عشر سنوات بعد مدريد

مضت عشر سنوات حافلة بالأحداث منذ مؤتمر مدريد ، فكيف تقيمون ما جرى ارتباطاً بموقفكم المعارض لهذه المسيرة؟

وصول ما يسمى العملية السلمية التي بدأت فصولها في مؤتمر مدريد العام 1990 ، إلى المأزق والجدار المسدود ، يعكس الاختلال الجوهري الذي قامت عليه تلك العملية ، فهي بالأساس مشروع أمريكي يستهدف تصفية الصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية ، تلبية لمصالح الحلف الأمريكي – الصهيوني عبر توظيف الاختلال العميق في موازين القوى في ضوء انهيار المنظومة الاشتراكية ، وما أفرزته حرب الخليج الثانية من تمزق في الواقع العربي.

إذن معارضتنا لتلك العملية لم تكن اعتباطية ، أو لكوننا كشعب فلسطيني وقوى سياسية ضد السلام من حيث المبدأ ، وإنما لقناعتنا بأن مقدمات وشروط تلك العملية لن تقود إلى السلام ، فالممارسة السياسية والعملية للحلف الأمريكي – الصهيوني تكشف طبيعة فهمه ورؤيته للسلام ، بمعنى أنه أداة لفرض الاستسلام السياسي على الطرف العربي والفلسطيني.

ومن خلال مراجعة سريعة للسنوات العشر الماضية المنصرمة تتضح لنا معالم وأبعاد هذا المشروع التصفوي الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه على المنطقة في ظل أسوأ الظروف عربياً وفلسطينياً.

إنني أفهم أن أية عملية سلام أو تسوية ، تحمل نوعاً من المساومة عندما تتخطى قيم وأسس العدل ، والشرعية الوطنية والدولية ، فإنها تتحول إلى عملية إرضاخ وفرض استسلام.

البديهيات والحقوق الوطنية والقومية واضحة ، وقرارات الشرعية الدولية واضحة ، ومع ذلك مرت عشر سنوات والكل يركض في متاهة مشروع السلام الأمريكي فكيف نفسر ذلك ؟.

خلال الفترة قيد الحديث والتقييم ، تعاقب على قيادة " الكيان الصهيوني " ستة رؤساء حكومة ( شامير ، رابين ، بيرس ، نتنياهو ، باراك ، وأخيراً السفاح شارون ) ، وتناوب على السلطة السياسية حزبا العمل والليكود ، أحياناً كحكومات ضيقة وأحياناً أخرى كحكومات " وحدة وطنية " فهل تغير جوهر السياسية والممارسة الإسرائيلية ؟

علينا أن نتحدث بصراحة ووضوح عندما نقف لنقيم خياراتنا السياسية ، لأن المسألة لا تتعلق بصفقة تجارية ، وإنما بحقوق ومصالح شعب وبشر ودماء شهداء ، وعذابات أسرى وجرحى وطموحات أمة.

لقد استخدمت إسرائيل عملية السلام لفرض حقائقها الميدانية والتي تعكسها بوضوح ثوابت حزبي العمل والليكود:

  • لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

  • القدس عاصمة " إسرائيل " الموحدة.

  • لا لإزالة التجمعات الاستيطانية الأساسية.

  • لا لوجود جيش أجنبي غرب نهر الأردن.

هذه هي الثوابت الناظمة للممارسة الإسرائيلية مع هامش محدود للمناورة حول هذه الثوابت ، فماذا يبقى بعد ذلك من حقوق وطنية فلسطينية؟

تقوم استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي منذ مدريد على إرضاخ الأطراف العربية والفلسطينيين ، وابتزاز المزيد من التنازلات بعد أن سلم الطرف الفلسطيني المفاوض بالاحتلال الإسرائيلي على فلسطين المحتلة عام 1948، وبالتالي فإن أخطر حلقة في العملية السلمية المشار إليها أنها ومنذ البداية تخلت عن أوراقها الاستراتيجية التي عبرت عن نفسها في الموافقة على تغيير وشطب أسس وثوابت الميثاق الوطني الفلسطيني ، وبالتالي انتقلت المساومة إلى ميدان الهدف المرحلي.

