الموقع الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية
فلسطين و الأمم المتحدة

كلمة الدكتور ناصر القدوة السفير المراقب الدائم لفلسطين لدى الأمم المتحدة

أمام

الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة للجمعية العامة

نيويورك في 18 أكتوبر 2000

السيد الرئيس

في وقت اعتقدنا فيه جميعا أن المجتمع الدولي يقف على طريق النجاح في تصفية الاستعمار وبقايا الاحتلال الأجنبي، يقف الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا الفلسطينية ولشعبنا الفلسطيني كظاهرة فريدة استمرت بعناد اكثر من ثلاثة وثلاثون عاما. والاسوء من ذلك أن يقترن هذا الاحتلال بمسلك استعماري واضح من خلال النقل غير الشرعي لسكان قوة الاحتلال إلى الأرض المحتلة ومحاولة استعمار هذه الأرض. إسرائيل هي الدولة الوحيدة المعتبرة في هذا الوقت قوة احتلال وهي فوق ذلك تقرن احتلالها بذلك المسلك الاستعماري الواضح.

هل تقف البشاعة عند هذا الحد؟ تشير تجربة الاحتلال الإسرائيلي للشعب الفلسطيني ان هناك ما هو ابشع. وهو اقتران الاحتلال والاستعمار بالاستخدام المفرط وغير المبرر للقوة من قبل قوات الاحتلال في الكثير من الأحيان بما يؤدي إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا من أفراد الشعب. قامت قوات الاحتلال الإسرائيلية خلال حوالي الثلاثة أسابيع الماضية بقتل اكثر من تسعين شهيدا فلسطينيا وجرح اكثر من ثلاثة آلاف شخص الكثير منهم في حالة خطرة. ثلث هؤلاء القتلى والجرحى من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاما. لقد استخدمت قوة الاحتلال خلال ذلك حتى الأسلحة الثقيلة وطائرات الهليكوبتر وتعمدت في الكثير من الأحيان إيقاع هذا القدر الكبير من الضحايا والخسائر في أوساط شعبنا.

وفوق كل هذه البشاعة تحاول إسرائيل، قوة الاحتلال، أن تقرن كل ما سبق بمحاولات حثيثة، لوضع اللوم على الجانب الفلسطيني. لوضع اللوم على أولئك الذين تم قتلهم وجرحهم. يجب نسيان الاحتلال،ويجب نسيان المسلك الاستعماري، يجب نسيان الأسلحة الثقيلة، يجب نسيان العدد الكبير من الضحايا الفلسطينيين بما في ذلك الأطفال. ويجب أن يلام الجانب الفلسطيني لأنه تجرأ على الصراخ. يجب أن يلام الشعب الفلسطيني لانه عبر عن غضبه واستيائه بالتظاهر ورمي جنود الاحتلال بالحجارة. ويمكن حتى اتهامه بأمور تنم عن عنصرية تفكير قوة الاحتلال ليس اقلها ان الشعب قد تم تحريضه وان القيادة تتعمد دفع أطفالنا ليقلوا بالنيران الإسرائيلية.

لكم أن تتخيلوا إذن حجم المأساة التي يعيشها شعبنا ولكم أن تتخيلوا حجم الغضب والألم والإحباط التي يشعر بها. خصوصا أن كل ذلك يحدث بعد عدة سنوات من ابتلاع معاناتنا حرصا على استمرار عملية السلام وأملا بالوصول إلى واقع مختلف بدون مستعمرات وبدون قيود على التنقل والحركة وبظروف معيشية افضل، وصولا إلى الدولة الفلسطينية والتعايش بينها وبين إسرائيل. شعبنا يتساءل الآن: إذا كان هذا هو السلام، ما هو أذن الاحتلال وما هي أذن الحرب.

