إسرائيل” وليس النفط“ وراء غزو  العراق

هل لك في تحديد بلد في الشرق الأوسط يشتبه في تطويره لأسلحة نووية ورفضه فتح أبوابه أمام هيئات التفتيش الدولية، بلد ربما كان يمتلك أسلحة دمار شامل جرثومية وكيماوية أيضاً؟
ربما حامت الشبهة حول العراق، ويحتمل الاشتباه بإيران. دع عنك هذا وذاك ف “إسرائيل” بلا أدنى ريب ورغم أن الناطقين الرسميين ما زالوا يصرون على النفي، تمتلك نحو 240 سلاحاً نووياً إضافة الى ترسانة مرعبة من الأسلحة الجرثومية.

في معمعة حملة بوش الناجحة وزعيقه وهتافه ونفخه في النار وقرعه طبول الحرب وإلهابه للهستيريا التي اجتاحت الولايات المتحدة ضد العراق، والتي ساقت 73% من جمهور الناخبين الأمريكيين لتجاهل الرأي العام العالمي والاستهزاء بالأمم المتحدة وتأييد الخروج للحرب، في خضم هذا كله لم يقم صحافي أمريكي حصيف واحد ليشير مجرد إشارة الى هذا الخلل الصارخ الوضوح، لا ولم يبد أحد من الإعلاميين أقل اهتمام بهذا التغافل. بدا الأمر وكأن تطوير العراق لأسلحة الدمار الشامل لا يمت بصلة البتة الى ترسانة الأسلحة “الاسرائيلية”. يا إلهي! هل في وسع امرىء إغفال هذا الترابط والتعامي عن هذه الصلة؟

في غمرة الحملة رفع اليسار عقيرته وكال اتهامات زاعماً أن بوش لم يكن له إلا السقوط في منزلق غزو العراق أمام إغراء النفط الذي أسال لعابه ولم يستطع مقاومته: آه! نعم، أولئك هم الجمهوريون الشرهون أباطرة النفط في تكساس، هاليبيرتون، وتلك المكائد التي يحيكها النافذون الى بواطن الأمور. قد يبدو هذا التعليل مستساغاً، لكن هل دار في خلد أحد أن السبب الحقيقي وراء غزونا للعراق، إنما كان للحفاظ على “اسرائيل” وإبقائها الجبروت النووي الوحيد في الشرق الأوسط؟ لم يدر النقاش قط في هذا الاتجاه. ولربما لم يتجه تلك الوجهة لأن هذه القضية لم توضع قط على مائدة البحث.
كان جورج ويل غارقاً في مشاغله التي تدور حول قضايا أخلاقية كئيبة، مثل ما إذا كانت القبل “الفرنسية” وبطاطس القلي ينبغي إعادة النظر فيها. كما لم تستطع ديان سوير أن تنتزع نفسها المجبولة على التحقيق والتحري ولو لبرهة قصيرة وتنأى عن ديكسي تشيكس لتفكر مجرد تفكير بالصلة بين الأمرين.

أعلم الآن وأدرك الأثر الذي يحدثه مفهوم “مؤامرة الإعلام” والرهاب المصاحب له، لكن أليس من اللافت المثير للفضول أنه في لجة ذاك السيل العرم من الكلمات التي تدفقت من لسان تيد كوبيل لم يذكر أبداً أسلحة “اسرائيل” النووية أو قدراتها في ما يتعلق بالأسلحة الجرثومية أو الكيماوية، ولم يتفوه بحرف حول هذا الموضوع طيلة الوقت الذي أمضاه وهو يرتدي بزة عسكرية؟ ألا يعني هذا أن الشطط تجاوز حدّه في أسلوب “لا تسل، ولا تتحدث ولا تخبّر”؟
والآن في خضم فضيحة يورانيوم النيجر ووفاة ديفيد كيلي غرق الإعلام في أتون الحيرة حول ما إذا كان بوش يعلم أو لا يعلم أن بلير استخدم معلومات استخباراتية “مضخمة”. وهل قادت إدارة بوش أو بلير بلديهما، الى الحرب معتمدتين على معلومات استخباراتية خاطئة؟ كان هذا هو ما اجتهدت أبواق الإعلام من شركة ال “سي.إن.إن” الى منتجي مايكل ايزنرا التنفيذيين في محاولتها لتأطير هذه القضية وتحديد معالمها لنا. فهل حقاً كانت تلكم هي القضية يا مايكل؟ مهلاً! فحتى قبل انطلاقنا للحرب قال هانز بليكس إن تلك الرسائل العراقية التي كانت تسعى لشراء أكسيد فلز اليورانيوم المركز وشبه المنقى كانت رسائل مزورة، بل كانت زائفة زيفاً تاماً ومختلقة. كان هذا هو ما قاله بليكس. تخيلوا أن تلك الرسائل التي تسللت في فحواها، الى خطاب “حالة الاتحاد” واستغلت لاستثارة الغرائز الأمريكية العدوانية ولصناعة كيد السحرة الذي يسوغ لنا شن الحرب وإطلاق أول “توماهوك” فيها لم تكن سوى زور وبهتان!!