وفي هذا الإطار فإن الاحتلال الإسرائيلي ، وبإسناد سياسي وأمني أميركي كامل ، وفي ظل تواطؤ رسمي عربي واضح استطاع تقزيم التوقعات الفلسطينية على حد تعبيره ، والهبوط بها لتصبح عملية التفاوض أداة سياسية لتحطيم أسس الرؤية المرحلية الفلسطينية.

وقد تأسست مقدمات هذا الخلل الاستراتيجي عندما وافق الطرف الفلسطيني في أوسلو العام 1993 على تحويل قضايا الحل النهائي التي هي في الجوهر قضايا الحد الأدنى للحقوق الفلسطينية إلى عناوين للمساومة ، نقصد ( حق العودة ، إقامة الدولة المستقلة ذات السيادة ، القدس ، إزالة المستوطنات ).

وما دامت معادلات التفاوض تقوم على هذا الانحراف الخطير في الرؤية السياسية ،إذن من الطبيعي أن تصل المفاوضات إلى الجدار المسدود وهكذا احتدمت التناقضات وصولاً إلى لحظة الانفجار إثر اقتحام الإرهابي شارون للمسجد الأقصى في أيلول من العام الماضي.

إذن ، ما نعيشه الآن من أحداث وصراع دائم هو النتيجة الطبيعية لعملية استهدفت أو توهمت أن بإمكانها إنهاء القضية الفلسطينية ، وتصفية أسسها بهذه البساطة ، والمأزق الشامل الذي تعيشه مختلف الأطراف الآن يعود أولاً وأخيراً إلى جذر الاختلال في العملية السلمية التي استخدمتها إسرائيل والولايات المتحدة كأداة للسيطرة والهيمنة واستمرار الاحتلال بوسائل وأشكال جديدة.

بين الداخل والخارج

عرفكم الشارع الفلسطيني والعربي كقائد معارض لاتفاق أوسلو ، لكن هناك من يقول أن مركز ثقل النضال الفلسطيني ما كان لينتقل إلى الداخل دون هذا الاتفاق ، فما رأيكم بذلك؟

هذا التقييم ليس دقيقاً ، وذلك لأن الداخل بالمعنى السياسي والاجتماعي كان تاريخياً هو مركز الثقل ، حتى وإن مرت مراحل تحرك فيها مركز القرار والفعل الكفاحي الفلسطيني في دول الطوق المحيطة بفلسطين ، لأن أهداف الفعل النضالي الفلسطيني كانت تتجه دوماً نحو الداخل الفلسطيني ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن النقلة النوعية والاستراتيجية في عملية الكفاح والمقاومة بالمعنى المباشر انتقلت من دول الطوق إلى فلسطين المحتلة قبل اتفاقات أوسلو ، وذلك خلال الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ، التي تفجرت في كانون الأول العام 1987 واستمرت سبع سنوات متواصلة ، في ظل تراجع دور وفعل المقاومة الفلسطيني في الخارج ، فالانتفاضة الفلسطينية الباسلة آنذاك جاءت رداً على عملية التهميش ومحاولات الشطب التي تعرضت لها القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير ، وهنا يجب التمييز بوضوح بين مفهوم مركز ثقل النضال الفلسطيني بما هو فعل ومقاومة واشتباك تقوم به الجماهير الفلسطينية ضد الاحتلال ، وبين مفهوم موقع القرار الفلسطيني الذي يتجسد في هيئات م.ت.ف ومؤسساتها.

