أبو علي مصطفى
مدرسة ثورية في الوطنية والعطاء والصمود ونكران الذات

*بقلم :صالح رأفت
حبيبنا أبو علي مصطفى، ها هم أهلك وأبناء وبنات بلدتك عرابة وإخوانك وأخواتك ورفاقك ورفيقاتك والأصدقاء من عموم أنحاء فلسطين يجددون العهد لك في الذكرى الثانية لاستشهادك ولكل الشهداء بأنهم جميعاً على العهد باقون ومستمرون بالكفاح والانتفاضة والمقاومة الشعبية حتى تحقيق أهداف شعبنا التي ناضلتم واستشهدتم من أجلها، لإنهاء الاستيطان ودحر العدوان والاحتلال الإسرائيلي عن جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلت في الخامس من حزيران عام 1967 وفي مقدمتها القدس،وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس،وتأمين حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها.
أخي ورفيقي وصديقي الأعز، رحلت جسدياً عنا ولكنك ما زلت حياً فينا وبيننا، ترفرف روحك الغالية فوق رؤوسنا كل يوم، ونراك في كل لحظة: في اجتماعاتنا، وفي مقدمة المسيرات الشعبية، وجنازات الشهداء، ونستمع لصوتك الجَهوَريّ الصادق / الواثق على دوار المنارة، وفي المهرجانات والاحتفالات، ونلقاك دوماً لدى زياراتنا لعائلات الشهداء والأسرى وللجرحى في المستشفيات.

لقد خسر شعبنا وحركته الوطنية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قائداً وطنياً وشعبياً كبيراً متمرساً في النضال الوطني؛ قائداً شجاعاً وسياسياً محنكاً، اتسم بدماثة خلقه، ورحابة صدره، وبسعة أفق كسعة مرج ابن عامر، وكان مقداماً وصلباً كصلابة صخور عرابة، وكان دوماً يتقدم الصفوف. كان يغلب المصالح الوطنية العليا لشعبنا على أية مصالح فئوية أو شخصية، وكان رجل حوار حريصاً على تعزيز وحدة شعبنا وقواه ومؤسساته، وكان مخلصاً لأفكاره وعنيداً في الدفاع عنها ويتفانى من أجل تحقيقها، وكان صادقاً ومعطاءً مخلصاً لأصدقائه ورفاقه يمتاز بنكران الذات ويكره النفاق والوساطة، ويحارب الامتيازات وينأى بنفسه عنها وعن مغرياتها، واشتهر بالأمانة وبالدفاع عن المال العام ومحاسبة كل من كان يتطاول عليه، كان متواضعاً وبسيطاً كغالبية أبناء شعبه، حيث كان ملتصقاً بهم يحبهم ويتفانى في خدمتهم. سيرته كانت وستبقى ناصعة كبياض الثلج، عاش وناضل واستشهد وهو نظيف اليد واللسان متمسكاً بمبادئه وقيمه المعروف بها في الجبهة الشعبية وفلسطين وفي عموم الوطن العربي.

استهدفته إسرائيل؛ لأنها اعتقدت واهمة بأنها ستتمكن من توجيه ضربة قاصمة للانتفاضة باغتيال أبي علي مصطفى، القائد التاريخي في الثورة الفلسطينية المعاصرة، والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولكن رد شعبنا كان عظيماً على جريمة الاغتيال الجبانة عندما نزلت الجماهير الفلسطينية بمئات الآلاف في عموم أنحاء فلسطين والمخيمات الفلسطينية في بلدان المهجر والشتات تودع قائدها، وأمت بيوت العزاء التي فتحت في عموم أنحاء البلاد وفي التجمعات الفلسطينية في الشتات. وعبرت هذه الجماهير عن تقديرها الكبير للرفيق الراحل ولدوره البارز والتاريخي في كفاح شعبنا وعاهدته على التمسك بنهجه الثوري والسير على طريقه؛ بمواصلة الانتفاضة والمقاومة الشعبية حتى تحقيق الأهداف التي ناضل واستشهد من أجلها.وعزاءنا بفقدان القائد الكبير أبي علي مصطفى بأنه سيخرج مجدداً من صفوف شعبنا والجبهة الشعبية العشرات والمئات والآلاف الذين سيتمسكون بالقيم والمبادئ والأهداف التي ناضل واستشهد من أجلها الرفيق القائد الوطني والقومي الكبير أبو علي مصطفى.

وبذلك نحن على ثقة بأن الأهداف التي توختها إسرائيل من وراء اغتيالها للرفيق أبي علي مصطفى قد باءت بالفشل الذريع؛ فالانتفاضة والمقاومة الشعبية تواصلت بعد استشهاده؛ مثلما تواصلت الانتفاضة الكبرى عام 1988 عندما اغتالت إسرائيل القائد الوطني الكبير الشهيد خليل الوزير ( أبو جهاد ) نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح.

