غسان الزوج:
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل
غسان وفرصته للقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية.
بدأ عمله في مجلة الحرية ثم أخذ بالاضافة الى ذلك يكتب مقالاً اسبوعيا
لجريدة "المحرر" البيروتية والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل إثنين.
لفت نشاطه ومقالاته الانظار اليه كصحفى ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية
الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين.
عام 1961 كان يعقد فى يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان
هناك وفد دانمركي. كان بين أعضاء الوفد الدانمركي فتاة كانت متخصصة في
تدريس الأطفال. قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولاول مرة سمعت عن القضية
الفلسطينية.
واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت فى الاطلاع عن كثب على المشكلة فشدت
رحالها الى البلاد العربية مرورا بدمشق ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم
لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار
واياها المخيمات وكانت هى شديدة التأثر بحماس غسان للقضية وكذلك بالظلم
الواقع على هذا الشعب. ولم تمض على ذلك عشرة أيام الا وكان غسان يطلب يدها
للزواج وقام بتعريفها علي عائلته كما قامت هي بالكتابة الى أهلها. وقد تم
زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلي فى 12/11/1966.
بعد ان تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية اذ كثيراً ما كان مرضه يسبب له
مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه.
عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل الى حى المزرعة ، ثم
الى مار تقلا أربع سنوات حين طلب منه المالك اخلاء شقته قام صهره بشراء
شقته الحالية وقدمها له بايجار معقول.
وفي بيروت اصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاماً
مبرحة تقعد المريض أياماً. ولكن كل ذلك لم يستطع يوماً أن يتحكم في نشاطه
أو قدرته على العمل فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون
كلل.
وبرغم كل انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الاخيرة الا أن حق بيته وأولاده
عليه كان مقدساً. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره
وكان يقضى أيام عطلته (اذا تسنى له ذلك يعمل فى حديقة منزله ويضفي عليها
وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته.
غسان القضية:
أدب غسان وانتاجه الادبي كان
متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو
تأثر به.
"عائد الى حيفا" وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم الى عكا وقد وعي
ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع ثم تركزت هذه الاحداث في مخيلته
فيما بعد من تواتر الرواية.
"أرض البرتقال الحزين" تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية.
"موت سرير رقم 12" استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض. "رجال في
الشمس" من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت واثر عودته الى دمشق في سيارة
قديمة عبر الصحراء ، كانت المعاناة ووصفها هى تلك الصورة الظاهرية للاحداث
أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين فى تلك الحقبة وتحول
قضيتهم الى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.
فى قصته "ما تبقي لكم" التي تعتبر مكملة "لرجال في الشمس" يكتشف البطل طريق
القضية ، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي.
قصص "أم سعد" وقصصه الاخري كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين. في فترة من
الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 36 في فلسطين فأخذ يجتمع الى ناس
المخيمات ويستمع الى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتى تلتها وقد
أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر (نشرت في مجلة شؤون فلسطين) أما القصة فلم
يكتب لها ان تكتمل بل اكتمل منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه " عن الرجال
والبنادق".
كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف فقد كانت في ذهنه في
الفترة الاخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لاحد العمال
وهو يكسر الصخر فى كاراج البناية التى يسكنها وكان ينوى تسميتها "الرجل
والصخر".
غسان الرائد:
تجب وضع دراسة مفصلة عن حياة
غسان الادبية والسياسية والصحفية ولكننا في هذه العجالة نكتفي بايراد أمثلة
عن ريادته بذكر بعض المواقف في حياته وعتها الذاكرة:
كان غسان أول من كتب عن حياة أبناء الخليج المتخلفة ووصف حياتهم وصفاً
دقيقا مذهلا وذلك في قصته "موت سرير رقم 12" ولا أستطيع أن اؤكد اذا كان
سواه قد كتب عن ذلك من بعده.
فى أوائل ثورة 58 بالعراق ايام حكم عبد الكريم قاسم زار غسان العراق ورأى
بحسه الصادق انحراف النظام فعاد وكتب عن ذلك بتوقيع "أبو العز" مهاجما
العراق فقامت قيامة الأنظمة المتحررة ضده الى أن ظهر لهم انحراف الحكم فعلا
فكانوا أول من هنأوه على ذلك مسجلين سبقه في كتاب خاص بذلك.
بعد أن استلم رئاسة تحرير جريدة "المحرر" اليومية استحدث صفحة للتعليقات
السياسية الجادة وكانت على ما أذكر الصفحة الخامسة وكان يحررها هو وآخرون.
ومنذ سنة تقريبا استحدثت احدى كبريات الصحف اليومية فى بيروت صفحة مماثلة
وكتب من كتب وأحدهم استاذ صحافة فى الجامعة الاميركية كتبوا في تقريظ هذه
الصفحة وساءنى أن يجهل حتى المختصون بالصحافة ان غسان قام بهذه التجربة منذ
سنوات .
لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم
وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية فى الفترات الاولى لتعريف العالم
العربي على شعر المقامة ، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان
وأصبحت محاضته عنهم ومن ثم كتابه عن "شعراء الارض المحتلة" مرجعا مقررا فى
عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين.
الدراسة الوحيدة الجادة عن الادب الصهيونى كانت لغسان ونشرتها مؤسسة
الأبحاث بعنوان "في الأدب الصهيوني". أشهر الصحافيين العرب يكتب الآن عن
حالة اللا سلم واللا حرب ولو عدنا قليلا الى الاشهر التى تلت حرب حزيران 67
وتابعنا تعليقات غسان السياسية فى تلك الفترة لوجدناه يتحدث عن حالة اللا
سلم واللا حرب اى قبل سنوات من الاكتشاف الاخير الذى تحدثت عنه الصحافة
العربية والاجنبية.
اننا نحتاج الى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التى كان يتمتع
بها غسان كنفاني. هل نتحدث عن صداقاته ونقول أنه لم يكن له عدو شخصى ولا في
أى وقت واي ظرف أم نتحدث عن تواضعه وهو الرائد الذى لم يكن يهمه سوى
الاخلاص لعمله وقضيته أم نتحدث عن تضحيته وعفة يده وهو الذى عرضت عليه
الالوف والملايين ورفضها بينما كان يستدين العشرة ليرات من زملائه. ماذا
نقول وقد خسرناه ونحن أشد ما نكون فى حاجة اليه ، الى ايمانه واخلاصه
واستمراره على مدى سنوات في الوقت الذى تساقط سواه كأوراق الخريف يأساً
وقنوطا وقصر نفس.
كان غسان شعباً في رجل ، كان قضية ، كان وطناً ، ولا يمكن أن نستعيده الا
إذا استعدنا الوطن.