أبو علي مصطفى
يدخل ضيفا خفيف الظل ويغادر ضيفا خفيف الظل

في مكتب مجلة الهدف السابق، الطابق الأول - عمارة الكرمل الرابضة على شارع الارسال في مدينة البيرة، كان يفاجئنا بزياراته غير المنتظمة، دون سابق انذار.
في زيارات العمل الى مكتب المجلة الذي احتضن بعض اللقاءات أحيانا، يحل ضيفا خفيف الظل، ويرحل ضيفا خفيف الظل.
لم تك الطريق كما يحدث عند حلول رجال السلطة، أن تغلق في وجه حركة السير، ولم تمنع السيارات من التوقف بالقرب من مكان حلوله علينا.
هكذا كانت تتسم زيارت الشهيد أبو علي مصطفى أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لمكتب مجلة الهدف على مدار شهور صدورها في فلسطين منذ عقود مضت على صدورها في الخارج.
لا نعرف متى حل علينا، ولا متى غادرنا.

الحرس الشخصي أو الأدق تعبيرا الرفاق المرافقين له، لا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها حين يدخل العمارة، فلباسهم عادي، وهم ايضا غير مدججين بأسلحة الحراسة الخاصة التي عادة ما تكون بحوزة مرافقي شخصيات v.i.p التي رأيناها كثيرا في المؤتمرات الصحفية، أو اثناء تنقلاتها في شوارع المدينة بسياراتها الفارهة.
الرفيق أبو علي في الطريق اليكم، هكذا يقولون.
يفتح الباب بخفة، يدخل بخطى واثقة، متزنة، منتظمة.
لا أذكر انني شاهدته مرة، في غير بزته الاعتيادية الرمادية أو البيج، لا أعرف سبب ذلك، لكن كما يبدو كان في لباسه أيضا رجلا رسميا.
وقفت مرة بطريقة فجائية، كدت أتسمر مكاني، خلف المكتب اثناء عملي على جهاز الحاسوب، وهو يمد يده. وألقى التحية قائلا: على العافية رفيق.
هذه المرة الأولى التي شاهدته فيها عن قرب وناطقته وناطقني بسرعة كأنها البرق.
قلت: تفضل رفيق.

لم أقل حينها أكثر من ذلك، ولم أك قد حادثته من قبل.
سمعت عنه الكثير منذ صغري، أعرف اسمه الحقيقي، قريته، عمله، هجرته الى الخارج، محطات أساسية في تاريخه النضالي.
كنت أيضا أعرف أنه الرجل الثاني في الجبهة.
ليس هذا فحسب، بل قرأته مرة أو أكثر، سياسيا وفكريا، من خلال اطلاعي على مقابلات صحفية أجريت معه، نشرت في كتيبات اثناء الانتفاضة الأولى.
ليس غريبا علي ذلك، فهو ضيف خفيف الظل، واسمه كان قد سبقه الى الوطن بعشرات السنين قبل مجيئه اليه.

كنت قد شاهدته ذات مرة عن بعد، اثناء دراستي في جامعة بيرزيت، حيث استضافته ادارة الجامعة، ومن ضمن برنامج الزيارة كان قد تم تنظيم لقاء مفتوح مع طلبة الجامعة.
لقاء مفتوح مع الرفيق أبو علي مصطفى، فرصة لا تعوض لسماع موقفه وآراءه في قضايا سياسية.
والأهم من ذلك، سماع ما سيقوله بشأن عودته الى الوطن، في ظل اتفاقيات أوسلو التي ترفضها الجبهة الشعبية.
لماذا عاد، ماذا يفكر أن يعمل، هل سيلملم أوضاع الجبهة؟
عودته الى الوطن، كانت مثار خلاف في الرأي!
مثار خلاف بين الرفاق أنفسهم، فمنهم من أستعد لاستقباله، واخرون على مضض.
دقائق من دخوله قاعة كمال ناصر، حتى امتلأت القاعة بالطلبة من كافة الأطياف والألوان السياسية.
قدمته ادراة الجامعة بكلمة أتذكرها حتى الآن، بأنه رغم عدم حمله لشهادة جامعية الا أنه تقدم في صفوف الجبهة بسرعة كبيرة، حتى وصل منصب نائب الأمين العام الى منصب الأمين العام للجبهة.
كان الطلبة يومها بانتظار توجيه وابل من الأسئلة، خاصة بعض الرفاق.
وأتذكر سؤالين، هما: كيف قبلت العودة الى الوطن تحت سقف أوسلو؟!
لماذا قبلت هدية من السلطة الفلسطينية، سيارة "بنمرة حمرا" ؟!
في الرد على السؤال والسؤال، كان يضع النقاط على الحروف.

اجاباته كما يبدو كانت كافية، لكن ليس في قاعة كمال ناصر فقط، بل حين قدم اجابة مشفوعة بالدم، أنه عاد للوطن ليقاوم.
كان صباح 27-8-2001، يوم مليء بالنشاط والعمل في مكتب المجلة، ففي هذا الوقت من نهاية كل شهر تدفع المجلة الى المطبعة.
يومها حل علينا الخبر كالصاعقة، لم نتحدث مع بعضنا، ولم نسأل ماذا يجري، وماذا سيحدث، فالحدث كان أكبر من السؤال، ومن أصابه الحدث، كان كما عرفت من يدفع لنا أحيانا بافتتاحية مجلة الهدف.
وكنت قد سألت ذات مرة، من يكتبها؟
فأفكارها، ومضمونها، وأسلوبها، يحفزك على السؤال.
الجواب: الرفيق أبو علي مصطفى.
لكن هذه المرة، كان هو حدث افتتاحيتها!!!
انه ضيف المجلة، خفيف الظل.


[الصفحة السابقة]