|
كلمة الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
وحركة القوميين العرب
في حفل تأبين الشهيد ربحي حداد
أيتها الرفيقات، أيها الرفاق... أيها الأخوة والأحبة:
تلتقون اليوم لتأبين رفيق عزيز مناضل، أمضى جلّ حياته منغمساً في
النضال منذ بداية شبابه في حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية. تلتقون
اليوم لتمجيد البطولة والتضحية التي مثّلها الشهيد ربحي في معارك الشرف،
وبمواجهة غطرسة القوة الصهيونية المدعومة أمريكياً، بأحدث الطائرات
والدبابات والصواريخ، ولكل ما توصلت إليه تكنولوجيا القتل والتدمير
والتخريب الأمريكية.
تلتقون اليوم لتأكيد ولتجديد العهد والوفاء للشهيد ربحي ورفاقه ولمبادئه
وقيمه التي حرص على التمسك بها، والجهر بها والدعوة لها رغم قسوة الظروف
وضغط الواقع والأحداث والمعطيات المحيطة. تلتقون اليوم فيما العدو الصهيوني
يواصل حربه القذرة المجنونة على الشعب الفلسطيني لإرغامه على الرضوخ
والاستسلام لجبروت القوة الصهيونية واشتراطاتها السياسية. تلتقون اليوم
فيما الجهود المحمومة، المنتدبة أمريكياً وإسرائيلياً تبلغ ذروتها، لتحقيق
الأهداف السياسية التي من أجلها قام العدو الصهيوني بارتكاب العديد من
المذابح والمجازر، وتدمير الكثير من البنى والمؤسسات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية الفلسطينية، متوهماً بأنه يستطيع تركيع الشعب الفلسطيني بإطلاق
العنان لآلته الحربية الحديثة، غير إني على ثقة تامة أن هذه الجهود ستفشل
رغم ضخامة القوى الدافعة لتحويلها لحقائق سياسية جديدة ستفشل عاجلاً أم
آجلاً بصمود الشعب الفلسطيني، وإصراره على التمسك بحقوقه الثابتة
والتاريخية، ومواصلة النضال لتحقيق أهدافه في العودة وتقرير المصير وإقامة
الدولة المستقلة وعاصمتها القدس... ستفشل بتضحيات الشعب واستعداداته
النضالية العالية لتجاوز الصعوبات والتعقيدات التي تعترض طريق نضاله
الطويل، فالوفاء لمواكب الشهداء، لعشرات لآلاف الشهداء، يستوجب التمسك
بالأهداف التي من أجلها قضوا، في المقاومة ضد الاحتلال، على الطريق من أجل
الحرية والاستقلال..
وكان اللافت للنظر أن هذه الهجمات والمجازر، جرت على نطاق واسع من جنين إلى
نابلس ورام الله والخليل وبيت لحم و غيرها من المدن والقرى والمخيمات
والبلدات الفلسطينية، في ظل مواقف رسمية عربية عكست مدى الانحدار الذي وصلت
إليه الأوضاع الرسمية العربية بمجملها، ومدى تكيفها مع شروط ومتطلبات
التسوية الأمريكية – الصهيونية التي تريد فرضها على الشعب الفلسطيني.
ومع ذلك، ورغم بشاعة الهجمة والدماء التي سالت على نطاق واسع، فقد أكد
شعبنا بالقول والممارسة تمسكه بخيار المقاومة، خيار المواجهة والانتفاضة
لبلوغ أهدافه في الحرية والاستقلال. فقد نهضت طلائع الشعب الفلسطيني من تحت
الركام، ركام المذابح والدمار والخراب لتعلن بالممارسة العملية، بالعمليات
العسكرية الاستشهادية، بالمظاهرات والمسيرات أنها ستواصل الانتفاضة
والمقاومة لبلوغ أهدافها في الحرية والاستقلال.
أيتها الرفيقات، أيها الرفاق، أيها الأخوة..
نقف اليوم أمام ذكرى الأربعين لرحيل الشهيد الرفيق المناضل ربحي حداد، الذي
هبّ للدفاع عن شعبه وأرضه، وليواجه دبابات العدو الصهيوني وطائراته، وكان
الرفيق ربحي حداد في قلب المعركة، متجاوزاً الحصار المفروض على مدينة نابلس
جبل النار، وكل المدن الفلسطينية والبلدات والمخيمات المحاصرة.
كان صاحب إرادة قوية صلبة كالفولاذ، تمتشق سلاح الحق، إرادة باسلة تتخذ من
الكرامة متراساً لها، فقاوم إلى جانب شعبه المحاصر واختار طريق الشهادة
لإعلاء صوت الحق... صوت الانتفاضة. وكان مثالاً للبطولة في زمن يذهب فيه
الأبطال إلى حتفهم كي يصلوا إلى أسمى هدف في الوجود، الحرية والاستقلال. إن
الشهيد ربحي حداد هو اليوم بطل من أبطال التحرير وأسمه محفوراً في ذاكرة
الوطن... في الذاكرة الفلسطينية، وذاكرة الأجيال، وذاكرة رفاقه وإخوانه في
النضال. كان صادقاً في رؤيته، وواضحاً مثل وضوح هدف المقاومة، وواضحاً أمام
شعبه فحثهم على مواصلة الطريق... كان يردد دائماً: " ليس لنا سوى خيار
المقاومة ".
