أبو علي مصطفى لو كان حاضراً...

كم تبدو المسافة الممتدة بين استشهاده وحتى اللحظة كثيفة وخاصة. مساحة شاسعة، ومع ذلك فإنها لم تترك لنا هامشا أو وقتا صغيرا للحزن. مليئة بالموت الكثيف إلى الدرجة التي لم تعد فيها ممارسة الحزن الطبيعي وأي حزن أمراً ممكنا. لقد عم الموت الفلسطيني كلي شيء، البيوت، الشوارع، الحارات. وداع الشهداء يبدو نهرا لا ينقطع، ومعه كادت أن تختفي كل الخصوصيات والتفاصيل مع أن كل شهيد من حقه أن يكون مميزا وخاصا.

بسرعة تطول قائمة الشهداء إلى الدرجة التي كنا نشعر وكأن من استشهد قبل أسبوع قد فقدناه منذ زمن بعيد. إلا أن الذاكرة المتيقظة للدم، الأطفال، تتخطى حاجز الزمن وتستحضر مع كل شهيد حكايتها وحزنها الخاص.
وأمام الموت الاستثنائي نكون أمام أبو علي، ماذا يمكننا أن نكتب أو نقول... المسألة ليست بحثا عن لغة مناسبة، تستقطب الأسى، خاصة وأننا معروفون بالرثاء والمديح، ومن شدة الانجذاب نكاد ننسى موضوع الرثاء أو المديح.

سقط أبو علي في غمرة الفعل، سقط وهو يبحث عن زاوية مناسبة للدفاع والهجوم. كانت الانتفاضة تتخطى ذاتها، عينها شاخصة نحو أفق الأهداف الكبرى، وهنا بالضبط تتجلى قدرة القيادة وحدة بصيرتها.

منذ يوم استشهاده والأسئلة تواصل طرح ذاتها، الأحداث تتوالى عاصفة والشعب يتألم، ينزف، ومع ذلك يواصل التمرد، يعلن الموقف بأقل الكلمات وأكثرها وضوحا، ليرحل الاحتلال بالكامل.
تتشابك المشاهد فلسطينيا، عربيا، ودوليا، لكنها تحملنا دائما إلى البديهيات، إلى لحظة الفعل والتأمل الثوري التي كان سيقفها قائد من طراز أبو علي مصطفى، ماذا كان سيفعل لو كان حاضرا...؟

قد يقول البعض ساخراً: وهل تنتظرون الإجابة من الشهداء؟
نعم، فدمهم أول من له الحق بالحديث، وإلا لما كان لاستشهادهم معنى، وإلا لكانت مغادرتهم بهذه الصورة المشرفة والفذة نوع من عبث.
ولهذا يواصل الناس، الأمم قراءة تاريخهم، حتى لا يدفعوا ثمن الخطأ الواحد مرتين أو عشرين.
المرحلة شديدة التداخل والعدو يهاجم من كل الاتجاهات، لا يترك لحظة لالتقاط الأنفاس، ولهذا فإن ثمن الأخطاء البسيطة باهظ جدا.
والشعب الفلسطيني بالرغم من إرادته، صموده، صلابته، لا يملك ترف تبديد الطاقات التي يملكها وهي في كل الأحوال محدودة مقارنة مع استحقاقات الصراع.

ما يثير الانتباه في هذه اللحظة الضاغطة جملة من الثوابت التي بقي أبو علي مصطفى متمسكا بها حتى وهو يواجه النقد والتبرم. لا بد من إعادة استذكارها الآن، وما يواجهه الآن يعطيها دفقا حيا، وكأننا بأبي علي كان يحاول أن يرتقي بالرؤية والسياسة إلى مستوى الاستغراق، كان يحاول الارتقاء بالممارسة السياسية وانقاذها من مستنقع وعي الفكر اليومي، يحاول الابتعاد بها من منطق رد الفعل.

قاد أبو علي محطات الحوار الوطني، رغم كل ما رافقها من قراءات وانتقادات، وها نحن نجد أنفسنا أمام هذا الاستحقاق صباح مساء، كان يدرك أن الحوار هو المدخل لحصر التناقضات وضبطها، ليس هبوطا وإضاعة للتخوم، بل لأن التناقضات مع العدو كانت تدفع نحو الصدام الشامل، والآن نجد أن الحوار الوطني هو بحد ذاته نوع من مقاومة.

ورغم كل التحليلات لطبيعة القوى السياسية، الاجتماعية، إلا أن أبو علي مصطفى كان يلح على أولوية ترتيب البيت الفلسطيني، كان يدرك أن هذه السياسة ستكون الصخرة التي ستتحمل كل الضغوطات، والا فإنها ستعصف بكل شيء، كان يدرك أن جولة الصراع الدامي قادمة، ولهذا يجب أن يكون البيت الفلسطيني مهيأ بالحد الأدنى.
كان أبو علي يدرك تداخل البنى السياسية وتعدد مراكز القرار ومحاولات الاحتلال إعادة صياغة الوضع الفلسطيني بما يمهد لتمرير سياساته، ولهذا كان يضغط للحفاظ على م.ت.ف كخط الدفاع الأساسي، باعتبارها المرجعية الرئيسية للشعب الفلسطيني. الآن ونحن نشاهد المحاولات المحمومة لشطب م.ت.ف ندرك عمق هذه النظرة رغم كل ما يقال عن م.ت.ف.
وحدة القوى الديمقراطية، القطب الديمقراطي كانت ثابتا آخر في عقل وممارسة أبو علي مصطفى لأنه كان يعرف أن حفظ التوازنات في الساحة الفلسطينية يحتاج فعلا لقوى أو كتل سياسية نستطيع أن تحفظ البناء الوطني عندما يتعرض لانجرافات أو ضغوطات أو اهتزازات لا تحتملها أولا تستطيع صدها القوى الصغيرة أو المبعثرة.
وأخيرا لقد جاء استشهاده المبكر كأهم قائد سياسي ليضيء ألف ضوء أحمر لتأخذ جميع القيادات والكوادر والمناضلين حذرهم أمام عدو ليس عنده خطوط. ومع ذلك، يبدو أننا لم نتعلم الكثير.
لو كان أبو علي حاضرا لصرخ، لماذا يصدرون تكرار الأخطاء ذاتها؟ ألم يكن دمي كافيا!.


[الصفحة السابقة]