رسالة إلى "أبو علي مصطفى"

د. يوسف مكي
أبا علي... استميحك عذرا إن عجز اليراع عن خط ما يليق ويتناسب مع الحدث الجلل. إذ إني في واقع الأمر لا أعلم ما إذا كان علي أن أهنئك أم أرثيك. فقد بلغت غاية سعيت لها بنفسك، سعي عاشق متيم متمثلا قول أبي القاسم الشابي: "لعمرك إني أرى مصرعي ولكن أغذ إليه الخطى"، وها أنت قد نلت مبتغاك، حين استقبلت صواريخ الغدر، تنهال على جسدك الطاهر ليتحول إلى شذرات تعطر تربة فلسطين، وتخصب زيتونتها وكرمتها وبرتقالتها.

كنت أبا على شخصا استثنائيا، وكذلك عشقك كان من نوع خاص. علاقتك بالأرض علاقة فلاح، ربط معنى العرض والشرف بالدفاع عنها. غرس فيك والدك وجدا لايدانيه وجد. علمك على ضوء الفانوس، وهو يحرث الحقل في بلدة عرابة بقضاء جنين في فلسطين، وأنت لم تزل في ريعان الصبا أن ليس هناك فاصل بين أن تدافع عن أرضك أو أن تدافع عن حقك في الحياة. فاكتسبت من خلال التجربة والفعل انتماء وهوية تزاحم معنياهما في النفس، وأصبح الفصل بينهما أقرب إلى التابو. وكان ذلك أول درس لك في علم الثورة.

لم تكن نكبة فلسطين بالنسبة لك مجرد فشل للمشروع الوطني، بل كانت أكبر من ذلك بكثير. فقد تسببت في تشريد أكثر من 800 ألف فلسطيني طردوا من منازلهم وأجبروا على اللجوء إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والأقطار العربية المجاورة، بالأردن وسوريا ولبنان.. عاشوا هناك في المخيمات حياة بائسة، معتمدين على المساعدات الزهيدة التي تقدمها لهم وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

وخلال تلك الحقبة، كانت النتائج التي آلت إليها القضية الفلسطينية مصدرا لتململ شعبي واسع وتحولات رئيسية في الواقع العربي. وفي القلب من ذلك، كانت أصابع الإتهام توجه للحكام العرب مشيرة إلى تقصيرهم في الدفاع عن الشعب الفلسطيني وحماية عروبة فلسطين. وبالنسبة للفلسطينيين الذين توزعوا في الوطن العربي تولد لديهم اقتناع بوجود عدو معلن هو الدولة الصهيونية التي تسببت في تشريدهم، وعدو خفي يتمثل في غياب استراتيجية عربية لتحرير وطنهم. وقد تعقد موقفهم أكثر فأكثر بسبب التركيبة السياسية السائدة في الوطن العربي. مما أدى إلى ابتعادهم عن السفوح في الهرم الإجتماعي، والإتجاه إلى القاع.. إلى حيث الإحساس يتعاظم بضرورة العمل الشعبي من أجل تحرير فلسطين.

وحين رحلت أبا على عن فلسطين عام 1950، إلى العاصمة الأردنية عمان، كان النبض السياسي الذي يمور به الشارع العربي، مفعما بالأماني بقيام أمة عربية واحدة. وقد تزامن ذلك مع ظهور مجموعة من الحقائق، إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، ساهمت في تعضيد التوجهات الوطنية والشعبية. وفي المقدمة منها ظهور فكرة الحياد الإيجابي، وبروز دول العالم الثالث الحديثة الإستقلال على المسرح السياسي الدولي، وتبلور فكرة تشكيل تجمع يضم الدول النامية التي رزحت طويلا، تحت نير الإمبراطوريات الإستعمارية وشهدت بأم عينها الإنسحاق الإنساني الذي أفرزته حربان عالميتان مدمرتان. لقد رأت تلك الدول أن من مصلحتها النأي بنفسها عن الإنتماء إلى إحدى الكتلتين المتصارعتين: الرأسمالية أو الشيوعية. واستطاعت هذه الدول أن تصبح قوة جماعية بعد تأسيسها حركة عدم الإنحياز، وتبنيها سياسات مستقلة، وابتعادها عن الأحلاف والتكتلات العسكرية لأي من المعسكرين المتنافسين، ومن خلال تحكمها في أغلبية الأصوات بالجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة.