كان شهيدنا يخوض في هذا الخيار في مواجهة بطولية تتصدى لاجتياح دبابات
العدو الصهيوني وإرهابه. إنه خيار مقاومة الاحتلال والعنصرية الصهيونية،
ومناهضة مخططات الإمبريالية الأمريكية المتوحشة التي باتت تستهدف المقاومة
وتتبنى سياسة مجرمي الحرب الصهاينة.
وفي هذه المناسبة لم أجد كلمة أكثر تعبيراً لأصف الشهيد القائد ربحي حداد
إلا بحبيب نابلس وعاشق الحرية ورجل المقاومة، وروحه تحلق بأجنحة الحرية بعد
معاناته أسيراً في السجون الصهيونية، وربحي حداد القائد المحرض على النصر
كان رجل ممارسة كفاحية نوعية يربط الأقوال بالأفعال، وأختار طريق المقاومة
بعدها أحس بالخطر يتهدد شعبه ويتهدد المقاومة، وهو أختار موته بذاته
شريفاً عزيزاً ومترعاً بنشوة التضحية من أجل حياة كريمة لشعبه، وكانت
معركته مع العدو من أجل إعادة الاعتبار للإنسانية وللكرامة الوطنية، وصاحب
مصداقية برهن بما هو متاح من فرصة مقاومة بأن طريق فلسطين أقرب إلى القلب،
وبأن طريق الاستقلال يلزمه تضحية ودماء، وبأن شهداء فلسطين يصنعون مستقبل
أطفالنا ومستقبل أشجارنا الضاربة الجذور في أرض الوطن. مستقبل فلسطين
الكائن والوجود. وإن كل شهيد قدم روحه على مذبح الحرية هو مصدر لتعزيز
الأمل فينا وتعميقه، هؤلاء الذين بعثوا فينا الأمل بالانتصار، لأن قضيتنا
عادلة. هؤلاء الشهداء ومعهم الشهيد ربحي حداد هم في موقع الخالدين في
الذاكرة الفلسطينية الخالدين في عاطفتنا وقلوبنا، وهم منارات أبدية لهذا
الوطن.
أيتها الرفيقات، أيها الرفاق،
لا يسعني في هذه اللحظة إلا أن أتذكر معكم شهداء فلسطين جميعاً، شهداء
المقاومة، وأتذكر شهداء الانتفاضة الأولى والثانية، ونتذكر الشهداء القائد
أبو علي مصطفى ووديع حداد وغسان كنفاني وأبو جهاد وفتحي الشقاقي وعياش
وعبيات والشهيدة وفاء إدريس. أتذكر الشهداء الذين كانوا أسطورة للنضال،
شهداء مجزرة جنين ونابلس وشهداء بيت لحم ورام الله وغزة... نتذكر أسرانا
المعتقلين في السجون الإسرائيلية وعلى رأسهم الأخ المناضل البارز مروان
البرغوثي، والرفاق الأبطال المعتقلين ظلماً في سجون السلطة، الرفيق الأمين
العام أحمد سعدات وعاهد أبو غلمة وحمدي قرعان وباسل الأسمر ومجدي ريماوي،
والأخ فؤاد الشوبكي، وأقول لهم إن ليل الظلم والظلمة سيزول والصبح قريب،
وأنتم والله مفخرة هذا الشعب الفلسطيني الذي باتت سيرة صموده على كل لسان،
وصورة هذا الشعب نموذجاً عالمياً للنضال والمقاومة في سبيل الحرية
والاستقلال.
وبهذه المناسبة أسمحوا لي أن أتوجه بالتحية إلى الأمهات العظيمات، أمهات
الشهداء الأبطال، وإلى عائلة الشهيد ربحي وزوجته، وأحيي جميع الرفاق
والأخوة المحاصرين في السجون الكبيرة والصغيرة. وتحية إلى المعتقلين
الصامدين. كما أوجه التحية إلى شعبنا الصامد المعطاء في المدن والقرى
والمخيمات الفلسطينية. وتحية إلى شعبنا البطل في الجليل والمثلث والنقب.
ونجدد العهد في مواصلة الطريق، طريق الانتفاضة والمقاومة، الطريق الذي قضى
من أجله الشهداء.
النصر للانتفاضة والمقاومة، وإننا لمنتصرون
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
ودمتم للحياة والمقاومة والانتفاضة
دمتم لفلسطين
|
الرفيق د. جورج حبش |
مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين
وحركة القوميين العرب |
|
16/5/2002 |
|