أن الأحداث المأساوية الأخيرة بدأت يوم 28 سبتمبر الماضي بالزيارة الملعونة التي قام بها أريل شارون ذو السجل المعروف إلى الحرم الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، في القدس الشرقية المحتلة، ثم ما تلى ذلك في اليوم التالي عندما اقتحمت قوات الاحتلال أل إسرائيلي الحرم وهاجمت المصليين الأبرياء. لقد رأى شعبنا كل ذلك كعدوان صارخ على مقدساته وكمقدمة لخطوات أخري تستهدف تقويض حقوقنا وربما إقامة حقائق أخرى غير شرعية في القدس الشرقية من قبل قوة الاحتلال. في مواجهة ذلك عبر شعبنا جميعه عن رفضه لذلك وعن رفضه للاحتلال وعلى أسراره على الدفاع عن مقدساتنا الإسلامية والمسيحية وعروبة القدس الشرقية وعن إصراره على إنجاز حقوقه الوطنية بما فيها بناء دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وفي مواجهة الاحتلال الفلسطيني قامت إسرائيل، قوة الاحتلال، مستخدمة آلتها الحربية الضخمة بشن حملة قمع دموية ضد شعبنا تخللها العديد من حالات القتل المتعمد بما في ذلك عدد كبير من الأطفال وأحداث جراح خطيرة ومعاناة كبرى لدى المدنيين، أيضا بشكل متعمد. ناهيك عن القول أن ذلك يشكل انتهاكات كبيرة وخطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949 وان بعض ما حدث يشكل جرائم حرب وفقا للاتفاقية.

بالإضافة لما سبق قامت إسرائيل أيضا بفرض قيود شديدة على حرية حركة الأفراد والبضائع و أغلقت المعابر الدولية ومطار غزة الدولي وفرضت باستخدام الدبابات والأسلحة الثقيلة الأخرى حصارا شديدا على المدن الفلسطينية وعلى العديد من القرى والمواقع الفلسطينية الأخرى.

لماذا كل هذه الوحشية والشراسة من قبل اسرائيل؟ نحن لم نتأكد بعد، إذ يصعب تصور أية سبب و مبرر لهذه الأعمال. ولكن من الجائز أن تكون القيادة الإسرائيلية قد اعتقدت أنها بهذا ستكسر الإرادة السياسية للشعب والقيادة الفلسطينية بهدف فرض تنازلات غير مقبولة في عملية السلام. من الجائز أن تكون القيادة السياسية الإسرائيلية قد استنتجت أن لا مستقبل لها ما لم تخلق واقعا جديدا في إسرائيل تحاول على أساسه إقامة حكومة موسعة. من الجائز أن بعض الضباط لاسبابهم الخاصة هم المسؤولين عن استخدام هذا القدر الهائل من القوة. كلها احتمالات بشعة ولا اعتقد أن هناك أي احتمال آخر يقل بشاعة.

السيد الرئيس

حرصت إسرائيل، قوة الاحتلال، في محاولة لحرف الأنظار عن حقيقة ما يجري بالتركيز على قيام بعض أفراد الشرطة ومسلحين آخرين بتبادل إطلاق النار مع قوات الاحتلال الإسرائيلية. في الواقع لم تطلق طلقة واحدة من قبل الجانب الفلسطيني على الأقل لمدة الأيام الثلاثة الأولى للحملة الدموية الإسرائيلية. وحتى بعد ذلك استخدمت بعض الأسلحة الفردية فقط بعد الصدمة الكبيرة التي سببتها الشراسة الاسرائيلية، وحتى حينها ولهذه اللحظة، وبالرغم من كل ما جرى لم تحدث اشتباكات شاملة آو حتى واسعة من قبل الشرطة الفلسطينية مع قوات الاحتلال الإسرائيلية. يجب أن نتذكر أيضا الوجود غير الشرعي للمستعمرين الإسرائيليين وان معظم هؤلاء المتطرفين مسلحون بأسلحة مقدمة من الجيش الإسرائيلي وهي تفوق القليل الموجود لدى الجانب الفلسطيني. لقد ارتكب هؤلاء المستعمرين الموجودين على أرضنا بشكل غير شرعي بشاعات كثيرة ضد شعبنا يجب إيقاف هؤلاء ويجب أن يتم محاسبتهم والاهم يجب إنهاء وجودهم الاستعماري ومغادرتهم الأرض الفلسطينية.

أريد الآن أن أتعاطى مع خطئين تم ارتكابهما من قبل المدنيون الفلسطينيين الغاضبين وكان يجب عدم حدوثهما بالرغم من كل شيء. الأول متعلق بقبر يوسف قرب مدينة نابلس وما تعرض له من تخريب. لقد عزلت إسرائيل هذا المكان خلال الأعوام الماضية إلى ثكنة عسكرية، وخلال الأيام التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي منه سقط ثمانية عشر قتيلاً فلسطينياً حول المكان وهو الأمر الذي يفسر رد الفعل الغاضب للسكان هناك. ومع ذلك فقد قمنا بوضوح بإدانة ما حدث وصدرت تعليمات فورية بإصلاح المكان وهو مات فعلاً. لقد حافظنا على هذا المكان سنوات طويلة قبل الاحتلال وبعده، ولا يوجد أية تغيير في موقفنا هذا. نحن نتوقع أن تقوم إسرائيل بنفس الشيء، مثلاً فيما يتعلق بالجامع التاريخي الذي تم حرقه من قبل إسرائيليون في مدينة طبريا.

