كلمة الدكتور جورج حبش، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

الموجهة لجماهير شعبنا الفلسطيني
بمناسبة الذكرى 34 للانطلاقة وبمناسبة ذكرى الانتفاضة

 

يا أبناء شعبنا الصامد ...

أستهل كلمتي هذه بمناسبة ذكرى انطلاقة الجبهة وبمناسبة الانتفاضة وانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، اسمحوا لي بأن أقول أن أي حديث، مهما ارتفع شأنه، لا يمكن أن يفي ويصل إلى مستوى حدث عظيم، يصنعه شعبنا عبر الانتفاضة والمقاومة، حدث من نوع جديد يتمثل في صناعة الحرية والاستقلال، استكمالاً وتواصلاً للعملية التاريخية، من الثورات والانتفاضات المعاصرة، حتى بلوغ الهدف المنشود في التحرر الوطني والإنساني وتحقيق الوحدة العربية.

اسمحوا لي بداية أن أتقدم بأخلص التقدير إلى عائلات شهداء الانتفاضة، ولكل من ضحى على مذبحها، وتحية إلى شهداء الهبة الجماهيرية في مناطق الـ 48 المشاركة منذ اشتعال انتفاضة الأقصى، انتفاضة عشاق حرية واستقلال. وهل هناك هدفاً أسمى وأرفع منزلة من هذا الرمز الإنساني المتمثل في التحرر من العبودية والاحتلال الاستعماري والظلامية الصهيونية؟.

 وبهذه المناسبة أود أن أوجه التحية إلى الأسرى والمعتقلين المناضلين في السجون والزنازين الإسرائيلية. وهؤلاء يحلمون أيضاً بفضاء الحرية. والأسير ينتظر كذلك من يفك قيوده ليصبح طليقاً. كما أود أن أوجه التحية إلى كل طفل فلسطيني يعيش المعاناة اليومية تحت الاحتلال، أطفالنا الذين غادروا طفولتهم في خضم المواجهة مع إرهاب الاحتلال الصهيوني، وفي طريقهم إلى المدارس، وأطفال اللجوء في مخيمات الشتات، الذين يحلمون بوطن حر وبغدٍ مشرق. ولا أنسى في هذه المناسبة أن أقف منحنياً أمام أمهات الشهداء، وأمام كل امرأة فلسطينية مناضلة، فالمعاناة جسيمة، لكن ما يقوي الأمل فينا أن المرأة الفلسطينية أثبتت دائماً أنها الأكثر تحملاً وعطاءاً في هذه المسيرة النضالية. اسمحوا لي أن أوجه التحية لكم جميعاً، أبناء شعبي الصامد المناضل، يا من تبذلون الغالي والنفيس في سبيل الوطن فلسطين.

في ذكرى الانطلاقة، نودع عاماً آخر من المعاناة، ونستقبل عاماً جديداً بروح التحدي والإصرار والإرادة. نتذكر الماضي، ونخوض معركة الحاضر، ونفكر ونخطط لآفاق المستقبل، مستقبل فلسطين وأمتنا العربية. نتذكر الشهداء، الفارس القائد أبو علي مصطفى، الأديب الشهيد غسان كنفاني، الشهيد وديع حداد وجيفارا غزة وأبو أمل وباسل الكبيسي. نتذكر شهداء فلسطين عبر مسيرة الثورة والانتفاضة، نتذكر الشهيد القائد أبو جهاد الوزير، الشهيد عمر قاسم، الشهيد القائد فتحي الشقاقي، والشهيد أبو هنود وكل شهداء فلسطين. نتذكر الشهداء الأطفال الذين قضوا قبل أيام وهم في طريقهم إلى المدرسة. نتذكر شهداء الأمة العربية الذين قضوا على درب فلسطين. وشهداء حركات التحرر العالمية الذين حلموا وعملوا من أجل المستقبل الأفضل والغد المشرق.

يا أبناء شعبنا المناضل،

من المهم جداً في هذه المرحلة الدقيقة أن نحدد المهام، وأن نحدد كيفية مواجهة كل الأخطار التي تتهدد الانتفاضة، أو تسعى للانتقاص من الحقوق العادلة والتاريخية للشعب الفلسطيني، وكذلك مواجهة الهجمة الصهيونية الشارونية الإرهابية الشرسة.فلسطينياً، علينا التأكيد دائماً بأن توحيد الرؤية السياسية يكون على أسس الوحدة الوطنية السليمة. وهنا من المفيد تحديد المطلوب في الوحدة الوطنية السياسية الحقيقية، التي تجمع على الأسس والثوابت الوطنية. وحدة تعني الديمقراطية الداخلية، تعني المشاركة في صنع القرار السياسي وتطبيقه. فالتحديد والوضوح في هذه المسألة المفتاحية هو الضمان والتقريب من الثوابت. فالانتفاضة رسمت آفاقاً واضحة للأهداف الفلسطينية، وحماية الانتفاضة هي حماية للأهداف والحقوق المشروعة، ورفضاً للرؤية الأمريكية للحل بعين إسرائيلية.

يهمني هنا أيضاً التأكيد أن هدف الدولة الفلسطينية يقترن ببشر أحرار، وتفترض السيادة الوطنية الكاملة غير المنقوصة، السيادة الفعلية غير المرتبطة أو المعنية بأمن دولة الاحتلال. فالمحددات والشروط الخارجية تسعى لشطب الحقوق العادلة وليس لتطبيق قرارات الشرعية الدولية. ومن الضروري هنا التأكيد على مطلب تطبيق قرارات الشرعية الدولية بشأن الحل، وتوفير الحماية الدولية لشعبنا وأن ينتقل ملف القضية من خانة الاستفراد الأمريكي إلى المشاركة الدولية الفعالة، أي عقد مؤتمر دولي يفرض على الاحتلال الانسحاب الفوري وتفكيك المستوطنات وإزالتها دون قيد أو شرط.

