ذكرى رحيل أبو علي مصطفى

منذ عقود ثلاثة أو يزيد كان اسم أبو علي مصطفى يعكس في الذهن صورة غيفارية لمناضل منحدر من أصول فلاحية بسيطة مع ما يرافق هذه الصورة من صلابة واصرار رافقت نماذج نضالية معينة فالتصقت بهم تعززها من حين لآخر أخبار الثورة ومسيرة النضال الوطني الفلسطيني في محطات المواجهة والقتال ومسيرة ضد الاعداء وأعوانهم وفي محطات الخلاف الداخلي الفلسطيني والازمات التي شهدتها الساحة الفلسطينية ليس أولها التباين ازاء مشاريع التسوية وانشقاق الساحة الفلسطينية وحوارات يراع وعدن والجزائر وصولا للوحدة الوطنية وليس آخرها الانقسام السياسي نتيجة أوسلو وما رافقها من تفاعلات.

كان هذا حيث عرفت أبا علي اسما وصورة ترتسم في الذهن حتى كانت العودة لأتعرف الى رفيق قل نظراؤه . لا يقال هذا بعد استشهاد أبي علي لكنه حقيقة تلمسها كل من تعامل مع الرفيق الشهيد ، فكان تجسيدا متقدما لصورة ارتسمت من بعيد ولتزيد العلاقة المباشرة أبا علي مكانة واحتراما لكل من تعامل معه وافقه الرأي أم خالفه.

ما ان عاد أبو علي الى أرض الوطن حتى كرس الصورة الحقيقية للقائد الثوري دون أن تهتز صورته كما حدث مع آخرين حين كانت الجغرافيا عاملا حاسما في تحديد المواقف هكذا كان منذ اللقاء الاول بسيطا واضحا "عدنا لنقاوم لا لنساوم" في اللقاءات المقلصة والموسعة والاحتفالات الجماهرية في سرية رام الله التي شهدت استقبالا حافلا له لتشهد فيما بعد تأبينا له بعد استشهاده كان واضحا وفي قاعة مدرسة الفرندز وفي ساحة المنارة وشوارع رام الله في المسيرات الجماهيرية كانت حياته " على راحته ملقيا بها في مهاوي الردى" كان داعيا للمقاومة والتصدي للمستوطنين ، جريئا لا يعرف الخوف لدرجة اتهامه بالتهور وعدم أخذ الاحتياطات الامنية ففي أول قصف اسرائيلي جوي لمخفر شرطة رام الله كان أبو علي في مقدمة الصفوف أمام مخفر الشرطة والطائرات ما زالت في الجو من أجل رفع معنويات الشعب واحدا من قادة قلائل تجاوزوا في حينه كل الاعتبارات حتى تبقى معنويات المناضلين والشعب واستعداداتهم في أقصى درجات الاستعداد.

وفي سياق الحوارات لتشكيل تجمع ديمقراطي والتي تواصلت لوقت غير قصير كرس أبو علي مصطفى وقتا وبذل جهدا متواصلا كي ترى الفكرة النور ، عرفته خلالها محاورا طويل النفس صبورا يستمع لكل صغيرة وكبيرة ويقدم رأيه بكل هدوء أو يلخص مجملا حين يترأس الجلسة دون أن يحاول تمرير فكرة غير مثقف عليها ، يختلف معك ويبدي مرونة عالية في التعاطي مع ما تطرح ويبحث جاهدا للوصول الى القاسم المشترك ، لكن هذه المرونة كانت تخنزن خلفها صلابة على المبدأ وعدم مساومة على القضايا المصيرية ، في اعتقادي ان غياب أبي علي كان عاملا هاما الى جانب عوامل أخرى في عدم وصول الفكرة الى بر الامان.

وبعيدا عن الفلسفة النظرية والجمل الثورية غير ذات الدلالة كان أبو علي يقدم الامور كما هي سواء تعلقت به أو بالاخرين يحب الجوانب العملية ، الحيوية المرح الذي يتسامى من خلاله على آلام المرض ومشقات الحياة.
هكذا كان أبو علي صورة في الذاكرة عبر معارك الصمود والمقاومة وقائدا مقداما يتقدم الصفوف رمزا فلسطينيا في كفاح الشعب الفلسطيني في ثورته المعاصرة وقبل ذلك ومعه قائدا قوميا ترك بصماته وتقديره واحترامه على الساحة العربية والعالمية من خلال دوره القومي والاممي.

بفقد أبي علي لم تفقده الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحدها بل فقدته الحركة الوطنية الفلسطينية وحركة التحرر العربية في وقت أحوج ما نكون فيه لقادة أوفياء مبدأيين . "ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر" ، أقول لو قدر لأبي علي أن يواصل نضاله لأضاف الى رصيده النضالي الكثير ولأضاف للنضال الوطني والتحرري أكثر .

اختار أبو علي درب النضال فكان مشروع شهادة طوال ما يقارب الخمسة عقود الى أن تحقق هذا المشروع وهو في ذروة عطائه ليقضي واقفا مستعدا للمجابهة حتى لو كانت أسلحة المقاومة غير متكافئة وأسلحة العدو، قضى رفيقا رمزا خالدا فظل ليس ذاكرة وحسب ولكن تضحياته وبطولاته وأفكاره ومواقفه منارة تهدي المناضلين الى دروب الاستقلال الوطني وعودة اللاجئين وستبقى كلماته في المناسبات الوطنية ترن في آذاننا تدفعنا لمواصلة الانتفاضة والمقاومة " هذه المرة آخر مرة" اطلقوا النار على رؤوس المستوطنين وجيش الاحتلال كما كانت كلمات كنفاني رفيق أبي علي في النضال وفي الشهادة " لماذا لم يدقوا جدران الخزان"
له الخلود حيا وشهيدا

عمر عساف


[الصفحة السابقة]