|
وراء الكلام
صابر محيي الدين
بقلم: أحمد دحبور
قبل بضع سنوات، فوجئت بعارض صحي أوصلني إلى المستشفى. وكرمني الأخ أبو عمار
فزارني مطمئنا، ونقل التلفزيون النبأ.. وبعد أيام رن هاتف منزلي، ليأتيني
صوت لم أكن أتوقعه... كان ذلك صوت الأخ العزيز النبيل صابر محيي الدين.
ويبدو أنه كان قلقا علي أكثر مما تستوجبه الحالة، فقد أشرق صوته بالسعادة
حين سمع صوتي. ولم يعطني فرصة لأعرف من أين يتكلم. بل اكتفى بالقول: -
حبيبنا أبو يسار.. دير بالك على حالك، أو على طريقة الخواجات، وي نيد يو..
من كان يظن أن المفارقة ستقلب الأمور، فإذا بهذا الذي كان قلقا علي، الذي
يحتاجني على حد تعبير الخواجات هو الذي.. وأنا الذي كنت على شفا شهقة
فاغماضة أبدية، أقف الآن حائرا، مشلولا، أمام رحيله المفاجئ..؟
نميل نحن أهل الشرق – وربما أهل الأرض جميعا- إلى تأكيد محاسن الراحلين.
ولا سيما أولئك الذين يختطفهم الموت منا وهم في عز العطاء. ولكنني أسأل
نفسي وأسأل الورق والحبر: هل يمكن أن يكون هناك أحد في الدنيا قد تعرف إلى
صابر محيي الدين ولم يصعقه النبأ؟.. هذا الوجه البشوش، الأليف، الدافئ الذي
يفيض شرفا وعطفا وكبرياء؟ ومن أين أبدأ يا أخي صابر؟ ومن لي بصديقنا
المشترك حسين أبي النمل الذي أدين له معرفتك لأعزيه أن يعزيني؟
هل أذكر أيام الانشقاق –تنذكر ما تنعاد- عندما اتيتك إلى "الهدف" حاملا
متمالة تدافع عن الشرعية بقيادة ياسر عرفات، فأرسلتها إلى المطبعة فورا
وقلت لي: لن أقرأها إلا وهي منشورة؟
هل أقفز بالذكرى إلى الجزائر 1987 يوم المؤتمر العام للاتحاد العام للكتاب
والصحفيين؟ كان المؤتمر نهاية لصراع لا معنى له، وكدنا نختلف على رقم
المؤتمر أهو الرابع أم الخامس. ورأيت أن نخلص من هذا الإشكال العارض،
فاقترحت علينا أن نسميه المؤتمر التوحيدي. وقد كان..
يومها –لمن يذكر- كان الأخ بسام أبو شريف في بداية خلافه مع الجبهة الشعبية
التي لم تتحمس لتمثيله لها في الأمانة العامة. وأصر أعضاء الأمانة العامة
القدامى على بقاء بسام وفاء وتقديرا. فاقترحوا على الجبهة أن يبقى في
الأمانة مقابل أن تختار الجبهة ممثلا آخر... وكان ذلك، وتم ترشيح صابر محيي
الدين... وكنت على أعصابي في الاجتماع الأول مخافة الانفجار بين الرفيقين.
وإذا بصابر يقترب من بسام معانقا، ويرشحه في الأمانة العامة لحقيبة
العلاقات الخارجية... بهذه الروح الوحدوية، على المستوى الفلسطيني العام
والجبهوي الخاص، كان صابر محيي الدين يتحرك.. وكان يتحمل التجاوزات
الصغيرة. لكنه لم يكن ليفرط بفكرة واحدة يؤمن بها، ولم يتزحزح عن الثوابت،
على ما يتسع له ذهنه الوقاد من تسامح وانفتاح.. وصابر
محيي الدين، المناضل الذي وصل بالانتخاب إلى عضوية المكتب السياسي في
الجبهة، كان يجمع نبل الفارس إلى حياء الفلاحين. وما زلت أذكر تلكؤ الصندوق
في تسديد مهمته، هو الآتي من بعيد والذي لا يحمل إلا مبلغا بسيطا وهو
القائد في جبهته، فخجل أن يطالب بما يستحق. واستدان ليغطي نفقة إقامته..
كان صابر قلقا على مصير شعبه. وكثيرا ما سمعنه يقول:
إننا عباقرة في إضاعة الفرص لكننا أكثر عبقرية في الذهاب إلى الكوارث بدعوى
أننا لن نفوت الفرص.
ترى كيف عرف صابر أن يغمض عينيه قبل أن يطمئن على المصير؟ ألن يتقلب تحت
التراب الطري وهو يراقب الجرح الفلسطيني الذي لا يبرأ ولا يلتئم؟ لماذا يا
صابر؟ لماذا يا أخي.. أهكذا مع أننا وي نيد يو؟. |