الثاني متعلق بالجنديين أل إسرائيليين الذين تم قتلهما من قبل بعض الأفراد الذين اقتحموا قسم الشرطة في مدينة رام الله وبالرغم من محاولات الشرطة حماية الجنديين. لقد كان لدى هؤلاء الأفراد أسباب قوية للاعتقاد بأن الجنديين ينتميان لوحدة عسكرية خاصة تسمى المستعربين، وهي وحدة قامت في السابق بالتسلل إلى الأرض الفلسطينية وارتكاب العديد من الأعمال الوحشية ضد الفلسطينيين. يلي ذلك عمليات القتل الفوري ضد الأفراد. يصعب للغاية تصديق الرواية الإسرائيلية حول جنديين ضلا الطريق وصولا إلى قلب مدينة رام الله بالرغم من الوضع القائم والحواجز الإسرائيلية المحيطة. بالرغم من ذلك فقد أدنا بقوة قتل الجنديين واكثر من ذلك فقد صدرت التعليمات بالعثور على مرتكبي هذا العمل، لان هذا العمل غير قانوني ولا ينسجم مع قيمنا.

هذه المسائل أو حتى غيرها لا يمكن أن تغير من الطبيعية الثابتة لكل ما يحدث. وهي استخدام القوة بشكل مفرط وغير مبرر من قبل قوة الاحتلال وارتكاب قوات الاحتلال للكثير من الفظاعات ضد شعب بأكمله يعبر عن غضبه واستيائه من الاحتلال ويحاول الدفاع عن مقدساته.

السيد الرئيس

____ لابد من أن تتوقف عندها الجمعية العامة لأهمتها وخطورتها. وهي الشراسة التي استخدمتها قوات الشرطة الإسرائيلية ضد المتظاهرين من العرب الإسرائيليين في إسرائيل نفسها والتي نتج عنها خمسة عشر قتيلا ومئات الجرحى. لقد عبر هؤلاء عن غضبهم ورفضهم لما تقوم به قوة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس وعبروا عن تضامنهم مع اخوتهم هناك غير ان الحكومة الإسرائيلية واجهت هذا باستخدام القوة القاتلة وبطريقة لا تختلف كثيراً عن تصرفاتها كقوة احتلال. ان ما حدث يعيد إلى الذهن التساؤلات الكثيرة حول ما يسمى الديمقراطية الإسرائيلية، طبيعتها وما إذا كانت تنطبق على كل المواطنين.

السيد الرئيس

لقد قام مجلس الأمن الدولي بالتعاطي مع الأحداث الدموية في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس بجدية كبيرة. وقام عدد كبير من الدول الأعضاء من خلال مشاركتها في مداولات المجلس بإضفاء المزيد من الأهمية والجدية على أعمال المجلس. وقد استطاع المجلس بالفعل وبالرغم من الصعوبات التي واجهها وبعد عدة ايام، استطاع أن يعتمد قرار هاما للغاية هو القرار 1322 (2000) في السابع من أكتوبر الحالي. لابد لنا كذلك أن نشكر أعضاء المجلس الأعضاء في حركة عدم الانحياز واصدقائهم على تبنيهم للقرار وإصرارهم على ضرورة قيام المجلس بتحمل مسؤولياته.

وبالرغم من اعتماد القرار لم يتغير الوضع على الأرض ولم تلتزم إسرائيل قوة الاحتلال بأي من أحكام القرار. ثم جاء التصعيد الإسرائيلي الخطير بما في ذلك قصف بعض المواقع في رام الله وغزة الذي حدث في الثاني عشر من أكتوبر والي جاء مشابها لاعلان حالة الحرب ضد الشعب الفلسطيني. عندها ذهبنا للمجلس مرة أخرى ودعونا المجلس لاتخاذ قرارفوري لإيقاف التدهور ومنع انزلاق المنطقة برمتها إلى المواجهة الشاملة. للأسف لم ننجح في ذلك حيث قام أحد الأعضاء الدائمين بإعلان موقف داخل المجلس وخارج الأمم المتحدة بان هذا العضو سيمارس حق النقض الفيتو على أية مشروع قرار يتم التقدم به وبغض النظر عن المحتوى. معنى هذا بوضوح أن المجلس لن يتمكن من اتخاذ أي أجراء. عندها لم نجد نحن ولم تجد المجموعة العربية بدأ من طلب استئناف الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة وفقاً لصيغة الاتحاد من اجل السلام للنظر في هذا الوضع الخطير وفي "الأعمال الإسرائيلية غير الشرعية في القدس الشرقية المحتلة وفي باقي الأرض الفلسطينية المحتلة". بعد ذلك قام مكتب تنسيق حركة عدم الانحياز وبالإجماع بدعم الطلب العربي وهو الأمر الذي نقده بشكل كبير.

