عنتر ، محسن ، صالح مصلح وآخرين .
ولعب الرفيق فيصل الشعبي دوراً أساسياً في عملية تحرير اليمن فكما كان لبن بلا الدور الأساسي في قيادة حرب التحرير" في الجزائر " كان لفيصل الشعبي الدور نفسه في اليمن وبالطبع أصبح فيصل لاحقاً رئيساً لمجلس الوزراء في اليمن .
وللحق استطاع الرفيق فيصل ورفاقه تحقيق نجاح واسع في قيادة العمل الجماهيري في اليمن والحفاظ على قوة الجبهة القومية قوية وفاعلة ، على رغم كل الدعم الذي كانت تقدمه المخابرات المصرية إلى جبهة تحرير اليمن بزعامة الأصنج خصوصاً بعد عودة الرفيق فيصل الشعبي إلى عدن ، ونجاحه في تحقيق إضراب عام وشامل في المدينة ما أثار غضب المخابرات المصرية إلى حد أن إذاعة "صوت العرب" من القاهرة قللت من أهمية هذا الإضراب وطلب مني عبد الناصر ، على أثر التقارير التي وردت إليه عن نجاح الجبهة القومية في قيادة الإضراب الحضور إلى القاهرة ، وبحث معي في وضع الجبهة القومية في اليمن .

هل تعرفت خلال اللقاءات والمقابلات مع الرئيس عبد الناصر على أنور السادات ؟
لا لم أتعرف عليه مطلقاً والحمد لله
.

[الصفحة التالية]