بناء على ما تقدم ، فإنني أؤكد أن " أوسلو " ليس هو السبب في انتقال مركز ثقل النضال الوطني الفلسطيني إلى الداخل ، بل اتفاقات أوسلو ذاتها كانت وفق الرؤية الإسرائيلية – الأمريكية وسيلة لمجابهة الحالة الانتفاضية تلك بهدف إجهاضها ومنعها من تحقيق أهدافها المعلنة في الحرية والاستقلال.

مخاطر تتهدد الانتفاضة

الانتفاضة الفلسطينية الراهنة … باعتقادكم ما هي المخاطر التي تتهددها وما الذي أنجزته حتى الآن؟

الخطر الرئيسي الذي يتهدد الانتفاضة الفلسطينية الراهنة والمستمرة منذ سبعة أشهر بكل بطولاتها وتضحياتها يكمن في محاولات إجهاضها سياسياً ، أي استخدامها وبما يتناقض مع أهدافها السياسية التي هي في الجوهر أهداف النضال الوطني التحرري الفلسطيني المحددة في برنامج ووثائق م.ت.ف ، حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس ، وإزالة المستوطنات الصهيونية وفق قرارات الشرعية الدولية.

وهنا يجب أن نتذكر جيداً الأسباب التي مهدت لانفجار انتفاضة القدس البطولية ، إن السبب المباشر هو إدراك الجماهير الفلسطينية وبعد سبع سنوات من اتفاقات أوسلو أن قضيتها وحقوقها العادلة والتاريخية أصبحت مهددة في العمق بالتصفية من خلال ما سمي بمفاوضات الحل النهائي ، وبعد أن أدركت بأن الحلف الأمريكي – الصهيوني يتحرك بكل قواه لفرض إملاءاته وشروطه على الطرف الفلسطيني الذي كان يستجيب مع بعض الممانعة للضغوط التي يتعرض لها.

فعندما لمست الجماهير الفلسطينية أن عملية التسوية الأمريكية والممارسة الإسرائيلية تسير في خطة منهجية ومنظمة لاحتواء القضية الفلسطينية ، وتحطيم ركائزها وثوابتها بصورة شاملة ، انتفضت لتعيد صياغة المعادلات والتذكير بالثوابت ، والدفاع عن الحقوق الوطنية.

وبهذا المعنى فإن سياسة الاحتلال الإسرائيلي المسنود من الولايات المتحدة تجاه الانتفاضة الفلسطينية الراهنة تقوم على استراتيجية احتوائها واستنزافها ومنعها من إعادة الاعتبار للحقوق الوطنية التي تمت محاصرتها باتفاقات أوسلو وملاحقها.

فمن هذا السياق فإنني أحذر من خطورة الرضوخ السياسي لشروط ومناورات الاحتلال الإسرائيلي التي تأتي تحت شعارات وقف العنف ، أو العودة للتنسيق الأمني وتطبيق تفاهمات شرم الشيخ الأمنية ، والعودة لما كانت عليه الأوضاع قبل 28/9 إن السير في هذا الخيار يعني وكأن ليس هناك معنى للانتفاضة الفلسطينية بكل تضحياتها وصمودها.

إن الاحتلال يدرك أن الانتفاضة الشعبية لا تشكل تهديداً عسكرياً استراتيجياً وفق معيار موازين القوى العسكرية التقليدية ، ولكنه مع ذلك أطلق العنان لآلة حربه الإجرامية من صواريخ وطائرات واغتيال ودبابات وحصار وتمزيق وتجريف ، ليس بسبب خوفه من القوة العسكرية الفلسطينية التي يدرك جيداً إمكاناتها ، وإنما ليمنع الانتفاضة من تحقيق أهدافها السياسية.

إذن ما نشهده الآن من حرب مفتوحة أدارها باراك والآن الإرهابي شارون ضد شعبنا الأعزل ، إنما هي في الواقع والجوهر حرب سياسية بوسائل عسكرية لتطويع وارضاخ الشعب الفلسطيني ، وفرض الرؤية الإسرائيلية عليه وبالقوة المسلحة بعد أن فشل في تمريرها عبر طاولات التفاوض ، هنا يكمن الخطر الحقيقي الذي يجب أن لا يمر بأي حال من الأحوال ، وهذه مهمة القوى الوطنية والإسلامية وجماهير الشعب الفلسطيني.

