|
كان للاجئين الفلسطينيين عبر سنوات الصراع باع طويل في النضال ضد المشروع
الصهيوني وهذا شيء طبيعي كون اللاجئين هم محور الصراع. ورأينا كيف كانت
المخيمات تستهدف بشكل مبرمج نذكر على سبيل المثال مذابح صبرا وشاتيلا
البشعة، وفي انتفاضة الأقصى الحالية استهدفت المخيمات جميعها وكانت مجزرة
مخيم جنين فلماذا استهداف المخيم في كل مراحل الصراع برأيكم ألا يكفيهم
معاناة اللجوء والسكن في الخيام؟
نعم كان للاجئين الفلسطينيين،
عبر سنوات الصراع، باع طويل في النضال الوطني الفلسطيني ضد المشروع
الصهيوني. وهذا الأمر كما يشير السؤال طبيعي جداً، لأن قضية عودة اللاجئين
الفلسطينيين إلى وطنهم كانت ولا زالت محور الصراع مع المشروع الصهيوني –
الاستعماري الغربي. فنحن عندما نتحدث عن اللاجئين الفلسطينيين، فإن هذا
يعني إننا نتحدث عن حوالي خمسة ملايين فلسطيني، يقيمون في المخيمات داخل
الوطن المحتل، وفي مناطق اللجوء والشتات. وقد تميزت حياة هؤلاء الناس
بطابعها البدائي واللا إنساني، على مدار العقود الماضية، وعلى مختلف
المستويات المعيشية والصحية والتعليمية والسكنية...الخ. كما تميزت بطابعها
المؤقت، فاللاجئون الفلسطينيون، حملوا مفاتيح بيوتهم معهم، واحتفظوا بها،
على أمل العودة إلى مدنهم وقراهم وممتلكاتهم وبيوتهم. وعندما طال بهم
الانتظار، وطالت حياة البؤس والشقاء والمعاناة الإنسانية والاقتصادية
والاجتماعية، بدأوا ينظمون صفوفهم للنضال من أجل حق العودة. وقد أتخذ هذا
النضال أشكالاً مختلفة، لسنا بصدد الدخول فيها، وصولاً إلى اندلاع الثورة
الفلسطينية المعاصرة عام 1965. وليس من المبالغة في شيء القول، أن الثورة
الفلسطينية غرفت طلائع مقاتليها من أجل التحرير والعودة من داخل المخيمات.
وعندما نمت الثورة وترعرعت، فإن
المخيمات كانت مجالها الحيوي والطبيعي. فقد احتضنت المخيمات الفلسطينية
المقاومة الوطنية المسلحة، وقدمت التضحيات الكبيرة والعظيمة، على مدار
العقود الماضية. وهذه الحقيقة الموضوعية، ليست كما أعتقد، موضع جدل أو
نقاش، وليس هناك من مختلف بشأنها. وارتباطاً بهذه الحقيقة، وبهذا الدور، ظل
المخيم الفلسطيني على مدار العقود الماضية، هدفاً دائماً للكيان الصهيوني،
ولكثير من الأنظمة العربية، ولمجمل النشاطات السياسية التآمرية لأمريكا
وبلدان أوروبا الغربية، لتوطين سكان المخيمات وتصفية حقهم في العودة إلى
وطنهم.
فعلى المستوى السياسي، طرحت
الدوائر الصهيونية والأمريكية والأوروبية الغربية، عشرات المشاريع لتوطين
اللاجئين الفلسطينيين. غير أن هذه المشاريع فشلت في إقناع الفلسطينيين
بالتخلي عن حقهم في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم، رغم كل المغريات. وعلى
العكس من ذلك، فقد أظهر الفلسطينيون تمسكاً بحقوقهم وإصراراً على عودتهم
إلى وطنهم، رغم قسوة الظروف المحيطة بحياتهم اليومية. أما على المستوى
الأمني والعسكري، فقد تعرضت المخيمات الفلسطينية قبل اندلاع الثورة
الفلسطينية، إلى الكثير من عمليات القمع والإرهاب وحملات الاعتقال على أيدي
أجهزة الشرطة والأمن العربية، للحد من نشاطها السياسي. وبعد اندلاع الثورة،
تعرضت المخيمات، كما هو معروف، لسلسلة من الهجمات العسكرية الشرسة،
والحملات لتطويق وحصار، يصعب جداً التوقف أمامها في مثل مخيمات صبرا
وشاتيلا وجنين وتل الزعتر، هي المثال الأكثر بروزاً وشهرة على المذابح التي
تعرضت لها المخيمات، فإن الوقائع المسجلة في الذاكرة الفلسطينية، عن
العذابات التي تعرض لها المخيم الفلسطيني، لا تتسع لها الكثير من المجلدات.