أما الحقيقة الأخرى، فتنامي فكرة الوحدة العربية، حيث غدت حقيقة حية تقود حركة الجماهير للتحرر من الهيمنة الإستعمارية. وكان الأساس النظري لهذه الفكرة، أن المجموعات البشرية التي عاشت على البقاع الممتدة من الخليج العربي شرقا، إلى المحيط الأطلسي غربا، جمعها إرث حضاري وتاريخي وثقافي، بل ونضال ومصير مشترك. وهي بما يربطها من وحدة لغوية وجغرافية واقتصادية، قدرها الإنضواء في دولة موحدة، تجعل من رفضها لسياسات الإستعمار وقاعدته إسرائيل رفضا إيجابيا غير منفعل، أدواته ومقوماته عمق الأمة، حين تضع ثرواتها وامكاناتها ومواردها ومورثاتها مجتمعة في خدمة هذا الرفض، بما يضمن لها تحقيق الحرية والتقدم والتطور.

كما انطلقت من التسليم بأن الحرية التي يسعى إلى تحقيقها كل قطر على حدة، تصطدم بمعوقات ومآزق تجعل من الحديث عنها مجرد طنين لا تربطه بالواقع أية صلة، طالما أن الأمة لا تزال ممزقة والسيادة الإقتصادية بيد الأجنبي. ذلك أن الحرية بالمعنى العميق والشامل هي التي تبلغها الأمة من خلال هيمنتها على مقدراتها، وبنائها لقدراتها الذاتية. والوحدة بهذا المعنى، لا تمنح العرب قوة اقتصادية وسياسية هائلة فحسب، ولكنها أيضا تحدث تغيرا في شكل العلاقة بين هذه الشعوب وحكوماتها، مما يجعلها أكثر شرعية وأمانا.

وكان تنامي التأييد لفكرة العدل الإجتماعي لدى قطاع واسع من الشعب العربي، قد منح زخما جديدا لفكرة الوحدة، حين ربطها بموضوع التنمية الإجتماعية والإقتصادية، والتخطيط الشامل الذي يلتزم بتنفيذ الأولويـات من المشاريع التي تستجيب للحاجات الأساسية للأمة، وترفض أن تكون التنمية حاصل الفوضى ومضاربات الحرية الإقتصادية. هكذا تفاعلت الطرق وتساوقت في الحركات الشعبية المحلية أثناء المواجهة مع القوى الإستعمارية، تبعا لمستوى النمو الإجتماعي والإقتصادي في الأقطار العربية من جهة، ونوعية الإستجابة في المواجهة من جهة أخرى.

وما كان لهذا الجدل الفكري العربي أن يجد بيئة أكثر ملاءمة من بلاد الشام. فمنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غدا الهلال الخصيب مركزا لحركة النهضة التي تصدت للإحتلال التركي، ومنه انطلقت الحركة الشعبية التي هيأت لاندلاع الثورة من الحجاز ضد العثمانيين. وفيه حدثت أول مواجهة عسكرية بالمشرق العربي مع الإستعار الفرنسي في معركة ميسلون. وكان من أكثر الذين تضرروا بالحدود التي رسمتها بريطانيا وفرنسا بموجب اتفاقية سايكس بيكو، حيث لم تضع تلك الإتفاقية أي اعتبار للحقوق التاريخية والطبيعية لشعوب المنطقة. وكان الشعب يرصد عن قرب التطبيق العملي للبرنامج الصهيوني لاغتصاب فلسطين بعد الشروع في تنفيذ وعد بلفور.

كان قدرك أبا على وأنت تعبرعن رفضك الرضوخ للصهاينة الذين اغتصبوا الأرض وحاولوا تجريد شعبك من هويته أن تكون جزءا من تلك المرحلة وأن تلتحق بالقافلة. وكان انتماؤك لحركة القوميين العرب في منتصف الخمسينيات تعبيرا عن ذلك الرفض. لقد كانت الحركة في شعاراتها الثلاثة: الوحدة والتحرر والثأر تستجيب لما يفتعل في نفسك من غضب وتوق للتحرير واستعادة الأرض. ومن خلال العمل المنظم اكتشفت أباعلي طاقاتك وإمكاناتك النضالية وأخذت تتدرج، ضمن كوادر الحركة من موقع إلى آخر.. مجسدا في مسلكك صلابة نادرة وجرأة كبيرة وشجاعة وعزما لايلين وإصرارا بطوليا على تحرير فلسطين. وفي كل مراحلك، أثبت أبو علي أنك لم تكن من السياسيين الباحثين عن الكراسي والمناصب والألقاب، بل مناضلا فدائيا ومشروع شهيد.