إن ظاهرة تبعث على الأمل كالانتفاضة البطلة، جوهرها شعب ينهض على بكرة أبيه، تفضي إلى فكرة تقول أن فلسطين يعاد صياغتها من جديد وفق الكيفية التي يريدها شعب الانتفاضة. فالمقاومة والكفاح ضد الاحتلال هو بمثابة التعبير الصادق للوجود الفلسطيني على أرضه.

ونجد أن أكثر حالة رسختها الانتفاضة هي حالة اختبار الزمن، فالمراهنة الخاسرة على طاولة المفاوضات بعد سبعة أعوام من اتفاقات الذل والعار في أوسلو، لم تصل إلى الحل المطلوب. والانتفاضة أجابت على سؤال جوهري: الاستقلال والسيادة الوطنية الكاملة غير المنقوصة.

والمهمة الثانية تتمثل في الحفاظ على جميع المكاسب التي تحققت بفعل الانتفاضة والمقاومة المشروعة، ضمن الرؤية الاستراتيجية التي تكمن في حماية الانتفاضة واستمرارها وتطويرها وتقويتها بمنظومة عمل دفاعية، بعيداً عن ربطها بأية إملاءات واشتراطات أمريكية إسرائيلية. فما زالت الهيمنة الأمريكية الكونية تفرض تصورها للحل. ويهمني أن أؤكد هنا، إنه بالإضافة إلى التحديات الجديدة، هناك خطر حقيقي يتمثل بمطالبة البعض وقف الانتفاضة، وبالتنازلات الممكن تقديمها، ومحاولات الالتفاف الأمريكي الإسرائيلي على الانتفاضة. والهدف الأهم الذي ينبغي التمسك به في المرحلة القادمة هو موضوع حق العودة، عودة اللاجئين إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم التي هجروا منها، والتمسك بمطلب تفكيك المستوطنات وإزالتها وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

وما يسمى الآن بالمبادرة الأمريكية، التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي ما هي إلا لذر الرماد في العيون، ويلفها الغموض. إذ لا يوجد رؤية جديدة في المبادرة سوى تكريس لسياسة الهيمنة الأمريكية والتفرد في الحل. ثم نأتي إلى صياغة السؤال مجدداً: إلى أين نسير؟ أين المسار؟ فالمطلوب في المرحلة القادمة مواجهة التحديات الخارجية وتخليص الخطاب السياسي الفلسطيني من الغموض والمراوحة عبر مشاركة شعبية فاعلة في القرار، وتطهير مؤسسات السلطة من الفساد، ومشاركة كل القوى الفلسطينية وتمثيلها السياسي داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا يتطلب أن يكون المجتمع الفلسطيني أكثر تماسكاً وأصلب وحدة، واعياً للمتغيرات وساعياً للارتقاء بالانتفاضة وتطويرها.

المهمة الثالثة تأتي عبر الدعم والتنسيق مع نضالات شعبنا الفلسطيني في مناطق الـ 48، الجليل والمثلث والنقب وقواه السياسية الديمقراطية، تأكيداً على خوض معركة الهوية الفلسطينية العربية لشعبنا واستمراراً في مقاومة العنصرية الإسرائيلية ومحاولات التذويب والأسرلة.

عربياً، وهنا تبرز أهمية التأكيد مجدداً على ضرورة حشد الطاقات وإعادة إحياء التضامن الجماهيري العربي، والذي يشكل عمقاً وسنداً للانتفاضة. ونقول بصراحة أن ثمة تراجعاً واضحاً على هذا الصعيد. وهذا يتطلب من القوى والأحزاب العربية أن تخرج من تقوقعها، فالتحرك الشعبي العربي يشكل ضغطاً على النظام الرسمي العربي لتصليب خطابه ولدفعه لتحمل مسؤولياته الكاملة في هذه المرحلة الصعبة. وعملية الاستنهاض العربي للوقوف بوجه الهجمة الصهيونية الأمريكية على الانتفاضة أحد أهم شروط انتصارها.

دولياً، من المهم التأكيد على أننا نؤيد الظاهرة العالمية المتزايدة، والتي تتجلى في تزايد تحركات مناهضة العولمة والمؤتمرات التي تنعقد لهذه الغاية. وهذه التحركات ما هي إلا دعم للمطالب العادلة للشعوب، خصوصاً تلك التي ما زالت تعاني من الاستعمار والهيمنة. والشعب الفلسطيني معني، أكثر من أي وقت مضى، بالانخراط في ظاهرة معاداة العولمة التي تقودها الإمبريالية الأمريكية المنحازة دوماً لإسرائيل. وهنا تبرز أهمية المبادرة في التنسيق مع القوى العالمية المتضامنة مع النضال الفلسطيني، وخصوصاً المنظمات غير الحكومية الإنسانية والحقوقية، والعمل من أجل خلق مناخ دولي يتفهم أكثر مطالب الشعب الفلسطيني.

إن حرية الشعب الفلسطيني واستقلاله تعني نهاية الاحتلال. فالمطلوب الآن مواصلة الانتفاضة والمقاومة المشروعة حتى الظفر بالحرية والاستقلال وطرد الاحتلال ووضع حد للإرهاب الإسرائيلي. ولنواصل المعركة متحدين من أجل فلسطين الوطن والشعب.

ودمتم للثورة والانتفاضة والحرية والاستقلال

 

رفيقكم د. جورج حبش
مؤسس حركة القوميين العرب
والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
11/12/2001


[الصفحة السابقة]