يا حبيبنا أبا علي فارقتنا على عجلٍ، وقبل الأوان؛ وفي أحلك الظروف، ونحن في أمس الحاجة لك ولأمثالك؛ فالعدوان والحصار الإسرائيلي يتواصل على شعبك، والضغوط الإسرائيلية والأمريكية والإقليمية تزداد على شعبنا وقيادته لوقف الانتفاضة وللاستسلام للشروط والاملاءات الإسرائيلية والأمريكية، حتى تتفرغ الولايات المتحدة الأمريكية لتكريس احتلالها للعراق الشقيق؛ ولتكريس وجودها العسكري في الخليج العربي وعموم المنطقة العربية وآسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين لإحكام سيطرتها وهيمنتها على هذه المناطق الزاخرة باحتياطي كبير من النفط والغاز، ونظراً لتحكمها بممرات مائية وجوية عالمية استراتيجية.
رحيلك المبكر جنبك رؤية عودة الاستعمار القديم الى منطقتنا العربية تحت راية الامبريالية الأمريكية، وشعبك الأبي والوفي الذي يواصل كفاحه الوطني ضد الاحتلال الإسرائيلي ومن اجل تحرير وطنه يعرب عن إدانته الشديدة للاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق الشقيق. ويحذر من خطورة مواصلة أميركا وبريطانيا احتلال العراق وتوسيع حربها لتشمل دولاً ومنظمات أخرى في منطقتنا كلبنان وسوريا وإيران.

ان جميع شعوب المنطقة وقواها الحية مدعوة، لممارسة الضغوط على حكوماتها لطرد القوات الأمريكية من بلدانها،وعلى مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة التدخل لإنهاء الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق الشقيق. وعلى الإدارة الأمريكية مراجعة سياسة الغطرسة والهيمنة والقوة التي تمارسها ضد شعوب ودول العالم، وبخاصة تجاه شعبنا، ووقف سياستها المنحازة للاحتلال والعدوان الإسرائيلي، والتي هي من الأسباب الرئيسية لازدياد حالة الكراهية والعداء والحقد على أميركا ومصالحها في المنطقة العربية والعالم.

وعلى قيادة م.ت.ف والسلطة الوطنية الفلسطينية وكل قيادات القوى والمؤسسات والفعاليات والجماهير الشعبية الحذر واليقظة في هذه الأيام التي تستعد فيها حكومة شارون لنسف الهدنه ولتوسيع حربها العدوانية على شعبنا ومن أجل القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية. كما ندعو الجميع إلى صون وتعزيز الوحدة الوطنية التي رسختها الانتفاضة، وعدم السماح لأي كان بالعبث بها وتفسيخها، والامتناع عن القيام بأية أعمال قد تلحق الضرر بالمصالح الوطنية العليا لشعبنا في هذه الظروف الخطيرة والحساسة، وتحريم اللجوء للسلاح في حل الخلافات الداخلية باعتبار الدم الفلسطيني خطاً أحمراً. وعلى السلطة الفلسطينية ان تطلق سراح جميع المعتقلين لديها فوراً وفي مقدمتهم الرفيق أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وإلى مقاومة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الهادفة إلى تصدير الأزمة إلى داخل الصف الوطني الفلسطيني وزرع الفتنة والشقاق بين أبناء الشعب الواحد، وإلى مواصلة العمل على الصعيد الدولي من أجل ضمان تدخل عاجل من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي للجم العدوان الإسرائيلي ولفك الحصار الظالم ولحماية شعبنا ولإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وفي مقدمتها 242 ، 338،1397 ،194 لوضع حد نهائي للاستيطان والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 67 ولتمكين شعبنا من إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بعاصمتها القدس وفق حدود الرابع من حزيران عام 67،وتأمين حق اللاجئين في العودة الى ديارهم وممتلكاتهم.

أيها الرفيق العزيز أبو علي مصطفى، ستبقى خالداً في ذاكرة كل طفل وامرأة ورجل: في عرابة وعموم أبناء وبنات شعبك في البلاد والشتات؛ ستبقى نبراساً هادياً لرفاقك ورفيقاتك في الجبهة الشعبية وعموم الفصائل والقوى الوطنية والديمقراطية ؛ فقد أورثتنا تاريخاً وتراثاً كفاحياً ناصعاً لن نحيد عنه وسنواصل الدرب حتى تحقيق أهداف شعبنا التي ناضلت واستشهدت من أجلها.

المجد والخلود لك يا أبا علي، ولكل الشهداء الأبرار الذين عاشوا وناضلوا من أجل فلسطين واستشهدوا في سبيل حريتها.

*الأمين العام للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني "فـدا"


[الصفحة السابقة]