وحين حدثت نكسة حزيران/ يونيو عام 1967 استأنفت مع عدد من رفاق دربك الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني. وقد شهدت تلك المرحلة تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكان لك شرف المشاركة في ذلك التأسيس، والقيام بقيادة الدوريات الأولى نحو فلسطين عبر الأردن، وإعادة بناء تنظيم المقاومة وخلاياها في الداخل، وتنسيق نشاطات الكفاح المسلح بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتولي مسؤولية العمل السياسي في الداخل، ثم أصبحت المسؤول العسكري لقوات الجبهة بالأردن عام 1971، وقائدها في المعارك في السنوات الأولى ضد الإحتلال. وفي المؤتمر الوطني الثالث للجبهة عام 1972 انتخبت نائبا للأمين العام الدكتور جورج حبش، واستمر ذلك حتى عام 2000، يوم انتخبت أمينا عاما للجبهة في مؤتمرها الوطني السادس.

وفي 20 أيلول/ سبتمبر عام 1999، عدت إلى فلسطين. وكان استشهادك في 27 آب/ أغسطس 2001 يوما جللا للفلسطينيين ولحاملي لواء الحرية في كل مكان. لقد وقفت أباعلي، منذ البداية، كما وقفت الجبهة التي تنتمي إليها ضد مسيرة التسوية، واعتبرتها خروجا على الثوابت الوطنية. وكان إلحاحك مستمرا على التمسك بتحرير كامل التراب الفلسطيني، من النهر إلى البحر .. آمنت به خطا استراتيجيا ثابتا في النضال ضد الصهيونية.

ولذلك زمجر صوتك ضد اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو. فقد كانت تسليما للصهاينة في اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها. حيث كانت اتفاقيات كامب ديفيد أول اعتراف عربي رسمي بمشروعية الكيان الصهيوني، شكلت خروجا فاضحا على الإجماع العربي، وعزلت مصر عن عمقها الإستراتيجي، وغيبت دورها القومي. أما اتفاق وادي عربة فحقق للكيان الغاصب الأمن على معظم أجزاء الجبهة الشرقية، إضافة إلى الإستيلاء على غور الأردن ومنطقة الباقورة الإستراتيجية، ومنح اعترافا كاملا بوجوده وحقه في تقرير مصير الأماكن المقدسة التي تجري انتفاضة القدس الشريف الآن تحت راية الدفاع عنها. أما أوسلو، فقد دللت الأحداث التي أعقبت التوقيع عليها أنها لم تكن سوى مرحلة في المخطط الصهيوني هدفت إلى قيام كانتونات تحشر فيها الأعداد الضخمة من مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة، وتؤسس فيها شرطة مهمتها قمع المقاومة الفلسطينية الباسلة وترويضها نيابة عن جيش الإحتلال الإسرائيلي.

لقد أثبتت الأيام سلامة نهجك.. كنت أبا علي تقترب مع استمرار الإنتفاضة، رويدا رويدا، بابتهاج وإرادة فولاذية من تحقيق هدفك. وحين رأيت النجوم قريبة منك تحركت في هدوء مستعدا لجمعها في سلاتك. لكن قوات الإحتلال الجبانة راعها هدوؤك وإصرارك وعنادك. فانقضت عليك بغربانها، لتسفك دمك، ولتبعثك من جديد شهابا صاعقا يقض مضاجع قوات الإحتلال، ونجما لا معا يشع فوق أرض السلام. المجد والخلود للشهيد.

نم وادعا أبا على فلن يستطيعوا بعد الآن نفيك عن فلسطين.

* كاتب سعودي أكاديمي متخصص في السياسة المقارنة


[الصفحة السابقة]