ومع ذلك، ورغم كل ذلك، ظل
المخيم الفلسطيني مصدراً أساسياً لرفد الثورة الفلسطينية لمقاتليها،
ولإدامة الصراع مع العدو الصهيوني بكل أشكاله. وبرأيي فإن هذا هو السبب
الأساسي الذي يقف وراء استهداف المخيمات من قبل العدو الصهيوني وأجهزة
الأمن العربية والأجنبية.
وفضلاً عن ذلك، فإن المخيمات
الفلسطينية كانت ولا زالت تمثل الشاهد الأبرز على مأساة العصر، على المأساة
التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ أكثر من خمسين عاماً. ومن الطبيعي جداً أن
تسعى الدوائر الصهيونية والغربية الاستعمارية إلى التخلص من هذا الشاهد،
للتخلص من أحد أهم أسباب استمرار الصراع من أجل حق العودة الذي تعتبره
إسرائيل نقيضاً لوجودها ومشروعها، ترفضه رفضاً قاطعاً.
وهنا تجدر الإشارة إلى قضية
هامة جداً، ألا وهي وجود إجماع إسرائيلي على رفض حق اللاجئين الفلسطينيين
في العودة إلى ديارهم وبيوتهم ومدنهم وقراهم التي شردوا منها قسراً وظلماً.
كما أن هناك إجماع إسرائيلي على رفض القبول بقرار الأمم المتحدة رقم 194.
ويشمل هذا الإجماع الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية الأهلية،
المنتمية إلى مختلف الاتجاهات السياسية، والمصنفة يميناً أو يساراً أو
وسطا، بما في ذلك حركات السلام.
وبما أن المخيمات هي موطن أصحاب
حق العودة، وتمثل في الواقع الملموس والعملي، قلاع الصمود الوطني
الفلسطيني، والمعين الذي لا ينضب لرفد قوى الثورة بالمقاتلين
والاستشهاديين، فإنها تظل هدفاً دائماً للقوى المعادية في كل مراحل الصراع،
وهدفاً دائماً لكل المشاريع السياسية والاجتماعية التنموية، الساعية إلى
بلوغ هدف التوطين، وتصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة والمشروعة.
حق العودة
اسمح لي بالقول أن حق العودة
الفلسطيني دخل خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديداً بعد مؤتمر مدريد
واتفاقات أوسلو، مرحلة جديدة. فقد أدت الاتفاقات، والتحركات المتعددة
الأشكال والوجوه بعد اتفاقات أوسلو إلى إثارة الإحساس الفلسطيني بأن ثمة
توجهات جدّية لتصفية حق العودة الفلسطيني ومقايضته بحلول سياسية تشمل توطين
الفلسطينيين وتعويضهم وحرمانهم من حقهم الطبيعي في العودة إلى وطنهم ومدنهم
وقراهم وأراضيهم وبيوتهم التي شردوا منها. هذا الحق الذي نصت عليه قرارات
الشرعية الدولية وشرعة حقوق الإنسان والعديد من المواثيق والأعراف الدولية،
فهو حق فردي وجماعي غير قابل للتصرف والإنابة.
ويبدو واضحاً أن الدوائر
الصهيونية والأمريكية والأوروبية الغربية تزداد إمعاناً في التنكر للقرار
194 ولكل القرارات التي تؤكد حق الفلسطينيين الذين هجروا قسراً، وعبر عملية
تطهير عرقي ممنهج، من أراضيهم وبيوتهم ومدنهم وقراهم لتحقيق الكذبة
الصهيونية من أن " فلسطين أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض". فقد استمرت الدوائر
الصهيونية والغربية في طرح مشاريعها لتوطين اللاجئين حيثما وجدوا، أو
لإعادة توطينهم في أماكن جديدة، أي تهجيرهم من جديد. كما حاولت هذه الدوائر
إشاعة تفسيرها الخاص للقرار 194، على طريق إلغائه، يقول بالعودة أو
التعويض.
