بيت لحم لا زالت محاصرة

حظيت بيت لحم قبل نحو أسبوعين بما سمي بالانسحاب الإسرائيلي منها. وتسلمت القوات الفلسطينية السيطرة الأمنية عليها والأصح على أجزاء قليلة منها، فيما بقي الجزء الأكبر من محيطها في قبضة الاحتلال والأصح في قبضة الاستيطان، وهناك إجماع شعبي بل ورسمي ان الانسحاب شكلي فالجنود متمركزون حول نواحيها الاربعة، ويتحكمون بمن يدخلون من المواطنين ومن يغادرون.

وسط هذه الأجواء والمشاعر الحزينة تصاعدت الهجمة الاستيطانية على أراضي المحافظة، ويدل على ذلك ما يدور في الآونة الأخيرة من أعمال تجريف في منطقة الخضر وأراضي قريتي النعمان والخاص شرقي المدينة والبالغة مساحتهما خمسة آلاف دونم، فيما يبلغ عدد سكانهما ألف نسمة، حيث قامت السلطات الإسرائيلية ببناء جدار الفصل العنصري في أراضيهما والذي سيؤدي إلى فصل القريتين عن بعضهما البعض من جهة وعزلهما وأراضيهما داخل السور الفاصل وبالتالي ضمهما إلى مستوطنة هار حوموماه المقامة على أراضي مدينة بيت ساحور والتي أصبحت تحد من القدس، وإذا ما استمر الإسرائيليون بذلك فإن المواطنين سوف يعانون من مخطط تهجيري خطير حسب ما يقول جمال الدرعاوي عضو لجنة الدفاع عن الأراضي ومواجهة الاستيطان ويضيف أن ما يحدث في القريتين هو استكمال لمخطط التهجير والتنكيل بحق الأهالي والذي بدأته إسرائيل منذ العام 48. ولكن بشكل مغاير عن قبل (55) سنة حيث انتهجت الحركة الصهيونية الترحيل المباشر بالقوة ومن خلال الشاحنات تنقل السكان عن أراضيهم وقراهم وتحت هدير الأسلحة، أما اليوم فاستخدمت إسرائيل أسلوبا آخر في التهجير من خلال بناء السور الفاصل والتضييق على السكان وتحويل حياتهم إلى جحيم لإجبارهم على الرحيل بصمت ودون ضجيج.

وفي شمال مدينة بيت لحم وبالتحديد في محيط قبر راحيل وفي الشمالي بأكمله تواصل قوات الاحتلال عزل هذه المنطقة عن المدينة لضمها إلى حدود بلدية القدس وبالتالي عزل المدينة بالكامل على اعتبار أن الحي الشمالي هو المدخل الأساس نحو القدس وهي تضم خمسة آلاف مواطن وبها كنائس ومساجد ومشفى للأطفال بالإضافة إلى العشرات من المحلات التجارية والمصانع، وإلى جانب كل ذلك فإن مشروع الإسكان التابع للروم الأرثوذكس في مدينة بيت ساحور مهدد بالهدم وبتهجير أكثر من 50 عائلة فلسطينية تقطن هناك بدعوى وقوعه في مخطط الجدار الفاصل من جهة مدينة بيت ساحور هذا عدا عن عمليات المصادرة وأعمال الشق لآلاف الدونمات من أراضي الريف الشرقي والغربي، وأعمال التوسع المحمومة لمجمل المستوطنات المقاومة على أراضي المحافظة على حساب الأراضي العربية.

ووسط هذا المخطط الخطير تخرج حكومة إسرائيل لتدلي أن انسحابها من مناطق (أ) في بيت لحم يأتي في سياق التزامها بعملية ما يسمى السلام ومن قبيل حسن نواياها، فادعت أن فتح طريقة ما يعرف بالـ (55) الواقع في رأس مدينة بيت جالا أمام حركة السيارات والمغلق منذ الانتفاضة ليربط بيت لحم وقرى العرقوب الغربية بدون استخدام الطريق الرئيس بل طريق ترابي وعر وطويل المسافة يأتي في هذا السياق كما يؤكد المواطنين الذين يتنقلون ما بين هذه القرى وهي بتير وحوسان ونحالين ووادي فوكين وما بين بيت لحم هي طريقة آلام جديدة ففي الوقت الذي تستغرقه المسافة الطبيعية بين هذه القرى وبيت لحم نحو عشرة دقائق ستصبح أكثر من (45) دقيقة هذا عدا عن وعورتها، بالإضافة إلى التكليف الباهظ لمواصلات حيث تبلغ أجرة المسافر عشرين شيكل في هذه الطريقة ذهابا وإيابا بينما تبلغ في الطريقة الأصلية أربعة شواقل فقط، فعن أي تسهيلات تتحدث إسرائيل، يسأل المواطنون.

من جانبه أشار حنا ناصر رئيس بلدية بيت لحم على أن ما يحدث لبيت لحم ومحيطها مخطط خطير يستهدف تاريخها ومستقبلها لتتحول إلى كانتون مغلق فهذا المخطط يمنع الهواء والماء عن المدينة ويعزلها بالكامل عن محيطها، مشددا على أن بلديته احتجت لحاضرة الفاتيكان على ذلك.

مؤكدا أن ذلك ليس بمكانتها الدينية والسياحية فهي عاصمة العالم المسيحي وشع نور اليسوع منها قبل ألفي عام ونيف، ومع ذلك فهي محاصرة إنها مصدر النور إلى العالم فهي اليوم مظلمة وتحتاج إلى من يضيئها.


[الصفحة السابقة]