الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد القائد أبو علي مصطفى
الإرادة الوطنية والتضحية القصوى

أبو أحمد فؤاد
يتجلى القائد الفلسطيني الشهيد أبو علي مصطفى في أكثر من مكان وزمان لما تركه من أثر على مدار أربعة عقود ونيف من مسيرته النضالية، وعلى الرغم من مضي عامين على رحيله، إلا أنه حاضراً بقوة في ذاكرة الشعب الفلسطيني وأمته العربية، ذلك لما كان يمثله من إرادة وفعل ثوري حقيقي وما أضاف من نهج نهضوي لمشروع التحرر الوطني الفلسطيني، ومن معاني كبرى في الحرية والاستقلال. ومعروف عنه انه صاحب تجربة نضالية غنية راكمها عبر مسيرة الثورة الفلسطينية ، منذ انطلاقتها وقبلها من حركة القوميين العرب. وأبو علي الإنسان مأخوذ بالممارسة العملية، واستطاع منذ البدايات أن يؤسس لمنهجية نضالية، قوامها المبادئ والأخلاق، والفعل الثوري، وسرعان ما تحولت هذه المنهجية مع رفاقه ومعاصريه إلى مدرسة نضالية أرست بتأثيرها على الأجيال التي التحقت بالثورة وبالمشروع الوطني التحرري.

وفي المراحل المبكرة للمقاومة الفلسطينية عمل أبو علي على بناء الجهاز العسكري للجبهة وعمل على تطوير القدرات العسكرية، من بناء خلايا وجهاز مقاتل وكان يشرف بنفسه أحيانا على أجراء التدريب والبناء، وباعتباري كنت إلى جانبه في هذا الجانب ورافقته في مسيرته النضالية منذ عام 1967 حيث كان مسؤول اللجنة العسكرية للجبهة، وكنت في حينها عضواً في اللجنة العسكرية التي كان يرأسها الرفيق القائد أبو علي مصطفى. وكان أثناءها يركز باستمرار على وحدة الأداة واستراتيجية العمل المقاوم والقاعدة الأساسية الداخل، هذه العوامل جميعها تعزز من الفهم الصحيح لاختيار استراتيجية المقاومة وبالتالي يعمل على تطوير القدرات العسكرية في مواجهة العدو الصهيوني وعلى وجه الخصوص التركيز على تنشيط وتصعيد العمل العسكري في داخل الوطن المحتل ودعمه بالقدرات والإمكانات التسليحية .

أبو علي مصطفى كان أول من ترجم عملياً "شعار الداخل هو الأساس والخارج رديف مساعد حيث دخل الأراضي المحتلة في دورية عسكرية مسلحة ومكث في الداخل عدة اشهر وكان ذلك في البدايات وساهم في بناء خلايا عسكرية فاعلة ونشطة، وبعدها عاد إلى الأردن لمتابعة مهمته في بناء المؤسسة العسكرية للجبهة في الخارج والداخل وأبو علي مصطفى عانى في معتقل الجفر الصحراوي. وفي أواسط السبعينيات بقيت على اتصال مباشر معه لتداول الرأي حول الخط العسكري وتطويره باستمرار، آراءه كانت دائماً هامة وقيمة وفي إطار الاهتمام في هذا المجال، وكان مساهماً في التخطيط للعمليات الخاصة والعمليات النوعية معنا كدائرة عسكرية، ومع الرفيق الشهيد وديع حداد في ذلك الوقت.

