في أشكال المواجهة ثمة من يعتقد أن التركيز يجب أن يكون على الفعل الشعبي الجماهيري ، لأن الوضع الفلسطيني لا يستطيع تحمل كلفة العمليات العسكرية فهل توافقون على ذلك؟

الاشتباك المفتوح والشامل مع الاحتلال الإسرائيلي بقواته وسياساته ومستوطنيه يستدعي على الصعيد الفلسطيني صياغة استراتيجية مواجهة عملية وعلمية في ذات الوقت ، بحيث يتمكن الشـعب الفلسطيني من مواصلة نضاله الانتفاضي على أوسع نطاق شعبي ، وأيضاً استخدام أشكال الكفاح العنفي بما في ذلك الكفاح المسلح لإيقاع الخسائر في صفوف العدو واستنزاف جبهته الداخلية ، وعدم إعطائه الفرصة لممارسة إرهابه وقمعه بهدوء.

وهنا من المهم إيجاد الآليات وأساليب العمل الملائمة التي تتجنب الدخول في مواجهات عسكرية محسومة نتائجها سلفاً ، وتعطي للاحتلال الذرائع والفرص لتصوير الصراع وكأنه حرب بين جيوش متكافئة ، بهذا المعنى فإن ممارسة الضربات العسكرية تستدعي استخدام تكتيك مرن من حيث اختيار الأهداف والتوقيت والوسائل المناسبة.

وبكلمات مختصرة يجب أن تدار عملية الصراع بحيث تتكامل أشكال ووسائل المجابهة ، بحيث تعطي للشارع الفلسطيني القدرة على المبادرة ، والحفاظ على الطابع الشعبي للانتفاضة ، ومن جانب آخر الاستمرار في توجيه الضربات للاحتلال والمستوطنين بصورة فعالة في الزمان والمكان والأسلوب المناسب بما يشكله هذا التكامل من قوة ردع ، وضرب للاستقرار ، وإفشال سياسة الاحتلال التي تستهدف تصفية الانتفاضة الشعبية ، وإيقاع اكبر الخسائر البشرية والمادية في صفوف الفلسطينيين مقابل أقل الخسائر في صفوف الاحتلال تمهيداً لفرض شروط الاحتلال السياسية.

إنني أؤكد هذه الرؤية في الوقت الذي أدرك فيه عمق المأساة التي يعيشها أهلنا وأبناء شعبنا الأبطال في فلسطين المحتلة ، إنني أدرك جيداً الثمن الباهظ والدم الغالي الذي تدفعه جماهيرنا دفاعاً عن حقوقها ووطنها وكرامتها ، ولكن هل هنالك خيار أمام هذا الشعب في ظل الإرهاب والسياسة الفاشية العنصرية الإسرائيلية وفي ظل التواطؤ الرسمي العربي والصمت العالمي ، سوى المقاومة والصمود لإحباط وإسقاط الأهداف السياسية من جراء الحرب المسعورة التي تشنها إسرائيل ضد شعبنا.

 

مهمة حماية الانتفاضة

ما هي بتقديركم أبرز المهمات المطروحة فلسطينياً تجاه الانتفاضة؟

تتركز المهمة الأولى في حماية الانتفاضة سياسياً ، وعدم تبديد إنجازاتها عبر التمسك بأهداف الانتفاضة التي هي ذاتها ثوابت الحقوق الوطنية الفلسطينية وتستدعي الحماية السياسية ، والتصدي لمختلف سياسات الاحتواء والإخضاع التي يمارسها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ، ورفض إملاءات سياسية أو أمنية تستهدف إجهاض الانتفاضة وحرفها عن أهدافها ، تتقاطع مع هذه المهمة مهمة أخرى وأساسية ، هي تعزيز عناصر وعوامل صمود الجماهير الفلسطينية وذلك من خلال:

  • تأمين المتطلبات الاقتصادية الضرورية والأساسية لاستمرار الانتفاضة ، وهنا يأتي السؤال حول الدعم العربي الموعود والذي لا يأتي ، ففي كل الأحوال فإن إمكانات الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وفي ظل سياسة الحصار هي إمكانات محدودة ، عدا عن استخدام أموال الدول المانحة كأداة للضغط السياسي ، ولهذا فإن الصمود الاقتصادي يستدعي إسناداً عربياً مادياً حقيقياً وفورياً.

  • تعزيز الوحدة الوطنية الميدانية والسياسية على أسس ديمقراطية وعلى قاعدة الالتزام ببرنامج الإجماع الوطني ، وهذا يستدعي إعادة تفعيل المؤسسات والهيئات والاتحادات الشـعبية ومؤسسات م.ت.ف ومؤسسات المجتمع المدني ، وتعزيز العملية الديمقراطية كقيم وممارسة وتحريم الاعتقال السياسي.

  • التصدي لمظاهر الاختلاس والفساد الإداري والمالي ، فالإمكانات المادية والبشرية التي يمتلكها الشعب الفلسطيني لا تتيح أدني ترف للتبديد ، وتغذية دوائر الفساد الباحثة عن الثراء.

  • تفعيل دور التجمعات الفلسطينية في الشتات لتقوم بدورها كقوة فعل ، وإسناد سياسي وإعلامي وجماهيري لإسناد الانتفاضة وتفعيل الشارع الشعبي العربي.

  • استمرار الضغط لتحريك الشارع العربي الذي يشكل بدوره قوة ضغط
    على الأنظمة والحكومات لإجبارها على مغادرة دوائر الصمت ، ومستوى المناشدات والشعارات إلى دور أكثر إيجابية وفاعلية في إسناد الشعب الفلسطيني المنتفض.

  • تفعيل العلاقة والتواصل مع الرأي العام العالمي ، ووسائل الإعلام والمؤسسات الدولية ، ومطالبة الدول والقوى السياسية والمدنية الصديقة لرفع صوتها ضد سياسات الاحتلال ، والتأكيد أن البديل للعملية السلمية القائمة على منطق القوة والهيمنة الأمريكية – الصهيونية ، هو بالعودة إلى قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية في هذه المرحلة ، وفي هذا الإطار تبرز قيمة خاصة للعمل على صعيد الدول الإسلامية ومنظمة الوحدة الإفريقية.

  • وضع الآليات لضمان تواصل الحياة الاجتماعية ، والعملية التعليمية ، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين ، وتواصل العملية الاقتصادية ، وعدم تحويل الانتفاضة إلى عملية شلل لحياة المواطنين ، ونشاطهم الاقتصادي والتعليمي.

 

المجتمع الإسرائيلي إلى أين؟

ينحو المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف ، وانتخاب شارون كرئيس للوزراء يشير إلى ذلك ، فما هو تفسيركم لهذا الميل؟

ميل المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف يعكس بنية هذا المجتمع العقائدية الأيديولوجية ، كما يعكس بنيته النفسية التي تتقاطع فيها العنصرية والشعور بالقوة والتفوق ، مع مصالح اقتصادية ورفاه اجتماعي يتغذى من
دور ووظيفة الكيان الصهيوني الاستعمارية في المنطقة ومكانته كحليف استراتيجي لأكثر دوائر الرأسمال العالمي رجعية وفاشية.

فعندما تتشابك خرافات التفوق العرقي مع امتلاك القوة العسكرية والشعور بالاطمئنان إلى حليف من نوع ووزن الولايات المتحدة الأمريكية ، مقابل جهة تعاني من التمزق والضعف والتناقض ، إضافة إلى تحقيق سلسلة من الانتصارات العسكرية السهلة كنتيجة للتفوق الهائل في موازين القوى ، وعدم قدرة الخصم على استثمار ما يملكه من إمكانات ، أمام كل هذا من الطبيعي أن تتأسس في الكيان الصهيوني نفسية ورأي عام يمجد القوة ويميل باستمرار نحو الحد الأقصى من العنف والتطرف في سبيل الحفاظ على دوره ومكانته وما يحققه نتيجة لكل هذه العوامل من امتيازات فردية وجماعية.

وهذه العقلية تجد في النهاية ذاتها في مقولة من نوع أن من حق الكيان الصهيوني المتفوق فرض إرادته وسياساته وشروطه ، وليس أمام الطرف النقيض سوى الرضوخ والاستكانة ، وإلا فإن الحل البديل يقوم على استخدام أقصى درجات العنف لفرض الاستسلام عليه.

ما تقدم هو الذي يفسر لنا طبيعة وجوهر الرؤية الصهيونية لعملية السلام ، أي باعتبارها وسيلة لاستمرار التفوق وفرض الشروط وليس من أجل الوصول لحل عادل ، وهنا يكمن في تقديري مأزق الكيان الصهيوني التاريخي.


[الصفحة التالية]