في ذكرى نكبة فلسطين

نداء الى جماهير امتنا العربية

منذ أن استقر المشروع الاستعماري تجاه الوطن العربي، بعقد اتفاقية سايكس بيكو، وتضمين وعد بلفور المشؤوم ضمن صك الانتداب الاستعماري على فلسطين، ارتبط المشروع الصهيوني الاستيطاني بمشروع التجزئة الاستعماري لاقطار الوطن العربي، واصبح تحقيق واستمرار المشروع الصهيوني في فلسطين مهمة استعمارية لفرض التجزئة والتخلف والتبعية في الوطن العربي، وضرورة لحماية عمليات النهب الاستعماري لثروات هذا الوطن. فليست الغزوة الصهيونية خطرا على فلسطين وشعبها فقط، بل إن شعب فلسطين بمقاومته العنيدة عبر عقود طويلة لهذا المشروع الاستعماري إنما كان يدافع عن الأمة العربية، حيث وقع العبء الأكبر عليه في حمل مهام المشروع التحرري العربي.

لقد قاوم الشعب العربي الفلسطيني منذ عشرينات القرن الماضي، ولا زال يقاوم ويقدم التضحيات لاجل إفشال المشروع الاستعماري والاستيطاني، وقد اثبت هذا الشعب عبر مقاومته المتواصلة سواء في الوطن أو الشتات، انه شعب حي، لم تثنه كافة المجازر ومحاولات تصفية قضيته عن الاستمرار في طريقه، حيث لم تستطع الغزوة الاستعمارية الصهيونية فرض مخططها كاملا على ارض فلسطين، وان حققت في ذلك نجاحات أهمها بناء الدولة العبرية على أنقاض مدن وقرى فلسطينية بعد أن شردت اهلها، ودمرت بيوتها واستولت بالحديد والنار في معركة غير متكافئة على الأرض وخيراتها. لتصبح هذه الدولة الاستيطانية قاعدة متقدمة للاستعمار بمختلف أشكاله في المنطقة العربية وعصا تهدد الأمن القومي العربي من أقصى شرقه إلى أقصى غربه.

إن ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، إذ تأتي هذا العام في ظل ظروف حاسمة، يتصاعد فيها نضال وعطاء الشعب الفلسطيني في حالة انتفاضية مقاومة بمختلف أشكال النضال، تؤكد أن المشروع الصهيوني قد فشل ايما فشل في مسح الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وحقائق الحياة والتاريخ ومنها حقيقة الفاشية الصهيونية، ولعل اكبر دليل على ذلك هو عدم قدرة آلة الدولة العبرية العاتية على محو هذه الذاكرة حتى بين صفوف جزء من شعبنا عاش في الجليل والمثلث والنقب اكثر من خمسة عقود تحت عسف آلتها ولم تنجح في إلغاء ذاته القومية.

ولم يكن شعبنا الفلسطيني وحيدا في خوضه للمعركة مع هذا المشروع، بل لقد قاتل معه شرفاء الأمة العربية من أقطار الوطن العربي المختلفة الذين لا زالت شواهد قبورهم قائمة في أرض فلسطين وعلى تخومها، ، وقد أكدت هذه المشاركة العربية على وعي قومي بخطورة الغزوة الصهيونية على الامة، ودفعها هذا الوعي الى مقاومتها، على أساس أن وجود هذا الكيان الغريب في قلب الأمة سيبقى العامل الأول في منع أي تشكيل وحدوي، ومنع أي محاولة لاختراق طوق التبعية والتخلف نحو آفاق التقدم والكرامة القومية.

يا جماهير امتنا العظيمة

إن شعب فلسطين الآن ودون أية أوهام تساوره عن أية تسوية، يخوض مقاومة وصراعاً وجودياً مع الكيان الصهيوني الذي انكشف تحت وطأتها في نزوعه الدموي ليس على صعيد النخبة الحاكمة، بل على صعيد المجتمع المستوطن بأكمله بكل ما تمثله العنصرية والفاشية من بشاعة ودموية، فيما يطلق حاخاماتهم فتاوى وتصريحات يخجل منها هتلر، وقد استطاعت انتفاضة شعبنا بعث الروح في الحركة الشعبية العربية، حيث هبت الجماهير العربية لدعمها، معبرة عن مخزون وطني قادر في حالة تفعيله وتنظيمه على وضع المشروع الإمبريالي لمنطقتنا العربية في مأزق يفرض عليه الاعتراف بالحقوق العربية وفي مقدمتها الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

إن شعبنا وهو يواصل كفاحه يراهن على حركة الجماهير العربية، ويتطلع إلى دور اكبر لها في الضغط على النظام العربي الرسمي، ودفعه نحو مواقف اكثر جدية تجاه قضايا الأمة، بدايتها الخروج من حالة الارتهان للسياسة الأمريكية.