السيد الرئيس

الحدث الجديد هنا هو انعقاد قمة شرم الشيخ في السادس عشر والسابع عشر من هذا الشهر. نحن نقدر عاليا الجهود التي بذلت من اجل انعقاد هذه القمة ونعبر عن شكرنا للبلد المضيف، مصر الشقيقة ولكافة المشاركين غير الطرفين المعنيين. لقد مثلت القمة وقبلها اجتماعنا باريس، وشرم الشيخ التي قاطعتها إسرائيل، مثلت جميعها محاولات جادة لإنقاذ الوضع وربما لاحقا لإعادة الحياة إلى عملية السلام وهي محاولات تستحق منا جميعا الدعم والمساندة. غير اننا يجب ان نلاحظ في نفس الوقت انه لم يصدر عن القمة بيان ختامي موقع إضافة إلى وجود بعض الغموض في التفاهمات التي تم التوصل اليها. هناك أيضا القلق الدائم الناتج عن التجربة السابقة من عدم التزام إسرائيل بأي شيء يتم الاتفاق عليه.

يبقى من المهم أذن أن نرى ما الذي سوف يحدث على الأرض خاصة بالنسبة لسحب الدبابات والأسلحة الثقيلة ورفع الحصار عن الأرض الفلسطينية ومدنها والخطوات الأخرى باتجاه الوضع الى ما قبل الأزمة الحالية. لن يكون هناك من هو اكثر سعادة من الشعب الفلسطيني إذا توقفت هذه الأحداث الدامية وإذا ما تم إنهاء الاحتلال والتوصل إلى سلام شامل ودائم. من جانبنا سنبذل جهدنا لانجاح تفاهمات شرم الشيخ ولكننا نريد ان نرى ما الذي ستفعله إسرائيل. ونحن نعتقد أن العالم أيضا يريد أن يرى.. وسيبقى مراقبا للوضع عن كثب.

إننا سوف نراجع مشروع القرار الذي تقدمنا به اليكم بالتشاور مع الأطراف المهتمة على ضوء هذه التطورات وما سيحدث في الساعات القادمة ونأمل عندها ان نحصل كما هي العادة دائما على دعمكم وتأييدكم.

السيد الرئيس

نحن نرحب بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي عنان ممثلا عن المنظمة الدولية في أعمال شرم الشيخ ونرحب بكل الجهود التي بذلها خلال زيارته للمنطقة. ونحن نأمل أن يقود ذلك إلى مشاركة فاعلة للأمم المتحدة في آلية التحقيق في الأحداث التي جرت والتي دعا أليها القرار 1322 (2000) واتفق عليها الأطراف في شرم الشيخ. أننا نعتقد أن التشكيل السريع لهذه اللجنة والبدء الفوري في عملها سيكون له اثر فعال في إنهاء الوضع الذي نتج خلال الأسابيع الثلاث الماضية.. نحن أيضا نأمل أن يقوم الأمين العام باطلاع الجمعية العامة على نتائج زيارته وجهوده بعد وصوله إلى نيويورك مباشرة ونتطلع للاستماع أليه يوم الجمعة القادم.

السيد الرئيس

نحن نشكركم جميعا ونشكرك بشكل خاص، سيدي الرئيس، على انعقاد هذه الدورة الاستثنائية الطارئة العاشرة ونتطلع لدعمكم. نحن نتطلع أيضا إلى وضع افضل في بلدنا فلسطين وفي المنطقة بشكل عام. أن شعبنا يريد الحياة بدون احتلال، يريد الاستقلال، يريد بناء دولته ويريد عضوية الدولة في الأمم المتحدة.. تماما مثل غيره من شعوب العالم.

 

الفهرس

الصفحة الرئيسية