|
صابر محي الدين... وداعا...
عوني صادق
كنت معه على موعد في اربد.. لكنني تخلفت عن الموعد... فتركني و رحل...
عندما سمعت الخبر لم أصدقه، فهناك من الأخبار ما تتمنى أن تكون كاذبة، وصعب
عليك أن تصدقها. لكن الأخبار السيئة في أكثر الأحيان صادقة ، و تبقى أنت
والمصيبة وجها لوجه... صدقت أو لم تصدق! كان قد زارني
قبل اسبوعين، بعد غياب أكثر من عامين و دون سابق اتصال. كانت مفاجأة جميلة
في زمن لم نعد نصادف فيه المفاجآت الجميلة. و منذ سنوات لم أره في صحة أفضل
مما رأيته في هذه الزيارة، لكن القلوب الكبيرة هي الأضعف فسيولوجيا والأسرع
في العطب! عرفته في بداية الثمانينات عندما زاملته في
مجلة ( الهدف )، لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حيث كان يرأس
تحريرها، الى جانب كونه عضوا في المكتب السياسي للجبهة. الآن وفي هذه
اللحظات، تتراجع في ذهني صورة المناضل السياسي و صورة المثقف الثوري و أيضا
الصحفي، وتنتصب الصورة عملاقة لصابر محي الدين الانسان، و هو الجانب الذي
سأتحدث عنه في هذه السطور القليلة. ذلك لأن هذا الجانب هو أكثر ما بهرني
فيه وحببه الى نفسي، ولأن المناضلين كثر والمثقفين أكثر، و أما أن يكون
الانسان انسانا حقيقيا فهذا ما لا نعثر عليه غالبا خصوصا في زماننا الرديء
الذي نعيش، وقد كان صابر محي الدين انسانا يقترب كثيرا من النموذج الذي
نتمناه ونفقده . الى جانب أن الانسان النموذج لا بد أن يكون مناضلا نموذجا
، أو مثقفا نموذجا ، وليس شرطا أن يكون العكس.
صابر محي الدين ، عضو المكتب السياسي للفصيل الثاني بين
فصائل المقاومة الفلسطينية من حيث الحجم والأهمية، زميل الرمز الوطني
الكبير الدكتور جورج حبش و أحد ورثة المناضل والمثقف الثوري الخالد الشهيد
غسان كنفاني... كان في مظهره و معشره و بساطته، تراهن عندما تراه أو تقابله
أنه عنصر عادي من عناصر الجبهة أو محرر بسيط في المجلة التي يرأس تحريرها،
لفرط بساطته وطيبته. لم يكن يتواضع بل لم يعرف التواضع في حياته، كان ذلك
جزء من طبيعته السمحة وأخلاقه و الفطرة التي فطر عليها.
كان صابر محي الدين أحد القادة في صف طويل من قادة
المقاومة الفلسطينية و كلنا نعرف طبيعة الأجواء التي سادت، والأمراض التي
استشرت من الانتهازية الى الوصولية الى التسلط الى... الخ لكن صابر نجح
بامتياز في أن يربأ بنفسه عن كل تلك الأمراض. كان لينين يقول: من يعمل في
السياسة لا بد أن يلطخ يديه. وهي قاعدة صحيحة ، لكنها ككل قاعدة لها شواذها
ولها استثناءاتها التي تثبتها، وصابر محى الدين كان أحد هذه الشواذ
والاستثناءات التي تأتي لتثبت القاعدة.
أعتقد ودون أن يساورني أي شك أنه لم ينخرط في صفوف
المقاومة الفلسطينية من كان أنظف أو أنزه أو أصدق أو أخلص من صابر محي
الدين. و أجزم أن أحدا في هذه المقاومة لم يسمع يوما كلمة واحدة آذته من
قريب أو بعيد صدرت عن صابر محي الدين مباشرة أو نقلا عن ناقل. كان نموذجا
رفيعا في انسانيته و دماثة خلقه و لطفه و رحابة صدره و حبه للجميع بمن في
ذلك خصومه السياسيون. لم يقاتل يوما من أجل موقع أو حرصا على مصلحة شخصية
أو طمعا في مغنم، بل على العكس تماما، كان أكثر رفاقه جهدا وأقلهم اهتماما
بالمواقع والمصالح والمغانم. فقد عمل أكثر من سنتين يهيء لانجاح عقد
المؤتمرالسادس للجبهة الشعبية، وعندما عقد المؤتمر طلب اعفاءه ولم يرشح
نفسه لعضوية المكتب السياسي، ليتحول الى العمل الصامت في موقع الجندي
المجهول وليتحمل من الضغوط ما عجز قلبه الطيب عن حمله و ليسقط شهيدا في
معركة لم يكن السلاح الناري أحد أدواتها. لم أكن يوما عضوا في الجبهة
الشعبية لأعرف تفاصيل ما كان يعمل فيه صابر محي الدين في السنوات الأخيرة،
لكنني أعرف أنه لم يتوقف عن العمل الدؤوب في موقع يكاد يكون مجهولا ما أقل
من يقبله في زمن الفضائيات والأضواء الساطعة، خصوصا اذا كان قائدا احتل
مواقع القيادة البارزة عن جدارة واستحقاق و لسنوات طويلة.
في العشرين سنة الماضية، فقدت كثيرا من الأهل والأقارب
و الأصدقاء ، و كان أكثرهم عزيزا لدي. لكنني أعترف أن فقدان صابر محي الدين
كان الأقسى والأكثر ايلاما بالنسبة الي، لأنه كان انسانا نادرا بحق. كان
صديقا صدوقا مع أصدقائه، كريما مع خصومه، وأقول خصومه لأننى لا أعتقد أنه
كان له عدو شخصي. كان محبا للجميع . كنت أستغرب كيف يمكن لشخص في ظروفه و
بكل تجربته و موقعه و في الوقت نفسه بكل طيبته و براءته. لكنه في الوقت
نفسه، كان مقاتلا عنيدا في الدفاع عن قضايا شعبه و أمته ثابتا علىالمباديء
لا يساوم عليها و لا يهادن فيها. و كان فوق ذلك يرفض الظلم والاستغلال
والأنانية والطمع حيثما كان.
كلنا نعرف أن الموت حتمي على البشر، و أن الانسان الفرد
صائر اليه لا محالة. لكننا لا نصدق عندما نسمع أنه وصل الى بعض الأشخاص،
لأن هذا البعض و لفرط انسانيته و حبه للخير و للناس و للحياة يقنعنا أنه
عصي على الموت. قد يمرض، وقد يضعف جسده، لكن لا يخطر على البال أنه سيلاقي
الموت كما تلاقيه الأكثرية الساحقة بل كما يلاقيه الجميع!
كنت أنتظر من الموت أن يخجل من مواجهة صابر محي الدين
خصوصا في هذا العمر، لكنه لم يخجل بل لم يمهله مثلما أمهل غيره وكان يستحق
أن يفعل.
بعد الموت، لا تصبح المشكلة مشكلة من مات بل مشكلة من
لم يمت بعد...
صابر محي الدين... لقد منحتنا الكثير في حياتك، امنحنا القليل من اسمك حتى
نقدر على غيابك. لكنك ستظل في قلوب كل الذين عرفوك و عرفوا فيك كل جميل،
وسيستمدون من ذكراك
بعض ما زرعته فيهم و حببته اليهم من خصالك الجميلة...
وداعا صابر... |