وميزة أبو علي التواضع، لا يحب الظهور والمظاهر، وكان لا يهتم في الجانب الإعلامي الشخصي، بل كان يركز دائماً على بناء الحزب ومؤسساته وكان يدفع دائماً باتجاه إبراز القياديين عبر الإعلام أو أي مناسبات أخرى.
ومعروف عن أبو علي مصطفى انه كان ديمقراطياً إلى ابعد الحدود في الحوار الداخلي للجبهة حتى بوجود رأي آخر مخالف لرأيه وكان يمقت الممارسات الانحرافية بكل قوة وبكل حزم.
بإمكان المرء أن يجد في صاحب الروح القوية أبو علي مصطفى نموذجاً للتضحية، كان يتأمل في التجربة الكفاحية الفلسطينية والواقع الفلسطيني ويعمل على إنضاج الوعي السياسي فضلاً عن مطالبته الدائمة في العمل على تغيير واقع الهزيمة التي فرضتها حرب الـ67 على المجتمعات العربية، ويرى في الصراع العربي الإسرائيلي موضوعاً مركزياً للتحرر والتقدم الاجتماعي. وكان يرى في تنويع أشكال المقاومة رافداً قوياً من روافد دعم الانتفاضة بالنار، وتصبح المقاومة موضوعاً مركزياً في تفكير أبو علي مصطفى.

من المؤكد أن انشغاله في مقاتلة العدو الصهيوني قد دفعه إلى اعتماد خيار المقاومة في المواجهة والصراع، ذلك من أجل طرد الاحتلال، كان يرفض ويمقت اتفاقيات أوسلو المذلة وكل ما رافقها من كارثة وخاصة بعد انكشاف محاولات العدو الصهيوني في الاستمرار باحتلاله للأرض الفلسطينية رغم وجود اتفاقات أوسلو وملحقاتها، وبعد ذلك تابع الرفيق أبو علي مصطفى بكل جدية وتصميم وتركيز على خيار المقاومة والانتفاضة من أجل الوصول إلى الحرية والاستقلال الحقيقي وتصبح الانتفاضة برأيه المفتاح الذي يعيد كتابة القضية الفلسطينية في أبهى تجلياتها وأهدافها المنشودة في الحرية والاستقلال، وأبو علي مصطفى لا يقبل الخضوع أو المنطق الانهزامي يقاتل مع شعبه من اجل الكرامة الإنسانية والحقوق الوطنية الثابتة والمشروعة ويذهب مع الحقائق الإنسانية إلى اختيار الموقع والموقف الصحيح في إدامة المقاومة واستمرارها طالما العدو الصهيوني بقي جاثماً على الأرض الفلسطينية ويقضم الأراضي ويوسع المستوطنات، كل هذا يلزمه تصعيد المقاومة حتى تصبح المعادلة مختلفة. وان يدفع الاحتلال كلفة بشرية وثمناً باهظاً لاحتلاله، وكل ذلك بالنسبة لأبو علي ذا دلالة وأهمية بأن يستمر بالمهمة الصعبة، واختيار المقاومة طريقاً، ومن خلال إدراكه للواقع ومتطلبات الكفاح الوطني الفلسطيني والتحرر الوطني والإنساني عمل أبو علي على تصعيد المقاومة والانتفاضة وعمل على توسيع الفضاء الفلسطيني المنتفض، وكان ينظر على الدوام إلى مستقبل النضال الفلسطيني، ولهذا ذهب أبو علي مصطفى إلى الحدود القصوى من استنهاض الإرادة والوطنية.. ذهب إلى الداخل ليكون في موقع الصفوف المتقدمة على أرض المعركة التي كان يريدها أبو علي مصطفى معركة الحرية والاستقلال.

إن تجربة أبو علي مصطفى هي من ذاك النوع من التجارب الثورية الخالدة بأهدافها ودفع بروحه على مذبح الحرية والاستقلال وتمزق جسده أشلاءً عندما استهدفته طائرات الأباتشي الصهيونية الفاشية...الاغتيال بالصواريخ.
ذهب أبو علي في رحلة إلى الداخل، ليأخذ موقعاً بين شعبه فسقط شهيداً إنه ينتمي إلى عالم يحمل راية المقاومة والانتفاضة نحو النصر، عالماً يبشر بالحرية والاستقلال.


[الصفحة السابقة]