يا أبناء امتنا العربية:

إن الجماهير العربية التي قاومت الاستعمار وأحلافه وأتباعه، عبر تحركها الواسع والشامل تستطيع اليوم أن تفشل المشروع الأمريكي – الصهيوني الساعي لإخضاع الوطن العربي وتصفية قضيته المركزية، وحماية الأمة من عملية سلب إرادتها وثرواتها، إنها قادرة بحركة واسعة ومنظمة على إلغاء الاتفاقات والمعاهدات التي عقدها بعض العرب مع الكيان الصهيوني وهي قادرة على تبديد كل الأوهام حول سلام مزعوم مع قاتلي الأطفال وقاطعي الشجر وممتهني الكرامة الإنسانية، الذين لا زالوا مشبعين بالنظرة الاستعلائية العنصرية تجاه كل بني البشر سواهم.

إنكم مطالبون بالعمل على بعث الروح في الخيار العسكري العربي في مواجهة العدو الصهيوني، ومطالبون بالضغط على حكوماتكم لمنع شارون وحكومته من الاتكاء على علاقات مع بعض الدول العربية، لتحويلها من شريك عربي في الصراع إلى وسيط، وإنكم قادرون على الضغط لمقاطعة كافة أشكال التطبيع، وعلى مراقبة وفضح هذه الأشكال سواء كانت رسمية او من قبل ثلة اختارت مصالحها الضيقة على المصلحة القومية العامة.

إن خيار شعبنا العربي في فلسطين هو خيار المقاومة، وبرغم كل محاولات ثني هذا الفعل المقاوم إلا انه أمام استمرار الانتفاضة تفشل كل محاولات تمرير مخلفات أوسلو وتجديدها، وترتفع الأصوات التي تؤكد على اعتبار الشرعية الدولية ومؤسستها الأمم المتحدة مرجعية لأية تسوية سياسية وما عداها ودونها لن يكتب له النجاح فقد جرب شعبنا خلال تسع سنوات عقم المراهنة على حلول انتقالية استطاع فيها الكيان الصهيوني أن يفرض حقائق على الأرض، تكسبه الزمن لصالح تنفيذ برنامجه على الأرض الفلسطينية وتسويق سياسة سلام مزعوم إقليمياً ودولياً.

إننا في ذكرى نكبة فلسطين ندعو الأحزاب والحركات الوطنية والديمقراطية والإسلامية في أقطار الوطن العربي الى تحمل مسؤولياتها في هذه الفترة العصيبة والارتقاء الى مستوى المزاج الجماهيري وتنظيم جهده ليصبح عامل ضغط وإقلاق لكل المراهنين على سبات الحركة الجماهيرية العربية، كما ندعو كافة المنظمات الشعبية والاتحادات النقابية لاستنهاض دورها، والوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني دفاعا عن الأمة وحفاظا على كرامتها القومية، وتراثها، فشعب فلسطين لا يقف اليوم مدافعا عن نفسه فحسب بل انه يجسد حالة دفاع متقدمة عن الأمة العربية في سعيها للخلاص من ربقة التبعية والتجزئة والتخلف، كما ندعوها إلى شن أوسع حملة على مستوى العالم لتشكيل "هيئة أمم شعبية" تقف في مواجهة الاحتكار الأمريكي لهيئة الأمم الرسمية لملاحقة ومحاكمة مجرمي الحرب الحقيقيين من صهاينة وإمبرياليين ينتهجون التطهير العرقي ودوس حقوق وكرامة الشعوب تحقيقاً لمصالح احتكاراتهم والهيمنة على السياسة الكونية.

فلتكن ذكرى نكبة فلسطين حافزا لتخطي حالة العجز، ولتكن انتفاضة شعب فلسطين دافعا لفعل جاد لمواجهة الأخطار المحدقة بالأمة.

عاشت فلسطين حرة عربية

المجد للشهداء

ومعا على طريق التحرر والكرامة

أبو علي مصطفى
الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
فلسطين
أيار - 2001


[الصفحة السابقة]