طغت هذه الرسائل العفنة الفاسدة على السطح في ايطاليا واستخدمت كلمة “نصف كرة” الايرانية بل كلمة “قبة” العربية العراقية المناسبة، وأكد بليكس أن الرسائل لم تخطها يد عراقي قط.
فتصور الآن للحظة أن الدنيا علمت أن إيران كانت هي الجهة وراء كتابة تلك الرسائل. ما الذي تجنيه إيران من هذا؟ وهل هي حقاً مستفيدة من الاتيان بآلة الحرب الأمريكية لترابط على حدودها ملاصقة لعقر دارها؟ من ذا الذي يأبه لهكذا حكاية؟ إنها محض هراء. ولكن ماذا لو كان الموساد “الاسرائيلي” هو الذي زوّرها؟ ما الذي يعنيه هذا؟ حسناً، إن أمراً كهذا سوف يُظهر أن “اسرائيل” جرّت بريطانيا والولايات المتحدة بوساطة التزييف لغزو عدوّها الأكبر. وعندها، ومع استحضار حقيقة أنّها ملطخة بأوكسيد فلز اليورانيوم المركز من رأسها حتى أخمص قدميها، فسوف يؤدي هذا الى إعادة النظر في العلاقات مع تلك الدولة ومراجعة المواقف بصورة جدية.
وماذا لو كان مكتب التحقيقات ال “سي.آي.ايه” هو الذي زوّر المستندات؟ حسناً، إذا كان جورج يعلم أنها زائفة وقدّم كل هذا القدر من الكذب الى الشعب الأمريكي باعتباره الأساس لغزو بلد أجنبي، فلسوف تحاصره تهم الخيانة العظمى وتطوقه المطالبات بعزله. وبصورة مشابهة، فإذا كان التزوير أتى من معسكر بلير فيما كان يلتمس إقناع مواطنيه ويناشدهم الخروج الى الحرب، فإن حكومة أخرى سوف تنهار ومن المحتمل أن يسفر الأمر عن الاتهام بالخيانة أيضاً.
المسألة ليست هي استخدام معلومات استخباراتية خاطئة، بل استعمال التزوير لقيادة بلد الى الحرب، وهي قضية لا يمكن الاستهانة بها بحال من الأحوال.

بيد أن لغز الألغاز في زماننا هذا وأعجب العجب هو أن مصدر هذا التزييف لا يهم أحداً في كبريات المؤسسات الإعلامية. فلا تكترث بهذا الأمر لا برامج الستين دقيقة ولا غيرها من البرامج الجماهيرية الذائعة الصيت. فهناك باربارا وولترز شديدة الاهتمام بطول قامة السيناتور جون كيري، ولدى ستون فيلبس حشد كبير من القتلة المحترفين ليهتم بهم، ثم إن دار راذر مستغرق التفكير هذه الأيام بلاسي بترسون. الكل منشغل، ولا أحد يهتم.
ولست هنا أحاول تحبيذ فكرة أن عمالقة مؤسساتنا الإعلامية قد تآمروا بشكل جماعي للتحكم بالأمور والتعمية على الحقائق، إلا أنني لا يسعني إلا أن ألاحظ أن تيد كوبيل سوف يتألق ليكون سيد الطقوس والأصول واللباقة في ذلك السيرك الفكري الزائف الذي يرعاه ويستضيف فيه شخصاً يزعق ويشتم خصمه ويصرخ نابذاً إياه بأقذع النعوت والألقاب، إنها مثل عروض جيري سبرينجر التي تنتحل سيماء الثقافة، ومهما كان موضوع البرنامج فأنا على يقين من أنه لن يتطرق الى أي من المواضيع المشمولة في لائحة طويلة تزداد يوماً بعد يوم، من المواضيع المحرمة التي لا يسمح أن تمس.

هل لدى “اسرائيل” قنابل هيدروجينية؟ هل حدث قط أن قامت الولايات المتحدة سراً باختبار أسلحة “اسرائيل” النووية على الأراضي الأمريكية؟ وهناك بالطبع أحدث سؤال يمكن طرحه ليضاف الى القائمة: من هو ذاك الذي زوّر تلك الرسائل التي شفطتنا الى أتون الحرب؟

* أستاذ محاضر في جامعة سانتا كلارا ومؤلف أحد أكثر قصص عصرنا رواجاً وشعبية وهو كتاب: “الرمز والتزامنية في تحطم مكوك الفضاء كولومبيا” والنص منشور في موقع “كاونتربنتش” على الشبكة


[الصفحة السابقة]