|
ابو علي الكلمة والموقف
لم أجد ونحن نتهيأ لاستقبال الذكرى السنوية لاستشهاد
القائد الرمز أبو علي مصطفى عبارات تفي هذا القائد حقه وتدلل على حضوره
الدائم أفضل من استعراض مجموعة من المواقف التي صاغها وأعلنها حول العديد
من القضايا الوطنية المفصلية..
وأقول تدلل على حضوره لان عنوان هذه ألمقاله يمكن أن يقال كإسقاط للعواطف
أو المشاعر الفياضة الصادقة نحو أي فقيد ، لذا وحتى يكون الحضور واقعيا
ومفيداً لا بد أن يرتبط بمواقف ظلت تعبر عن ضرورات وشروط لدفع عجلة الثورة
والقضية خطوات للامام ، وكثيرة هي المواقف التي تجعل من الشهيد الظل الذي
يرافق الرفاق والحزب والمؤسسات الوطنية والشعب، فشمولية تميز أبو علي
تجعلنا نحتار في اختيار المواقف المراد عرضها سواء تلك التي تتعلق بشخصيته
أو أنماط سلوكه الثوري المنسجم والتلقائي غير المصطنع أو مواقفه السياسية ،
ولا أبالغ حين أقول أو اصرخ إن أبا علي ترك شاغراً على المستويين الحزبي
والوطني من الصعب أن يملؤه احد لكن ما يعزينا انه ترك لنا للجبهة والحركة
الوطنية الفلسطينية رصيد تجربه ورؤية تظل ضرورية للسير على طريق تدشين
الانتصار وتحقيق أهداف شعبنا الوطنية ، وفي هذه الأسطر القليلة يهمني أن
اؤكدعلى ما أجده راهناً وملحاً .
فور عودة الشهيد إلى ارض الوطن وفي أول خطاب له في
مدينة رام الله في حفل الاستقبال الذي أقيم في سرية رام الله الأولى ومن
على منبرها الذي نعتز به صرح الشهيد : " أن المفاوضات الجارية لا يحكم
نتائجها براعة المفاوض الفلسطيني آو عدد أعضائه بل موازين القوى الفاعلة
على الأرض وإطارها ومرجعياتها "واستناداً إلى هذه الحقيقة السياسية دعا
الرفيق القائد والرمز إلى وقف المفاوضات الجارية التي لا تشكل سوى هدراً
للوقت وتبقي عوامل الانقسام في صفوف الشعب وحركته الوطنية قائمة ،كما دعا
إلى إجراء مراجعة نقدية سياسية عبر أوسع إطار وطني شامل لرسم الرؤية
السياسية النضالية التي تمكن شعبنا وقيادته من إجراء التعديل الضروري
لموازين القوى والتي تجعل من أية مفاوضات إطارا غير مفروضاً على شعبنا
والية لتحقيق أهدافه الوطنية في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته
المستقلة وعاصمتها القدس .
هذه الدعوة جاءت في الثلث الأخير من عام 1999 ، وبعد ما
يقرب السنة وفي أول امتحان جدي وحقيقي للمفاوضات في كامب ديفيد 2000 انهارت
وكأنها عماره من ورق ، وجاء الرد من الشعب حاسما وواضحاً عبر انتفاضة
الحرية والاستقلال في أيلول عام 2000 . فلماذا نكرر نفس الدورة العقيمة تحت
مسمى جديد "خارطة الطريق" الم تكن تجربة 7 سنوات من مفاوضات اوسلو كافية
لاستخلاص الدروس ، وإذا كانت الجولة السابقة عفوية فهل يعني الإصرار على
تكرار التجربة إن وراء ألاكمه ما ورائها . وأبو علي السياسي المتمرس لا
يطرح مواقف جزئية بل مشروعاً متكاملا ، لذا أردف استكمالاً قائلا بصوته
الجهوري " أن استخلاص الرؤية السياسية الصائبة يجب أن يستكمل ببناء أداته
القيادية منظمة التحرير الفلسطينية ، أداة وحدة شعبنا وقضيته وقيادته
المكافحة واستكمالاً لذلك لا بد من تفعيل منظمة التحرير ومؤسساتها لتلعب
دورها القيادي الحقيقي لشعبنا ونضاله " واستذكر قائلا لكن عن أي منظمة
تحرير نتحدث ؟؟ أنا لا أتحدث عن منظمة التحرير التي همشت لصالح السلطة
وتأكل دورها وأفقدت هويتها عبر دمجها بما يسمى اليوم تعسفاً القيادة
الفلسطينية ، هذه القيادة الجسم الهلامي غير محدد القوام الذي لا يعرف هل
هو قيادة الأجهزة الأمنية أم السلطة الفلسطينية أم غير ذلك ، إنني أتحدث عن
منظمة التحرير الهوية والعنوان والمضمون والوعاء التوحيدي لشعبنا في الداخل
والشتات ، هذه الأداة التي يجب أن يعاد لها لدورها الاعتبار عبر إعادة
بنائها وبطريقة وطنية وديمقراطية بدءا من إعادة تشكيل مجلسها الوطني وفق
آليات الانتخاب المباشر من الشعب حيث أمكن مروراً وليس انتهاء بانتخاب كافة
مؤسساتها القيادية ، وقيادة كافة المنظمات الشعبية المحيطة بها.ومع أن هذا
الاستحقاق كان ملحا على مدار سنوات الثورة ، وأصبح أكثر استحقاقاً بعد
اوسلو ، وغدا الاستحقاق الأكثر إلحاحا بعد انفجار الانتفاضة وصولا إلى
محاولات الإمبريالية لاستحداث "قيادة فلسطينية بديلة " تؤسس لنظام سياسي
جديد متماثل مع النظام السياسي التي تريده في الشرق الأوسط الجديد بعد