وبموازاة هذه المخططات والجهود
الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، وبالتساوق معها، نلاحظ بين الفينة
والأخرى صدور تصريحات ناشزة عن بعض المسؤولين الفلسطينيين تتحدث عن القبول
بحلول جزئية تتنازل بموجبها جوهرياً عن حق الفلسطينيين بالعودة. ومع أن هذه
الأصوات تبقى محدودة ومعزولة جماهيرياً إلا أنها تؤشر لقضية خطيرة مفادها
بؤس خيارات النهج المهيمن على القرار الفلسطيني، وضرورة مواجهته كما حصل مع
تصريحات سري نسيبة سيئة الصيت.
وبالتأكيد فإن مواجهة هذه
التحركات واستنهاض الإرادة الدولية لا يمكن أن يتم إلا من خلال تصعيد
الكفاح الوطني، وبذل المزيد من الجهود لتنظيم صفوف اللاجئين الفلسطينيين،
في كافة أماكن تواجدهم، في فلسطين المحتلة منذ العام 1948، والأراضي
المحتلة عام 1967 وفي الشتات. وهنا تجدر الإشارة إلى التحرك الجماهيري
الواسع للدفاع عن حق العودة بمواجهة مخططات شطبه. فقد شهدت تجمعات الشعب
الفلسطيني تشكيل لجان وهيئات ومنتديات، ضمت في صفوفها العديد من أبناء
شعبنا، تعمل جميعها تحت عنوان حق العودة مقدس وقانوني وممكن. وهنا اسمحوا
لي أن أنوه بمركزكم ( مركز العودة الفلسطيني ) الذي يشكل حلقة مهمة في
سلسلة حركة الدفاع عن حق العودة الفلسطيني.
ومن المهم الإشارة هنا أيضا إلى
ضرورة تضافر جهود هذه الجمعيات واللجان الأهلية مع جهود الأحزاب والمنظمات
الفلسطينية للوصول إلى تكامل العمل من أجل الدفاع عن حق العودة للوصول إلى
إمكانية تحقيق هذا الحق.
إن قدرة المنظمات والأحزاب
والهيئات واللجان والمؤسسات على الارتقاء بمستوى فعالياتها السياسية
الإعلامية الجماهيرية والكفاحية وتنظيم صفوفها هو الكفيل بإفشال التوجهات
التي تسعى لمقايضة حق العودة بمشاريع توطينية أو حسب " آخر تقليعة "
بالمستوطنات.
وعلي هذا الصعيد أشير إلى ضرورة
المزيد من توحيد جهود كل العاملين في مجال الدفاع عن حق العودة. وذلك
بالعمل على توحيد الجهود في كل ساحة من ساحات تواجد شعبنا على طريق توحيد
جهود كل الساحات لتصبح حركة الدفاع عن حق العودة كالأوركسترا المنظمة، كل
يعمل بالتناغم مع عمل الآخرين.
وإذا كان من السابق لأوانه الآن
أن نطرح تصورات نهائية لأشكال هيكلية محددة لعمل جماهيرنا الفلسطينية في
الوطن والشتات، لكن كلي ثقة بأن شعبنا سيكون قادراً على ابتداع أفضل وأنجع
الأشكال التي تخدم هذه القضية الأساسية العادلة.
ودعني أقول كخلاصة، أن
المؤتمرات التي انعقدت واللجان التي تشكلت، والنشاطات التي أقيمت، في أربع
جهات الأرض، كانت نقطة تحول حقيقية في مسار النضال الوطني الفلسطيني من أجل
حق العودة المقدس. وأنا شخصياً أثمن عالياً كل تلك الجهود، وأرى فيها يقظة
جديدة في غاية الأهمية، وأدعو إلى مواصلتها بحرارة أكبر وبمثابرة جدية،
لتفويت الفرصة على كل المحاولات المعادية التي تستهدف تصفية هذا الحق، على
قواعد وأسس يرفضها الشعب الفلسطيني.
إننا نمر بظروف صعبة وحرجة،
ولكن الشعب الفلسطيني بقياداته المخلصة وبكادراته ومثقفيه وأكاديميه وبعموم
مؤسساته الشعبية، لقادر على تجاوز هذه الظروف وتثبيت حقه المقدس، ومواصلة
الكفاح من أجل تحقيقه، فإلى الأمام وإننا لمنتصرون.
|