لقد حققت الانتفاضةالفلسطينية الراهنة مجموعة من الإنجازات التي لا يجوز تبديدها أو الاستهانة بها والالتفاف عليها :

  • أعادت الاعتبار والتأكيد على تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه الوطنية الثابتة والواضحة.

  • قطعت الطريق بالدم والمقاومة على مشروع التصفية الأمريكي – الإسرائيلي الذي توهم أن بإمكانه تمرير شروطه ورؤيته بسهولة ، بعد أن مهد لها بالاتفاقات المرحلية وحقائق الأمر الواقع.

  • برهنت الانتفاضة بالملموس أن أية تسوية أو اتفاقات لا تقوم على الإقرار بالحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني ، كما يحددها برنامج الإجماع الوطني وقرارات الشرعية الدولية محكوم عليها بالفشل والسقوط.

  • كشفت الانتفاضة تماماً حقيقة المشروع الصهيوني وحقيقة الرؤية الإسرائيلية للسلام ، فمقابل البديهيات الواضحة التي تحرك الشعب الفلسطيني على قاعدة رحيل الاحتلال ومستوطناته ونيل الحرية والاستقلال الحقيقيين ، نجد أن الانتفاضة أجبرت إسرائيل سواء كانت بزعامة حزب العمل أو الليكود أو كليهما معاً على كشف أوراقها وفهمها للتسوية التي تقوم على استمرار الاحتلال بأشكال جديدة ، وأن جوهر السلام الإسرائيلي لا يتعدى إقامة نظام فصل عنصري جديد يتحكم بحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني.

  • برهنت الانتفاضة عن طاقة شعبية فلسـطينية كامنة لا يمكن الاستهانة بها ، وبالتالي فإنها كنست اللغة والثقافة الهابطة التي حفلت بها الممارسة السياسية الفلسطينية والعربية خلال العقد الماضي ، والتي تتجلى في مفاهيم ( التطبيع ، الإحباط واليأس ، التعايش ، شراكة السلام … ) وأعادت الاعتبار إلى ثقافة المقاومة والصمود والكرامة الوطنية والقومية ، لقد أعادت للفلسطيني وللإنسان العربي مكانته كندّ رغم جسامة التضحيات وعمق الاختلال في موازين القوى.

  • أعادت الانتفاضة من جديد القضية الفلسطينية إلى مكانتها الطبيعية في الوجدان العربي ، وأمام الرأي العام العالمي باعتبارها قضية التحرر الأولى في هذا العصر.

  • وفرت الانتفاضة فرصة هائلة لإعادة التقييم والمراجعة لمسيرة السنوات الماضية ، وهذه فرصة إذا ما أُحسن استثمارها ، كفيلة بإعادة صياغة الرؤية والاستراتيجيةالسياسية بصورة واضحة على أساس المقاومة والحقوق الوطنية الثابتة.

كما أن الانتفاضة أعادت توحيد القوى والشارع الفلسطيني ميدانياً بعد تعرضه على مدار عشر سنوات لحالة من التمزق والتآكل والاستنزاف الداخلي العميق ، غير أن هذا المنجز الرئيسي والهام إذا لم يتجسد في برنامج سياسي واضح ومؤسسات محددة وممارسة ديمقراطية واضحة ، فإنه مهدد بالاندثار ، وهذا تحدٍّ يواجه الآن جميع القوى السياسية ، وذلك من خلال تحويل الوحدة الوطنية والكفاحية إلى وحدة سياسية بعيداً عن مخاطر ومناورات الاستخدام والتوظيف اللحظي.


[الصفحة التالية]