يصحو صباحا ليتفقدَّ شمس غده

إبراهيم نصرالله
منذ مائة عام يصعد الفلسطيني دون كلل هذه الجلجلة، لا يتوقف ليسأل عن ذلك الثمن الذي دفعه، الثمن الغالي، من دمه ودموع أطفاله وخضرة أشجاره؛ وبين حبل المشنقة الذي التفَّ على عنق ثواره ذات يوم، إلى هذه الموت العنصري المجنون الذي هب أمس، ويهب اليوم، مبعثرا أجسادهم، كي لا نعثر على ما يدل عليهم وعلى قاماتهم العاليه وعيونهم المتطلعة للغد أبدا، يعيش هذا الشعب بكامل أشواقه للحرية، والحياة..
يصحو صباحا، يتفقد شمس غده، دون أن يملك بذخ ذلك السؤال الرخو: هل كانت الحرية تستحق أقل من هذا الحب..
إلى أبو علي مصطفى.. وغسان كنفاني.. وإيمان جحو.. وكل أولئك الذين كلما بعثرتهم القذائف عثرنا عليهم فينا..
ذات يوم قال شاعرنا أبو القاسم الشابي
ومن لا يحبُّ صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر
* * *
هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
صباحٌ أليفٌ
وضحكةُ طفلْ
حياةٌ تسيرُ
ويومٌ يَمـرُّ
وعُمْرٌ يضيعُ
وقمحٌ يحاولُ أن يتصابى
فيعلو كنخلْ
ونَهـرٌ صغيرٌ
يرى حُلْمَـهُ
في تَسَلُّقِ تـَلْ

هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
فتـاةٌ تُـزَيِّنُ موعدَها بقميصٍ خفيفٍ
وزهرةِ فُـلْ
ولا بأسَ أن تَنْـعَمَ الشجراتُ بخُضرَتـِها
وبحفنةِ ظِـلْ

هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
شاطئٌ يتثاءبُ عندَ الظهيرةِ
فلاحةٌ تَحْسُدُ السمكاتِ
التي تتقلَّبُ في عِـزِّ آب
على سطحِ هذا المدى اللانهائيِّ
مِـنْ دونِ عَقْـلْ!
وطيرٌ يُحَلِّقُ ملءَ جناحيهِ
يُنشِدُ في الـبَدءِ كانَ الجناحُ
ويبقى الجناحُ إلى أن تقومَ القيامةُ أَصْلْ

هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
سياجٌ يردُّ الثعالبَ
عن ربَّـةِ البيتِ تلك الدجاجةِ
إنْ غابَ ديكٌ
وسافرَ أهْـلْ!
وحقلٌ صغيرٌ بوادٍ عميقٍ
ولكن ذاكَ النباتَ الذي فيه يرفعُهُ كي يكونَ المطَـلْ
وسيدةٌ لن تموتَ إذا ما رمتْها السماءُ
وأولادَها في الجنوبِ القصيِّ بغيمةِ مَحْلْ !!!!!!

هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
قراءةُ (غسانَ) في شرفاتِ البيوتِ مساءً
تأمُّـلُ (بَرقوقِ نيسانَ) صبحاً
وقد فاضَ عن شمسه واكتملْ
استعادةُ بعض الفصولِ الصغيرةِ في (ما العَمَلْ)

هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
صورةٌ لزفافٍ بسيطٍ
(عَتَـابَا)
ويومٌ مـدىً
"لا ضرورةَ فيـهِ لطفلٍ بـطَلْ"
وأغنيةٌ قلبُها كالعَسَلْ
ورسائلُ حُبٍّ تُحَـوِّمُ في عاشقينِ صغيرينِ كالرعشاتِ
بلا ورقٍ خائفٍ أو رُسُلْ

هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
رجُوعُ أبٍ في المساءِ إلى أهلهِ ضاحكاً
وعبورُ الإجازةِ حتى الضحى في سريرِ الكَسَلْ
وأمٌّ، بخمس بناتٍ، على شرفةِ الأربعينَ..
على كتفيها شهيدانِ
لكنها لم تزلْ
تترقبُ يوماً لتبكي كما الناسِ دونَ خجلْ!

هناكَ الكثيرُ
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
جَـدّةٌ قربَ رأسِ الصغيرةِ تحكي حكاياتِها
لم تَـزُرْ ذاتَ يومٍ طبيباً
ولم تتناولْ دواءً
تدورُ كزيتونةٍ في السهولِ
وقبلَ صياحِ الدّيوكِ تشُـقُّ دروبَ الأملْ
وبِصِحَّتِها يَضرِبونَ الـمَثَلْ
... ...
... ...
هناك الكثير
ولكنَّهم هاهنا لا يريدونَ غيرَ الأَقَـلْ
صعودُ الجبلْ


[الصفحة السابقة]