|
ابو علي شهيدا وشاهدا
جميل مجدلاوي
في أول لقاء لي مع أمي بعد استشهاد رفيقنا الغالي قالت لي : يسلم خاطركم
يمّه ... والبركة فيكم إنت ورفاقك ... ثم أردفت دامعة: يا حسرة يامة ...
والله أبو علي ... أبو علي بصحيح ... سبع وقليلين أمثاله.
في حضرة الموت النبيل ، لا يسعنا إلا أن ننحني إجلالاً
وإكباراً لكواكب الشهداء الذين ساروا على دروب الحرية ورووا بدمائهم تراب
الوطن ...
شهداؤنا ، أبطالنا ،،،
نتذكركم دائماً ، فأنتم النّفر منا الذي أكد موقفه بفعله ، وأي فعل ، فإذا
كان للموت مهابته ، فإن للشهادة طهرها وعلوّ صعودها ...
إنها الخيار الواعي الذي يصعد بصاحبه إلى مصاف الصادقين ، الصديقين ، الذين
ما كانوا في حياتهم عابرين ، ولن يكونوا بعد استشهادهم منسيين ...
من هؤلاء ، أبو علي مصطفى ، الذي صار منذ عام فارساً
للشهداء بعد أن كان على مدى عقود ماضية رمزاً متميزاً من رموز مرحلة كفاح
وزهو فلسطينية ، صنعها مع إخوة ورفاق منهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ،
صنعوها جميعاً من خلال مواجهة مستمرة مع الموت ... والموت هنا ، هو الموت ،
الموت ، وهو كل ما ينطوي عليه الكيان الصهيوني من فكر ، وممارسة ، وواقع
ومفردات أن يُمضي رجل كأبي علي مصطفي في مواجهة هذا الموت الذي حلّ ببلادنا
، يعني وكأنه كان على موعد منذ ولادته ...
لقد كانت حياته كلها صعوداً نحو الموت الذي اختاره ،
فجاء إلى الوطن كي يصعد فيه إلى المواجهة ، فاختار مكان استشهاده في أرض
الوطن الأكثر دفئاً ، فتوحد باستشهاده مع الوطن والحياة ، وجعل من موته
ميلاداً وانبعاثاً لآلاف وآلاف من الرفاق والمناضلين ...
في السابع والعشرين من آب أغسطس 2001 ، زُفّ إلى فلسطين ، فارسٌ غنى له كلّ
الوطن ... كل أبناء الوطن ... ونُصبت لعُرسِه الزيناتُ في أربعِ أرجاءِ
الأرض ... على مدى الدمع الفلسطيني ، والدم الفلسطيني ... وهل من مكان في
هذه الدنيا لم تغسلهُ دمعةٌ أو قطرةُ دمٍ فلسطينية ؟!
نزفُّ عريسَنا في العادة على صهوة حصان ... لكن عريسنا
امتطى هذه المرة صهوةَ صاروخين أراد الصهاينةُ أن يكونا نهاية لحياة رفيقنا
، قائدِنا ، شهيدنا ، أبو علي مصطفى ...
وإذا بروح شهيدنا البطل ، تمتطيهما ، لتحلق عالية ... عالية ... تطوفُ كلّ
سماءِ الوطن ، تنيرُ كل سماء الوطن ...
وإذا بقمر الشهداء ... يطل على كل وادٍ وكل سهلٍ ، وكل جبل ، يأخذ مكانه
بين الكواكب والنجوم التي تطرز سماء فلسطين ، وتطل على كل الأرض العربية ،
شهيدة وشاهدة تدافع عن بلاد العرب ، ومقدسات العرب ، تنير طريق الحرية
والاستقلال والعودة ، طريق صونِ كرامة هذه الأمة.
سيقرأُ أحفادُنا في يومٍ من أيام التاريخ القادم ، أن
هذه البلاد قد شهدت غزوة استعمارية صهيونية ، أقامت لها كياناً على أرض
فلسطين أسمته إسرائيل ، وكانت إسرائيلُ هذه مدعومة من كل قوى الاستعمار
والعدوان ، لتكون سوطاً يلهب وجه وظهر هذه الأمة ، وتستنزف قواها ، وتمنع
وحدتها وتقدمها.
وسيسجل التاريخُ ، أن شعبنا قاوم هذه الغزوة الاستعمارية الصهيونية ...
وأنه قدم آلاف الشهداء جيلاً بعد جيل.
ستقرأ أجيالٌ قادمة ، في سِفْر هذا التاريخ صفحاتٍ مجيدة ، تحكي قصة
انتفاضة القدس والأقصى ... انتفاضة الحرية والاستقلال والعودة ... ومن بين
هذه الصفحات ، سيطل وجه شهيدنا قائدنا البطل ، الرفيق الأمين العام قمر
الشهداء أبو علي مصطفى.
انتمى شهيدنا شاباً لم يكمل السابعة عشرة إلى حركة
القوميين العرب وأمضى في سجن الجفر الصحراوي الشهير خمس سنوات ... إزداد
فيها قوة وصلابة وقناعة بأن النضال الدؤوب والمنظم هو الطريق لاستعادة
الكرامة والوطن والحقوق.
