مؤخراً تم اعتقال السيد نائب أمين عام الجبهة الشعبية وقبلها تم اغتيال السيد الشهيد أبو علي مصطفى ولا زال السيد أحمد سعدات في الأسر إلى أي مدى أثرت هذه الحملات خاصة بعد اغتيال الإرهابي زئيفي على أداء الجبهة الشعبية وهل ترون أن القرار الذي اتخذته الجبهة الشعبية بتركيز هذا الكم من الخبرات القيادية في الداخل حكيماً؟
دعني أقول أولاً وقبل كل شيء، أن عمليات الاغتيال والملاحقة والمطاردة والاعتقال، التي تعرضت لها الجبهة الشعبية خلال الشهور الماضية، وخاصة بعد اغتيال زئيفي، ليست هي الأولى من نوعها. فقد جرد العدو الصهيوني خلال عقود السبعينات والثمانينات وأوائل التسعينات العديد من الحملات العسكرية والأمنية الواسعة، للقيام بعمليات تصفية وملاحقة ومطاردة، استهدفت ضرب الوجود السياسي والتنظيمي والجماهيري والعسكري للجبهة الشعبية في الداخل الفلسطيني، كما في الخارج أيضاً. وأعتقد أن الجميع يتذكرون الحملة الواسعة التي شنها العدو في مطلع السبعينات ضد الجبهة الشعبية، وأسفرت عن اعتقال المئات، واستشهاد الرفيق جيفارا غزة عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، والرفيق محمد العمصي عضو اللجنة المركزية. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الحملات التي جردها الاحتلال في الثمانينات وأوائل التسعينات، وأسفرت عن اعتقال مئات المسؤولين العسكريين والتنظيميين، وإبعاد العشرات إلى خارج الوطن المحتل، فضلاً عن قيامة بتصفية العديد من الكادرات العسكرية والتنظيمية داخل سجون الاحتلال، وفي المواجهات التي وقعت هنا وهناك. كما أننا نتذكر جميعاً الحملة العسكرية التي جردها الاحتلال لتصفية تجربة الحرب العصابية التي خاضتها الجبهة في نهاية الستينات في جبال الخليل بقيادة الشهيد أبو منصور.

غير أن هذه الحملات المتواصلة، لم تنجح في تصفية الوجود السياسي التنظيمي الجماهيري العسكري للجبهة الشعبية في الداخل. فقد استطاعت الجبهة في كل مرة، تعرضت فيها لحملات وعمليات تصفية واعتقال وملاحقة ومطاردة وإبعاد، أن تنهض من جديد، وأن تواصل الكفاح بمختلف أشكاله ووسائله وأساليبه. وأعتقد جازماً، أن الحملات التي تتعرض لها الجبهة في الظروف الراهنة، على قساوتها واتساعها، لن تفلح هي الأخرى في وقف مسيرتها الكفاحية. فعلى الرغم من الخسارة الكبيرة التي أحدثها نجاح العدو الصهيوني في اغتيال الرفيق الشهيد أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة، تمكنت الهيئات الحزبية بسرعة، من إعادة تنظيم صفوفها وانتخاب أمين عام جديد هو الرفيق أحمد سعدات، ونائبه الرفيق عبد الرحيم ملوح. كما تمكنت الجبهة من الانتقام لاستشهاد أمينها العام، خلال أربعين يوماً، عندما نجحت بتصفية الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي في قلب مدينة القدس. وقد شكل هذا النجاح في الوصول إلى زئيفي، ضربة أمنية قاسية وموجعة للعدو الصهيوني ولجميع مؤسساته العسكرية والأمنية. الأمر الذي اعتبرته القيادات الإسرائيلية السياسية والعسكرية والأمنية،  خطوة نوعية، غير مسبوقة في تاريخ الكيان الإسرائيلي، تشكل تهديداً جدياً وخطيراً، وتنقل الصراع إلى مستويات جديدة لم تعهدها إسرائيل من قبل.

