|
رحيل الأخلاقي
فيصل دراج
أعطي ادوارد سعيد في مساره درسا نموذجيا في (الهجنة الخصيبة). فقد كان
أميركيا يدافع عن القضية الفلسطينية، وكان فلسطينيا يندد بالسياسة
الإسرائيلية.. غير أنه في هذا كله كان المثقف المتمرد على التربية
الأكاديمية التي ترى في المثقفين نخبة مختصة تتبادل المفردات الصعبة، وتدرس
أعمال المبدعين بلغة طقسية غريبة عن "العوام".
وواقع الأمر أن ادوارد سعيد انتهى إلى صيغة خاصة به،
قوامها النقد وكسرالاختصاص والخروج من قاعات الجامعة الضيقة إلى شوارع
الحياة. لهذا لم يكن مثقفا رسوليا مشغولا بالثورة أو بتحويل العالم، بل
اكتفى بنقد القائم وتوليد وجهة نظر جديدة فيه، كأن يقرأ "جوزيف كونراد"
قراءة غير مسبوقة، تكشف عن معنى الاستعمار في رواياته، أو أن يلقي الضوء
على علاقات السلطة والمعرفة في "الاستشراق"، أو أن يفضح أحادية المنظور في
"الثقافة والامبريالية"... لم يكن في أعماله هذه مرشدا ولا صاحب مذهب، بل
كان صوتا أخلاقيا عاليا، يدافع عن التعدد، حيث لـ (الأنا) قولها ولـ
(الآخر) قوله، بعيدا من التعصب الأعمى واحتكار الحقيقة.
ولعل هذا الانفتاح على حقيقة متعددة الوجوه، هو ما جعله
معجبا بـ (ايريش أو يرباخ) اليهودي الألماني الذي يقرأ الثقافة الأوروبية،
والأوروبي الذي عاش في تركيا، واللغوي المرموق الذي انتهى إلى تاريخ
الأدب... كأن في المفرد جملة عقول، فالواحد المنجز النهائي لا وجود له،
النهائي لا وجود له، والهوية المقفلة المكتفية بذاتها هوية ميتة. ولعل نقضه
للهوية الفقيرة هو الذي جعله يدافع عن الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي دفاعا
شديدا، وأوصله إلى الدفاع عن دولة ثنائية القومية، يتعايش فيها الفلسطينيون
والإسرائيليون.
وعن كرهه للاختصاص صور انفتاحه على تعددية المعرفة،
فكتب في الثقافة والأدب والموسيقى والسينما والسياسة... كان في كتاباته
موسوعيا وكان في موسوعيته منظورا للعالم، يحتفي بالمتعدد ويحتفل بالحواري
ويكره المستبد ويزجر الأحادي... وإذا كان البعض قد وصل إلى الديمقراطية من
طريق السياسة والأيديولوجيات، فإن سعيد استولد ديمقراطية من حقل المعرفة،
حين اكتشف أن معرفة الأدب قائمة في معرفة الثقافة وأن الأخيرة موجودة في
السياسة، وأن وجوده المعرفة هي وجوه الحياة.
لم يكن ادوارد سعيد مثقفا رسوليا، يرى ما لا يرى، بل
كان مثقفا أخلاقيا عالي الصوت. |