جورج حبش يتذكر خطف الطائرات كان ضرورياً
و فتح حاولت الاستيلاء عليها و هكذا ولدت حركة القوميين العرب

عندما وقف الرئيس فيدل كاسترو قبل أيام على منصة الأمم المتحدة ، في احتفالات الذكري الخمسين لولادتها بدا الرجل وحيداً وغريباً وعنيداً ،فقد انهار العالم الذي ينتمي أليه وهزم الحلم الذي أعطاه عمره .لم يجد كاسترو بين الحضور من يشبه نكيتا خروتشوف صلابة أو فظاظة كان قيصر الكريملين حاضراً مع هفواته ، وبعدما بدل ملابسة الحمراء لاسترضاء عالم المنتصرين .لم يبق لكاسترو حليف كبير، ولهذا بدا كقبطان يعاند الوقت ويتحدث إلى التاريخ عله يتسم بالإنصاف .

وعندما استقبلني الدكتور جورج حبش في منزله في دمشق قال لي :"الراهن ليس دائماً ،وما يجري ليس نهاية المطاف". وشعرت أن الرجل الذي لم تنل السبعون من إرادته يرفض التنكر لأحلامه التي أعطاها عمره على رغم شعوره بانهيار العالم الذي ينتمي إليه .فبعد الانقلاب الكبير المتمثل في اتفاق أوسلو وما تبعه من إنجازات واختراقات بدا وضع الرافضين شبيهاً بوضع أوروبا الشرقية بعد انهيار الجدار . ربما كانت المقارنة ظالمة أو مفتقرة إلى الدقة لكن سقوط الجدران الكبيرة يغري بمقارنات صعبة.

لماذا جورج حبش ؟ الجواب بسيط :لا تكتب قصة النزاع العربي الإسرائيلي والحلم الذي من دون التوقف طويلاً عند دوره ومواقفه وبمعزل عن الاتفاق معها أو الاختلاف . فحبش لاعب كبير على خط الزلازل العربي _ الإسرائيلي والحلم الذي فجره كان كبيراً ومكلفاً ومدوياً . وخروج الحلم مثخناً من معاركه هنا وهناك يضاعف الحاجة إلى التساؤل والتسجيل والتفسير .

قبل ربع قرن أفاق العالم مذهولاً واتجهت أنظاره إلى الشرق الأوسط . كانت الرسالة قاسية وصارخة فقد بلغ احتجاج الفلسطينيين على تجاهل العالم المظلم اللاحق بهم حد اختطاف الطائرات .انه القرار الذي اتخذته "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" بزعامة حبش والمتضمن رسالة واضحة : لن ينعم الشرق الأوسط ومعه العالم بالاستقرار ما دام الفلسطيني شريداً

بلا أرض ولا وطن . ومنذ ذلك اليوم ادرج اسم جورج حبش واسم رفيقة وديع حداد على لائحة كبار المطلوبين إسرائيليا وغربياً ، وبدأ واضحاً أن ذاكرة الكمبيوتر الغربي لا تنسى فحين جاء حبش للعلاج في باريس بعد عقدين ظن القاضي بروغيير أن فرصة الحساب سنحت ، لكن صلابة حبش وزوجته وردود الفعل الفلسطينية والعربية والضغوطات التي مارستها جهات وعواصم أحبطت حسابات من حال تحويل رحلة العلاج فخاً .

لا يمكن اختصار قصة جورج حبش بالتوقف عند هذه المحطة أو تلك ، ولا يمكن اختصارها بالبعد الفلسطيني وحده فقبل "الجبهة الشعبية" كانت "حركة القوميين العرب " بمعاركها ونجاحاتها وأخطائها والانكسارات .
كان يمكن أن يكون حبش الآن مجرد طبيب ناجح متقاعد لكن النكبة جذبت الطالب في الجامعة الأمريكية فأقترن مصير الحكيم بمصير شعبه وراح يحارب لتغيير الواقع العربي ، وهو تغيير أعتبره شرطاً للتمكن من العودة إلى اللد التي ولد فيها عام (1925) والقدس التي أقام فيها وبكى يوم سقوطها .

لم يكن استدراج جورج حبش إلى سلسة "يتذكر" سهلاً فهو على عادة الكبار يفضل عدم الحديث عن دوره ويفعل ذلك بخفر حين يضطر ويحرص على إنصاف الآخرين تاركاً مهمة إنصافه شخصياً لشعبه وللتاريخ .
سألناه عن بدايات حركة القوميين العرب وعن المحطة الأردنية بطائراتها ورهائنها ومواجهاتها وعن المحطة اللبنانية ومعركة بيروت وقرار الخروج وعما بعد ذلك وعن علاقته بأحداث وأشخاص .وحين سألناه عن وديع حداد أطل الدمع من عينيه وحكى.

[الصفحة التالية]