احتلال العراق ، مع كل هذه الضرورة لا زالت قيادة منظمة التحرير تراوح في
نفس المكان ولسان حالها يقول ليس لأنني لا أستطيع بل لأنني لا أريد ، نعم
فهي لا تريد وعلينا إذا أن نستذكر أن التغيير والإصلاح لا يكفي أن يكون
مقتصراً على الدعاوى والمطالب أو الاستجداء بل يجب أن يتحول إلى مشروع
نضالي بتجنيد القوى الشعبية لتحقيق إطار الضغط اللازم الذي يدفع القيادة
ويملي عليها ضرورات الإصلاح الوطني الديمقراطي الذي لم يعد متداخلا مع
نضالنا الوطني فحسب بل أصبح شرطاً لإحراز أي تقدم على صعيد نضالنا الوطني
التحرري . ورفض ابو علي القائد للمفاوضات لم يتركه عائماً دون ان يضع
البديل ، فتعهديل موازين القوى لا يحدثة قوة المنطق بل منطق القوة ورافعته
العودة للنضال والمقاومة الشعبية وتفعيلها ففي الوقت الذي دعا فيه الى
اعادة ملف القضية الوطنية الى الامم المتحدة اطاراً ومرجعية وقرارات
للمفاوضات ، فقد استذكر ان الوصول لهذه المحطة وتحقيق هذا النقل يستلزم
احداث توازن جديد للقوى عبر المقاومة الشعبية والنضال ليصبح حاجة للعدو بعد
ان يصبح مشروع احتلاله للاراضي الفلسطينية خاسراً ، وما دعا اليه الرفيق
الشهيد اصبح واقعاً في الثامن والعشرين من ايلول عام 2000، بعد وصول
مفاوضات اوسلو الى مآلها المحتوم بالفشل ، لذا وهو القائد المنسجم انتقل
الى الميدان ليكون في مقدمة صفوف المسيرات الشعبية ،بل واكثر من ذلك فقد حث
الرفاق بعبارات تعبر عن صدق واخلاص طبيعيين ، وصرخ في الذكرى الثالثة
والثلاثين للانطلاقة والثالثة عشر للانتفاضة الشعبية ، بصوت عالٍ مدو بعد
ان حيا كتائب المقاومة وتشكيلاتها موجهاً كلامه الى الرفاق مردداً احدى
هتافات الانتفاضة " هذه المره اخر مره يا احتلال اطلع بره" كررها اكثر من
مره ان الانتفاضة الراهنه يجب دعمها واسنادها لتكون الرافعه التي تقود
شعبنا نحو جادة انهاء الاحتلال واحراز الاستقلال الوطني الحقيقي في دولة
ديمقراطية ذات سيادة . واستطرد القائد الشهيد محررا عباراته من من كلاشيهات
الدبلوماسية التي عادة ما يلجأ اليها غيره من القادة حتى لا يتهم بالتحريض
على العنف " اطلقوا النار ايها الرفاق ، اطلقوا النار بقوة على رؤوس
اعدائكم ، على رؤوس جنوده ومستوطنية " وكان القائد التاريخي الاول الذي
يقدم نفسة كمشروع شهيد ، وعليه لم يكن مفاجئاً او مستغرباً ان يلجأ العدو
في ذروة تصعيد عدوانه على شعبنا ان يكون ابا علي القائد التاريخي الوحيد
الذي تستهدفه صواريخ طائرات الاباتش الصهيونية .
هذا جزء يسير من مدرسة ابو علي الثورية مدرسة الفكر
المقترن بالممارسة الخلاقة الابداعية ، التي تمتلك ميكنزمات واليات تطورها
الداخلي ، والتي يجعل كل ركناً من اركانها شهيدنا وقائدنا الوطني والقومي
الحزبي حاضراً بيننا على الدوام نستمد منه العزم، فعلى هدى ووحي تعاليمه
انخرطت الجبهة عميقاً في تربة الشعب ، وبوحي كلماته الصادقه الثورية تدفقت
الدماء الحارة في شرايين الرفاق وضاعفوا فعلهم الانتفاضي والمقاوم ، وكما
كانت محطات لقاء الرفاق بقائدهم مناسبة للتزود بالوقود والحراره اللازمة
لتفعيل دورهم الكفاحي ، فقد كانت محطة استشهاده مرجل حراري ضخم ايقظ الرفاق
والاصدقاء وعموم الشعب الى خطورة مخطط العدوان الصهيوني ، لذا لا عجب ان
يكون رد الجبهة وان لم يكن كافياً هو الاطاحه باحد اركان صانعي قرارات
العدوان ، والاغتيالات لمناضلي شعبنا وقيادييه واطفاله ونسائه، رمز
العنصرية والتطرف الصهيوني المجرم رحبعام زئيفي ، واذا كان الرد المباشر
للجبهة هو الاطاحه باحد رموز الاجرام الصهيوني ، فان الرد الحقيقي المناسب
والملائم والمترجم بعبارات العهد والوفاء للشهداء عموماً ،للقادة الشهداء
الذين تقدموا الصفوف ، هو الاستمرار بالمقاومة وابقاء الاشتباك مفتوحاً مع
العدو حتى الاطاحه برأس الاحتلال الجاثم على صدور شعبنا وتحقيق الاهداف
الوطنية التي قضوا من اجلها .
هذا هو عهد الجبهة المكتوب بدماء ابا علي وابا جهاد
وعياش وجيفارا وغسان وربحي حداد ونزال ونضال سلامه ودلال المغربي وشادية
ابو غزالة وتغريد البطمه وكل قوافل الشهداء مسيره على امتداد ثورته الوطنية
في مواجهة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني لفلسطين .
احمد سعدات
الامين العام
للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين |