كلمة الدكتور جورج حبش
مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشهيد القائد الرمز أبو علي مصطفى

أيتها الأخوات... أيها الأخوة...
أيتها الرفيقات... أيها الرفاق...
نلتقي اليوم في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشهيد القائد أبو علي مصطفى، لا لنبكيه أو نُأبِّنه، بل لنجدد العهد على مواصلة المقاومة والمضيّ بطريق الكفاح، الذي سار على دربه الشهداء، وقدموا أرواحهم الغالية على مذبح الحرية والاستقلال.

نلتقي اليوم لنتذكر الشهيد أبو علي، نتذكر قوافل الشهداء الذي قضوا في خضم المعركة والصراع... نتذكر الشهداء القائد وديع حداد وغسان كنفاني وأبو جهاد الوزير، نتذكر الشهداء القادة صلاح شحادة وفتحي الشقاقي وباسل الكبيسي وجيفارا غزة وأبو أمل وربحي حداد، وكل شهداء الصمود في مخيم جنين ونابلس وغزة وبيت لحم، وشهداء الهبة الجماهيرية في المناطق المحتلة عام 48، وكل شهداء الانتفاضة الباسلة والمقاومة، نتذكر شهداء الأمة العربية الذي قاتلوا من أجل تحرير فلسطين.

في ذكرى الشهيد أبو على، لم يغب عن ناظرينا ذلك المشهد القاسي حين استهدفته طائرات الأباتشي الأمريكية ـ في مكتبه برام الله. لم يغب عن ناظرينا الطريقة الصهيونية البشعة التي ابتكرها فاشيون متعطشون للدماء ، مُجرمون تدربوا عقود طويلة على أساليب الإرهاب المختلفة، منذ تشكيل عصابات الهاغاناه وشتيرن وغيرها من المنظمات الصهيونية الإرهابية التي نبتت كالفطر في بلادنا، بدعم بريطاني وأوروبي غربي استعماري.

لم يغب عن ناظرينا ذلك المشهد المروع، ولم تفارقنا المرارات التي غصت بها قلوبنا على فقدانه، وفقدان العشرات، بل المئات من قادة وكوادر وقواعد الثورة الفلسطينية. ولكن عزاؤنا أن المسيرة النضالية لم تتوقف، بل تواصلت رغم كل الهجمات الوحشية الصهيونية، التي استخدم خلالها الجيش الإسرائيلي كل أنواع الأسلحة، بما فيها المحرمة دولياً.

غيّر أن الشعب الفلسطيني أكد بصموده وبسالته، وباستمرار كفاحه ونضاله ضد المحتلين الإسرائيليين، أن الإرهاب والقمع وكل أشكال الحصار والتجويع والتدمير، لن يثنيه عن إصراره على المضيّ قدماً، في الطريق الطويل والشاق، لتحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال.

أجل إننا أمام ذكرى أليمة وحزينة، ولكننا بالمقابل أمام ذكرى رجل، كرّس جلّ حياته للنضال من أجل شعبه، من أجل وطنه وقضيته، من أجل الفقراء والمحرومين، ومن أجل الحق والعدالة والكرامة الوطنية.إننا أمام رجل كرس جُلَ حياته ، لوضع القيم والمُثل السياسية والفكرية والأخلاقية والإنسانية موضع التنفيذ ... أننا أمام رجل قدم الكثير عبر مشواره النضالي الطويل، ما يجعلنا ندعو إلى استخلاص الكثير من الدروس والعبر الهامة والجليلة والغنية بمعاني الفداء والتضحية... واولها معاني الشهادة، ومعاني تقدم الصفوف فـي المواجهة بكل أشكالها وأساليبها ، وأمام ما كان يمثله الشهيد أبو علي مصطفى للشعب الفلسطيني الذي اختاره الزمن الفلسطيني المنتفض، لأن يكون في قلب المعركة والصراع ويستشهد على أرض فلسطين، بعد أن عاش طويلاً في المنفى. إننا أمام مناضل كبير افتقده شعبنا الفلسطيني وهو بأمس الحاجة إلى مثل هؤلاء الرجال الصادقين. وأبو علي الفلسطيني القومي العربي الأممي بدأ مسيرته محارباً من أجل تحرير وطنه من الاحتلال الصهيوني واستشهد محارباً على أرض الوطن.

إنني أذكر البدايات... بدايات العمل من أجل تأسيس الكفاح المسلح الفلسطيني، للشروع بمواجهة طويلة النفس مع العدو الصهيوني... وأذكر كم كان هذا الرجل القائد مفعماً بالهمة والنشاط، يسابق الزمن، ويسعى لتأسيس القواعد وتأمين المستلزمات الضرورية لتأمين انطلاقة سليمة، قادرة على الاستمرار وعلى تطوير فعالياتها الكفاحية.

أذكر الكثير من المحطات التي ثابر من خلالها على العمل المتواصل والمكثف، وخصوصاً بعد هزيمة حزيران 1967... أذكر الفترة التي أمضاها في الضفة المحتلة، والجهود التي بذلها لإعادة ترتيب الخلايا التنظيمية المسلحة، للبدء بمقاومة الاحتلال والمحتلين. أذكر أشياء كثيرة يجب أن تقال، يجب أن تُسجل وتًستخلص دروسها، وسيأتي وقتها قريباً، لتخلد ذكرى هذا القائد الوطني القومي البارز، ولتكون زاداً للأجيال الجديدة التي تواصل الكفاح.

لقد واجه رفيقنا الشهيد القائد أبو علي مصطفى في مسيرته النضالية الصعوبات وتجاوزها، وعاش ظروف الاعتقال والسجن والقهر، وعاش المراحل المختلفة لظروف العمل الوطني، وكان شاهداً عليها، وهو يرافق مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة بكل مراحل صعودها وانحسارها. عاش ظروف الحصار أكثر من مرة، ولم يتعب يوماً، بل كان قوي الإرادة، مؤمناً بعدالة القضية وانتصارها مهما بلغت التحديات والصعاب. كان مطمئناً لفعل وقدرة المقاومة، واستشهد وهو مطمئناً إلى استمرارها.

ولا يفوتني أن أشير بهذه المناسبة إلى الشهيد القائد كواحد من أبرز قيادات الثورة الفلسطينية التي امتلكت رؤية سياسية نافذة، عميقة واضحة تتميز بطابعها الشمولي العلمي، وكواحد من أبرز القيادات التي أعطت اهتماماً جدياً لتنمية قدراتها وامكاناتها الفكرية والتنظيمية، وعملت على تطوير أساليب العمل وأشكال النضال المختلفة. كما لا يفوتني الإشارة إلى مثابرته الدائمة في سبيل ابتكار آليات العمل المتجددة لمواجهة الصعوبات والتعقيدات والمعارك التي واجهت الثورة في مسيرتها الطويلة والصعبة. وفي كل مراحل صعودها أو انحسارها.

كانت علاقتنا وثيقة تقوم على أساس الإحساس العميق بالهموم الوطنية والقومية ، بالهم الجمعي، هموم الشعب الفلسطيني بأكمله في الداخل والخارج في الوطن والشتات ، في المدن والقرى والمخيمات. كانت علاقة حميمة تنضج مع كل حوار، وكان إلى جانبي مؤسساً في الحركة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

كان إلى جانبي بفعله البطولي، الخالد بإرثه وتراثه الوطني الثوري الذي تركه لفلسطين ولشعبه. وإذا كان المقام لا يتسع للحديث عن صاحب الإرث الكفاحي بشمولية، فإن هذه مهمة متروكة للدراسات التي ستصدر ، وللسيرة التي كتبها ويكتبها الشعب الفلسطيني بالدم والتضحيات. فقد كان أبو علي مدافعاً أميناً عن قضايا شعبه، وفي مقدمتها قضية حق العودة، عودة خمسة ملايين لاجئ فلسطيني إلى وطنهم وديارهم التي شردوا منها. لا يسمح لأحد أن يجعل من هذا الحق موضع مساومة وتنازل ، إنه الرجل المحارب من أجل الحق والحقوق الفلسطينية، إنه القائد الذي تحدى وكان وفياً لقضيته الفلسطينية ولشعبه المنتفض المقاوم.

أيها الأخوة والأخوات...
اسمحوا لي بهذه المناسبة أن أتوقف سريعاً أمام بعض الموضوعات الراهنة التي لا بد من جلائها وتحديد المواقف بشأنها. فقضيتنا تمر بظروف صعبة، وشعبنا يعاني كثيراً من كل أشكال القهر والقمع والقتل والتدمير... فالهجمة لم تتوقف، بل هي متصاعدة، وتتخذ كل يوم أشكالاً جديدة. والهدف هو اخضاع شعبنا وفرض الاستسلام عليه. ليس هذا فحسب، بل إن الأمة العربية بمجموعها تتعرض لهجمة كبيرة وواسعة ومتعددة الأهداف. والمخططات الأمريكية - الصهيونية، تسعى لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة بما يحقق لها أحكام سيطرتها وهيمنتها الكاملة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

ففيما تتواصل الهجمات الصهيونية على شعبنا بدعم أمريكي سياسي وعسكري، تتواصل عمليات التحضير للحرب على العراق الشقيق، لتوجيه ضربة عسكرية قوية، تُهيئ الظروف لشرق أوسط جديد، خالي من أي تهديد للمصالح الأمريكية والصهيوينة.

في هذه الظروف الصعبة والمعقدة والخطيرة جداً يحاول العدو الصهيوني الأمريكي أن يقطف ثمار هجماته الوحشية المتواصلة. يحاول أن يُملي إرادته ويفرض شروطه على الشعب الفلسطيني. ودعوني أقول بوضوح شديد أن الاتفاقات الأمنية التي تفاوض حولها ممثلوا السلطة والحكومة الصهيونية وأسفرت عن تفاهمات أمنية سُميت باتفاق غزة - بيت لحم أولاً، هي أول الغيث في مسلسل التنازلات والانحدار.

إن خطورة هذا الاتفاق تكمن في الأهداف القريبة والبعيدة التي تسعى حكومة مجرمي الحرب الصهاينة لتحقيقها على الساحة الفلسطينية، ويأتي في مقدمتها إشعال فتيل الصراع الفلسطيني الفلسطيني، من خلال تكليف الأجهزة الأمنية الفلسطينية ببذل جهـودها لوقف الانتفاضة والمقاومة الوطنية ضد الاحتلال الصهيوني العنصري. أن الظروف الصعبة الخطيرة التي تحيط بشعبنا جراء تمادي الاعتداءات الصهيونية، لا تبرر بأي حال من الأحوال الاستجابة للضغوط الأمريكية الصهيونية، وتقديم المزيد من التنازلات التي تلحق أشد الأضرار بنضال الشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة الاحتلال الصهيوني لإجباره على الانسحاب والاعتراف بالحقوق المشروعة والثابتة والتاريخية للشعب الفلسطيني. ان من حقنا أن نناضل لإفشال هذه الاتفاقات، ولمحاصرة كل الجهود التي تُبذل لوقف الانتفاضة والمقاومة . ومن حقنا أيضاً أن نرفض كل الإصلاحات التي يحاول العدو الأمريكي ـ الإسرائيلي فرضها على السلطة ، بما يخدم أهدافه ومخططاته . وبذات الوقت من حقنا بل من واجبنا، أن نواصل بذل أقصى الجهود الممكنة ، لإجراء الإصلاحات الداخلية الضرورية ، على أساس ديمقراطي وحر ونزيهة ، بما يخدم توجهاتنا النضالية ويحقق أهداف شعبنا وبرنامجه الكفاحي .

تبقـى الإشارة أيها الأخوة والأخـوات ، أيها الرفـاق والرفيقات ، إلـى التحضيرات والاستعدادات الأمريكية ـ الإسرائيلية ، الجارية على قدم وساق ، لتوجيه ضربه عسكرية للعراق الشقيق . واسمحوا لي من على هذا المنبر أن أدعو الجماهير العربية وقواها وأحزابها الوطنية للوقوف إلى جانب العراق، والضغط على الأنظمة العربية لتطوير مواقفها لمواجهة الصلف الأمريكي والمخططات التي تستهدف فرض سيطرتها وهيمنتها على المنطقة العربية برمتها وتقسيمها وتفتيتها إلى كيانات. كما أننا اليوم أمام وضع بالغ الخطورة وهذا يستوجب التهيؤ للنهوض بالأعباء والمهام الجسيمة الملقاة على عاتق القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية في طول البلاد وعرضها. في فلسطين والعراق وفي كل الأقطار العربية الشقيقة، للوقوف صفاً واحداً، لإلحاق الهزيمة بالمخططات الأمريكية والصهيونية.

إننا أمام مهمة أساسية في الداخل تستدعي الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعزيز الصفوف ورصها بمواجهة إصرار العدو الصهيوني على إركاع شعبنا وإخضاعه عبر كل أشكال الحصار والتطويق والتجويع وكل أعمال القتل والذبح للمواطنين الفلسطينيين من جنين شمالاً إلى رفح جنوباً.
لكن علينا أن نؤكد دوماً، على ضرورة استمرار النضال من أجل أن تكون الوحدة قائمة على أساس وضوح الرؤية السياسية وعلى أساس استمرار الانتفاضة والمقاومة المسلحة التي كفلتها كل الشرائع السماوية والقوانين والأعراف الدولية.

إننا نرفض كل الحلول والمساومات الأمنية، نرفض كل الضغوط السياسية من أي جهة أتت، ونصر على استعادة زمام المبادرة، ومواصلة الكفاح حتى انسحاب العدو وتطبيق قرارات الشرعية الدولية التي كفلت حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.

في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد القائد أبو علي مصطفى لا يسعنا إلا أن نجدد العهد بمواصلة المسيرة الكفاحية، والمضيّ قدماً في خيار المقاومة حتى تحقيق الحرية والاستقلال.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
والنصر للانتفاضة والمقاومة

د. جورج حبش
مؤسس حركة القوميين العرب
مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
27/8/2002


[الصفحة السابقة]