الموقع الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية
أحداث الشهر

 

خلال احتفال في جامعة بيرزيت احتفاء بتحرير جنوب لبنان

إذا كانوا يعتبرون الانسحاب نصرا فليتنصروا إذا في سائر الجبهات…

 

فيما يلي النص الكامل لكلمة الشاعر الكبير محمود درويش التي ألقاها في جامعة بيرزيت أمام المحتفلين بتحرير جنوب اللبناني

لا تحتاج البلاغة إلى أكثر من زيارة مصدرها الأول، لندرك كم أنهكتها جماليات الحزن على واقع أدى بها الإفراط في وصفه الواقعي إلى الإحباط من جهة. و أدى بها التأمل العميق في حركته إلى إحياء الأمل، من جهة ثانية. و منذ البدء لم يكن للقول من معنى إلا إذا كان حافزا للفعل.

هكذا يحتفل شعر الجنوب اللبناني، شقيق الشمال الفلسطيني، بانتصار الفعل على واقع الاحتلال، و بانتصار القول الشعري على اغتراب اللغة عن مجالها الحيوي، و بعودة الخيال إلى أصله، إلى الواقع… ليصير لبيت الشعر بيت من حجر. و من دون أن نسأل: "و ماذا عن اليوم التالي؟" يأخذنا هذا العيد النادر إلى أفاق مفتوحة على المعاني. إذ، لا أحد يندم على الحرية.

لم يفطن العرب إلى ما فيهم من عطش إلى الفرح كما يفطنون الآن. لقد اتخذ الأمل مكانة العورة التي تغطى بكثافة الحجاب و بسيولة الخطاب. لكن قطرة من أرض الندى كانت كافية لانفتاح الشهية العاطفية، و ربما الفكرية، على فرح جماعي وحد فينا وعي الهزيمة القابلة لأن تنكسر، و وعي المقاومة القادرة على أن تنتصر.

ربما لا يصلح المثال اللبناني لأن يحتذى بحذافيره، في كل مكان. و ربما لن تكون المقارنة بينه و بين ظرف آخر، شديد التعقيد، أكثر من وليمة لتعذيب الذات بلا سبب. بيد أن البديهية التي لا تبتذل بمرور الزمن، تعلمنا أن تحرر الإرادة شرط لتحرير الأرض. و أن في أعماق كل شعب طاقة روحية قادرة على ابتكار بلاغتها الوطنية التي تتلاءم مع الظرف الخاص و المحدد، لذلك نصفق للبنان.

نصفق للبنان الجميل. نصفق له بلا تورية أو تأويل. كنا نحبه، و نحبه اليوم أكثر. لا لأن ذكرياتنا تمشي، هناك، على غير هدى في الجنوب الذي اختلط دمنا بعشبه و ترابه، و لأن شهدائنا الذين قادنا دمهم إلى هنا، هم أزهارنا السماوية الباقية هناك… بل لأنه انتصر على خرافته؛ على ضعفه الفولكلوري المراوغ، انتصر على أسطورة الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يخضع للضغط. و لأنه أحيا في مرآة الاحتلال صورة سايغون المنهارة، التي فتحت تشوها في صورة الذات الإسرائيلية عن ذاتها.

و نحب اليوم لبنان أكثر، لأنه انتصر أيضا، و لو إلى حين، على ثقافة الهزيمة المتفشية في مواعظ النخب العربية التي حولت مفهومي الحرية و التضحية إلى مادة يومية للسخرية، و التي تتربص – منذ الآن – بتداعيات اليوم التالي المأمولة، عساها تعيد إليها إنتاج التبشير بعبثية الاعتراض على قدر إسرائيلي لا يرد!

كل ما في لبنان اليوم جميل: عودة أهل الجنوب إلى أرض الجنوب، فجر واسع بلا احتلال، مساء آمن على الشرفة. بلاغة العجائز في التشبه بالشجر العتيق. تحطم سجن الخيام أو الباستيل. تعميم النصر على جميع طوائف الشعب اللبناني و قواه السياسية، و على قصر بعبدا أيضا. الأرز المنثور على المحررين و على المحررين، و الأرز القادم من الشمال إلى الجنوب. تبادل الشتائم على جانبي الحدود الدولية. سخرية الأطفال ممن كانوا يروعونهم.

و كل ما في لبنان جميل: انتقال الهامش إلى المركز . تبلور الهوية بوعي جماعي أقوى من الفسيفساء. منحدرات الجبال و التلال، و الليل النهاري على قطيع الماعز الجريء، و العشب اليابس في طبيعة لم تكترث بالغزاة. و آثار الاحتلال أيضا جميلة حين تتحول مقتنيات للمتاحف: دبابات و آليات و غنائم حربية تشير إلى أن احتلالا ما كان هنا، و فر قبل الفجر، دون أن يجد الوقت الكافي لارتداء ملابسه الفولاذية. لكن الجنود الإسرائيليين فرحون هم أيضا. نعم، قد يفرح المرء بالهزيمة إذا كانت هي الطريق الوحيد إلى السلامة، و إلى اللحاق بما تبقى له من حياة. أما القادة الذين سموا احتلال جنوب لبنان انتصارا للأمن الإسرائيلي، فإنهم سموا الانسحاب انتصارا أيضا، لا لشيء إلا لمعالجة النرجس الجريح. و هكذا، حملوا صنيعتهم "جيش لبنان الجنوبي" المسؤولية عن الانهيار، فانخدشت كرامة "حلفاء الشيطان" و قالوا للشيطان: أنت الذي خان. فهل كان "فاوست" ركيكا إلى هذا الحد؟