خرج من الجفر ليقْدم دون تردد أو ارتباك على إعادة بناء وتنظيم خلايا
الحركة وليكون مسؤولاً عن منطقة شمال الضفة وهو في أوائل عشرينات عمره ...
وظلت حياته سيرة كفاح متواصل ... ليتكرر اعتقاله عام 1966 ، وليخرج من
السجن على أبواب نكسة حزيران ، فيمسك بزمام المبادرة ، ويكون من مؤسسي
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ويدخل إلى الأرض المحتلة ويشارك ويشرف على
تأسيس الخلايا الأولى للجبهة في الداخل.
أبو علي مصطفى :
* صلب كالصخر ، ولكنه الانسان الطيب ، الدافئ ، الحنون ، حلو المعشر.
* القائد المقاتل الذي خاض كل معارك الثورة الفلسطينية ودائماً من خندق
الاشتباك الأول ، القائد الذي كان يقول دائماً اتبعوني.
* النزيه والصادق ، الجرئ ، الواضح ، السهل الممتنع.
* النظيف ، والزاهد زهداً صوفياً قلّ نظيره
قابلته أول مرة في صيف عام 1968 وكان قادماً إلى
القاهرة للمشاركة في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني ، وعندما
دعوناه لنجلس معاً في كافتيريا المطار رفض ، فجلسنا على المقاعد الخارجية
في مطار القاهرة ، هذا كان أول لقاء تشرفت فيه بمعرفة القائد وجهاً لوجه ،
وودعته لآخر مرة في صيف العام 2000 بعد أن حضر جلسة المجلس المركزي ، وكان
آخر عشاء تناولناه معاً ، سندويتشات فلافل من أبو السعيد ...
وظل أبو علي ، على مدار ما يزيد عن الثلاثين عاماً بين
مقعد في مطار القاهرة الدولي ، وفلافل أبو السعيد هو ، هو المناضل الكبير ،
البسيط ، والمتواضع ، نظيف اليد ... رغم كل المياه التي جرت في نهر الحياة
، ورغم الثروات التي جرت وتجمعت في جيوب وأرصدة الكثيرين ، ظل أبو علي هو ،
هو النظيف النزيه.
* أبو علي قائدٌ يحترم المؤسسة وينضبط لقرارها ، كان له رأياً واضحاً في
اتفاقيات أوسلو وكل ما يترتب عليها من نتائج ، وعندما صدر القرار بعودته
للوطن ، قال أعود إلى خندق الاشتباك المتقدم ، وهكذا فعل.
* كان وحدوياً ، ولكنه كان واضحاً وحازماً ، فالوحدة لا تقوم إلا على أسس
وطنية ، وفي إطار مؤسسة محترمة وديمقراطية.
* كان متواضعاً ، في حياته ، وفي نضاله ، فلم يكن يتعالى عن أي مهمة.
* حاسماً ، وحازماً ، ولكنه ديمقراطياً ، يتمتع بميزة الاستماع الهادئ ،
الصبور ، يحترم الرأي الآخر ويتأثر به ، ويؤمن إيماناً عميقاً بنسبية
الحقيقة.
* كان أبو علي ، التجسيد الملموس لصلابة الكادحين ، وإبداعهم عندما يمتلكون
رؤية الثورة وعلمها ، وقد أصبح رفيقنا ، قائدنا ، وأميننا العام عن استحقاق
وجدارة ، وهو القادم من صفوف الفقراء. لم يتجاوز المرحلة الثانوية ولكنه
آمن أن الثورة علم وعمل ، فدرس علم الثورة وأبدع فيه.
أخى ، ورفيقي ، وصديقي ، وقائدي أبو علي:
ستظل حاضراً فينا ، في كل رفاقك ، واخوتك ، في كل المناضلين الفلسطينيين في
كل المناضلين العرب ، في كل المناضلين من أجل الحق والعدل والسلام والتقدم
في هذا العالم.
لقد توحد فيك أيها الرفيق العزيز الحقُّ والفكرُ والقولُ والعملُ
لقد أراد المجرمون باغتيالك أن ينالوا من روح الشعب ، من روح الانتفاضة
والمقاومة ، فتواصلت الانتفاضة ، وتصاعدت المقاومة ، وأقسم رفاقك ،
والمناضلون والمجاهدون على اختلاف طيفهم ، أن دماءك دين في أعناق الجميع.
أرادوا باغتيالك أن يربكوا الجبهة ... فكانت المؤسسة
التي كنت أحد أبرز بناتها ، هي صمام الأمان ... وضمان الاستمرار والتواصل
... ولكن هيهات، فهم الاعرف بالجبهة، لكنهم يغرسون رؤوسهم في التراب، كم
محقق وجنرال تحطمت كل اشكال تعذيبه على صدر صخور الرفاق قادة وكوادر واعضاء
وحتى انصار؟ ليعودوا الى تقاريرهم حول هؤلاء الرفاق ليروا هزيمتهم. |