وارتباطاً بهذه النظرة لمعاني ودلالات مقتل زئيفي، كانت ردة الفعل الصهيونية عنيفة وواسعة واتخذت أشكالاً مختلفة، أولها قيام الجيش الإسرائيلي بحملة عسكرية واسعة النطاق استهدفت السلطة ومؤسساتها والفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية. وثانيها ممارسة أقصى الضغوط السياسية على السلطة الفلسطينية، لحملها على اعتقال الرفيق أحمد سعدات، والرفاق الأربعة الذين نفذوا عملية تصفية زئيفي، بعد أن فشلت إسرائيل في الوصول إليهم. وثالثها القيام بأوسع حملة سياسية دبلوماسية إعلامية لدفع أمريكا وأوروبا وبعض الدول العربية للضغط على عرفات لضرب الجبهة الشعبية باعتبارها فصيلاً إرهابيا. وقد أدت هذه الضغوط إلى قيام السلطة  الفلسطينية للأسف الشديد باعتقال الرفيق سعدات والأبطال الأربعة، فيما واصلت إسرائيل وأجهزتها العسكرية والأمنية اعتقال المئات من أعضاء الجبهة وكادراتها، إلى أن تمكنت أخيراً من اعتقال الرفيق عبد الرحيم ملوح نائب الأمين العام.

ومن الطبيعي القول أن هذه الحملة الواسعة التي استهدفت الجبهة داخل الوطن المحتل، قد تركت آثارها السلبية على مستوى الأداء. غير أني على ثقة تامة بأن الجبهة ستواصل مشوارها الكفاحي، كما عودتنا دوماً، وستنهض من جديد بقوة. وأعتقد أن فعاليات الجبهة الانتفاضية والعسكرية خلال الأشهر الأخيرة، تشير إلى تمكنها من تجاوز الضربات التي تعرضت لها.

أما فيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، فاسمح لي أن أؤكد بأنني كنت مع عودة كل رفيق يستطيع العودة إلى الوطن. ورغم الخسارة التي تعرضنا لها بسبب اغتيال الرفيق الشهيد أبو علي واعتقال الرفيق ملوح، فإني لا زلت أعتقد بصحة القرار الذي اتخذته الجبهة في ذلك الوقت. وبطبيعة الحال، ما زال من المبكر الحكم على مدى صحة القرار. وفضلاً عن ذلك فقد تعودت الجبهة، على القيام بعمليات مراجعة لقراراتها في كل مرحلة من مراحل النضال الوطني، واستخلاص الدروس والعبر ووضع الخطط لعمل المرحلة القادمة. وبالتأكيد ستقف الهيئات القيادية لتقييم المرحلة ليس فقط من هذه الزاوية، بل لإجراء عملية تقييم شاملة لأداء الجبهة وللوضع الوطني الفلسطيني العام.

مؤخراً وبضغط خارجي أعلنت السلطة الفلسطينية عن ما يسمى ببرنامج الإصلاح وأعلنت أسماء الوزراء في الوقت الذي تقتحم فيه الدبابات الإسرائيلية المدن الفلسطينية وتقتل وتدمر وتعتقل ألا ترى أن هنالك حالة من الفصام الواقعي تعيشه هذه السلطة وهي تزداد بعداً عن هموم ومشاكل الشعب الفلسطيني؟
دعني أقول بادئ ذي بدء، أن الإصلاح السياسي، هو مطلب وطني فلسطيني شامل، تلتف حوله جميع القوى والاتجاهات السياسية والفكرية الوطنية الفلسطينية، وجميع فئات الشعب الفلسطيني. وكان هذا المطلب، ولا زال، هماً وطنياً فلسطينياً ملحاً، في ظل سيادة كل أشكال الهيمنة والتفرد والتسلط على مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والقرار الوطني الفلسطيني. وقد شهدت م.ت.ف على مدار العقود الثلاث الماضية، صراعاً حقيقياً جدياً، استهدف إصلاح مؤسساتها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، بما يخدم البرنامج الوطني والعملية الكفاحية التي تسعى لاستعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال. ورغم بعض النجاحات التي تحققت، في السبعينات والثمانينات، لإصلاح أطر م.ت.ف على جميع المستويات السياسية والتنظيمية والنقابية، فقد ظلت الإصلاحات في محصلتها النهائية ذات طبيعة محدودة وآنية، سرعان ما كان يجري تجاوزها والقفز من فوقها، باتجاه إعادة الأمور إلى سابق عهدها، من تسلط وتفرد بالقرارات، وترسيخ لمفاهيم وعادات وتقاليد، لا تمت إلى العمل الجماعي والقيادة الجماعية بصلة. مع أن القيادة النافذة تقر نظرياً وتعترف بأن منظمة التحرير، هي ائتلاف وطني عريض، تحرص على أن يبقى إطاراً جامعاً لكل القوى والاتجاهات والتيارات، وممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني.

وبالعودة إلى السؤال، في إطاره الراهن، اسمح لي بالقول، أنه للأسف الشديد، فإن الإصلاح السياسي والديمقراطي المطروح من قبل السلطة الفلسطينية في الظروف الراهنة، جاء نتيجة ضغوط أمريكية-أوروبية-إسرائيلية ورسمية عربية، ولتحقيق أهداف أمنية إسرائيلية-أمريكية، جوهرها إقامة نظام سياسي فلسطيني، يستجيب لمهام ومتطلبات سياسية وأمنية، تخدم المصالح والتوجهات والمخططات الأمريكة الإسرائيلية. وأولى هذه المهام، تتمثل بقمع قوى المعارضة الوطنية الفلسطينية، وإجهاض الانتفاضة وكل أشكال المقاومة الوطنية الفلسطينية المسلحة، التي تخوضها الفصائل الوطنية والديمقراطية والإسلامية بمواجهة المحتلين الإسرائيليين.

ولا أعتقد أن أحداً، فلسطينياً كان أم عربياً، يصدق تباكي الدوائر الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، على غياب الديمقراطية في الساحة الفلسطينية، أو تسلط الأجهزة الأمنية، وعدم خضوعها لأحكام القضاء والنظام الأساسي الفلسطيني أو استشراء الفساد والبيروقراطية في أجهزة السلطة ومؤسساتها. فهذه الادعاءات عارية عن الصحة تماماً. بل أن هذه الدوائر، تسعى دوماً، كما يشير تاريخها الأسود، إلى دفع العديد من الدول والأنظمة في بلدان العالم الثالث، إلى الإيغال أكثر فأكثر في كل أشكال القمع والإرهاب والقهر والفساد، وحرمان الناس من أبسط حقوقهم الديمقراطية والإنسانية، وذلك بهدف ضمان مصالحها. والأمثلة على هذه السياسات الغريبة الهوية يصعب حصرها. وهناك الكثير من المؤلفات التي صدرت عن كتاب غربيين، تبين بوضوح دور الأجهزة الأمنية، الأمريكية والأوروبية في تدعيم وتعزيز وضع الكثير من الأنظمة الديكتاتورية.

مع ذلك، ورغم اتضاح طبيعة الضغوط، التي تمارسها إسرائيل وأمريكا وبعض الدول الأوروبية والعربية، على السلطة الفلسطينية، لإجراء إصلاحات تخدم الأهداف المشار إليها سابقاً، فإننا لا يجب أن نتردد، لحظة واحدة، في خوض معركة الإصلاح بكل طاقاتنا وإمكاناتنا، ليكون إصلاحاً حقيقياً وجذرياً، قائماً على أساس ديمقراطي حر ونزيه، يشمل مؤسسات السلطة ومؤسسات منظمة التحرير والبلديات والمجالس القروية والمنظمات النقابية الشعبية والمهنية. فنحن أمام فرصة حقيقية للقيام بعملية إصلاح واسعة، نناضل منذ سنوات طويلة لتحقيقها، يكون من شأن النجاح فيها، وضع حد لكل أشكال الهيمنة والتفرد والتسلط، وإقامة مؤسسات حقيقية على أساس مبدأ التمثيل النسبي.

ومن الطبيعي القول أن مثل هذا الإصلاح ومثل هذه الانتخابات، يجب أن تجري في ظل ظروف وشروط تسمح باقامتها، بعيداً عن اشتراطات أوسلو، وتأثيرات الاحتلال المباشرة أو غير المباشرة، كما أن من الطبيعي أن تجري في ظل استعدادات وتحضيرات تامة ومكتملة، وفي إطار نظام انتخابي عصري جديد.

وفضلاً عن ذلك دعني أقول بوضوح شديد، أن من الضروري التشديد على الأهمية القصوى لتنسيق جهود جميع القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية، وكل القوى والهيئات والمؤسسات المدنية الفلسطينية، لجعل العملية الانتخابية الديمقراطية، فرصة مناسبة، لبلوغ الإصلاح الحقيقي، وتحقيق الشروط التي تمكن الجماهير الفلسطينية وقواها الحية، من مواصلة كفاحها ضد الاحتلال، تحقيقاً لأهداف شعبنا في الحرية والاستقلال، وإنهاء معاناته واستعادة حقوقه المغتصبة، وفي المقدمة منها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.


[الصفحة التالية]