تتكرر الأخطاء التاريخية لأن أحدا لا يتعلم إلا من تجربته. فهل يتعلم أكاديميو الاحتلال الإسرائيلي، ذوو الخبرة الطويلة في هذا المضمار، شيئا من تجربتهم التي دامت حوالي ربع قرن في جنوب لبنان؟ في مقدمة هذا الشيء البسيط أن الزمن، زمن الاحتلال، لا يضيع حق أحد في العودة إلى بلاده، و لا يصنع حقا مضادا يدعي أنه "الأقدم و الأحدث" معا، مهما نجحت الوقائع الجديدة في تعديل الجغرافيا و الديموغرفيا. و من هذا الشيء البسيط أن الاحتلال هو الأب الشرعي للمقاومة.

فهل توفر هذه التجربة فرصة لعودة المسؤول الإسرائيلي الهادئة إلى محاسبة الذات، التي أدمنت الخروج عن حدودها، و هل توصله إلى التساؤل عن مدى تحمله نفسه العليا المثقلة بالاستثناءات و الخصوصية، و التي لا تكف عن مطالبة الآخرين بالتطبيع مع حقها في الهيمنة و التعالي على التاريخ، دون أن تجد الوقت لإقامة علاقات طبيعية و عادية مع ذاتها، لأنها منهمكة في حشر الآخر في ما تحدده له من "آن، و هنا".

ليس هنالك نصر نهائي و لا هزيمة نهائية. فهذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب و الاحترام المتبادل، لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللا نهائية. المهم هو: ماذا يفعل المنتصر بالنصر، و ماذا يصنع المهزوم بالهزيمة. و لعل بعض الهزائم صالح لبلوغ البشر مرحلة النضج المعنوي و الأخلاقي. و لعل بعض الانتصارات أخطر على البعض من الهزيمة، لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء إلى صوت الزمن. لقد انتصرت إسرائيل على العرب أكثر من طاقتها على تحمل تبعات نصرها، إذ صار دماغها العسكري أكبر من جسدها، فأصبحت أسيرة لفائض قوة جشعة، دون أن تحسب أي حساب لقدرة المقاومة الشعبية على تحييد هذه القوة.

هذا ما فعلته الانتفاضة الفلسطينية أمس. و هذا ما فعلته المقاومة اللبنانية اليوم. لقد أرغمت الأولى إسرائيل على الاعتراف المتأخر بوجود الشعب الفلسطيني و على الانسحاب، أو إعادة الانتشار، عن جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة. و أرغمت الثانية لإسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان لأنها لم تعد قادرة على تحمل ثمن الاحتلال، لا لأنها انتبهت فجأة إلى قرارات مجلس الأمن. و هكذا، فإن الدولة التي لم تكف عن القول أن العرب لا يفهمون غير لغة القوة، هي الدولة نفسها التي يقول انسحابها إنها هي نفسها لم تفهم غير لغة القوة.

إن سؤال اليوم التالي عما سيفعل اللبنانيون بانتصارهم بعدما أنجزت المقاومة المسلحة برنامجها الوطني، و عن مدى انسجام برنامجها الاجتماعي مع متطلبات المرحلة اللبنانية القادمة، و عن تداعيات الانسحاب المحلية و الإقليمية، و غيره من الأسئلة الصعبة، لن يوقف عدوى الأمل الكبير الذي أيقظه لبنان الصغير في قارة عطشى إلى الحرية و الديموقراطية.

لقد استعادت ثقافة المقاومة، بمعناها الواسع، بعض أسلحتها الفكرية التي صادرتها برغماتية مبتذلة لا تميز بين التسوية و السلام، و لا توازن بين الدفاع عن الحقوق و بين إدراك الممكن!

و أما السؤال عما سيفعل الإسرائيليون بما أصابهم في جنوب لبنان، فإنه منوط بنوعية استخلاص العبرة. فإذا كانوا يعتبرون الانسحاب نصرا، فلينتصروا إذا في سائر الجبهات… فلينسحبوا من الضفة الغربية و من القدس العربية و من الجولان. فلينسحبوا منتصرين، أو فلينتصروا منسحبين، فلا مشكلة لنا مع التسمية. و ماذا لو انتصر الكائن البشري على حماقته؟ إنه بداية الرشد، و مقدمة واعدة بعقد السلام الطبيعي مع الذات. فقد آأن للعقل الإسرائيلي المدبر أن يتحرر من عقدة التفوق و من عقدة الخوف، اللتين تضعان السلام لنا بديلا للتحرر، و رموز الأشياء بديلا عن الأشياء، و الاحتلال العلني أو المبطن شرطا لقبول التسوية.

إن اختيار الفلسطينيين طريق السلام هو اختيار لا يمكن التراجع عنه، لأنه مرتبط بمصلحتنا الوطنية العليا، و مسلح بتقاليدنا النضالية الغنية بالتجارب. فليس السلام هبة من أحد، و لا هو عطلة نهاية الأسبوع. إنه معركة قاسية يقودها وعي مقاومة الاحتلال و التبعية، و وضوح الهدف الوطني في الاستقلال و السيادة.

فما دامت ثقافة المقاومة جزءا من نسيج المجتمع، فإن الانسحاب ممكن…

و ما دام الانسحاب ممكنا

فإن السلام ممكن،

أو لا تحتاج البلاغة إلى بليغ

المصدر: جريدة الأيام

الثلاثاء 30/5/2000