الأسرى الفلسطينيون!
قوة الدفع.. وقوة الإعاقة!

منذ إعلان فصائل المقاومة الفلسطينية (هدنة الثلاثة شهور)، وقضية الأسرى الفلسطينيين تتدحرج ككرة الثلج، يزداد حجمها وتتضاعف سرعتها.
وأكاد أجزم أن ليس هناك شعب تحتل فيه قضية المعتقلين تلك المكانة المركزية مثلما هو حاصل مع الشعب الفلسطيني. فليس هناك أسرة فلسطينية تقريبا لم يتعرض أحد أفرادها أو أكثر للاعتقال منذ بداية الاحتلال وحتى اليوم، الأمر الذي أوجد بيئة نفسية اجتماعية شاملة حول الأسرى باتت تمثل سمة عامة للمجتمع الفلسطيني وحاملا لمأساتهم.

لقد أصبح الاعتقال في وعي الشعب الفلسطيني رمزا كثيفا للتضحية والمقاومة، قيمة اجتماعية في سبيل الحرية والاستقلال، مما ارتقى بمكانة الأسير إلى مستوى المقدس، وأي مساس بمكانة هذا المقدس هو مساس بالكرامة الوطنية.
هذا الواقع وهذه الأبعاد وضعت غالبية الشعب الفلسطيني على تماس مباشر مع قضية الأسرى، إنها مأساة ملموسة ومباشرة وليست موضوعا متخيلا، ولهذا فهي عامل تحريض مستمر الفعل، الاحتجاج والتمرد، وكانت في العديد من المحطات أشبه بالشرارة التي تشعل سهل الصراع كله.
تزداد حساسية هذا الموضوع وتتضاعف كلما اقترب الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي من المفاوضات والدخول في المساومات.

ففي حين يصر الطرف الإسرائيلي على استخدام الأسرى كورقة مساومة سياسية، ويضغط في التعامل مع آلاف الأسرى "كقتلة وإرهابيين"، ويقوم بتصنيفهم ما بين أسرى أيديهم ملطخة بالدماء وآخرين أيديهم نظيفة أسرى "المعارضة" وأسرى "السلطة" فإنه بذلك يستفز كل عناصر وعوامل رد الفعل الشعبي الشامل ويضع نفسه من البداية في حالة تناقض جذرية مع رؤية ومواقف الشعب الفلسطيني برمته والذي يرى في الأسرى تاريخيا وقود المقاومة وتجسيد يتم الانتفاضة والنضال من أجل الحرية.

اليوم، وبعد الدخول في تطبيقات خارطة الطريق، وإعلان الهدنة، تعود قضية الأسرى قضية 8000 أسير فلسطيني إلى المقدمة، إنها تعلن عن حضورها السياسي الاجتماعي من جديد إنها تتقدم على المساومات السياسية والاستحقاقات الأمنية التي تحاول إسرائيل حشر الطرق الفلسطيني في نفقها الضيق.

وبما أن الحديث يجري عن هدنة كمقدمة ضرورية للتقدم نحو السلام، فكيف ستستقر المعادلة وآلاف الأسرى لا يزالون وراء القضبان، بما يمثلوه من عامل تحريض واستفزاز لمشاعر الشعب الفلسطيني؟!
قد لا يدرك أطراف اللجنة الرباعية الأبعاد الاجتماعية والسياسية لهذه القضية وهم يحاولون تمرير خارطة الطريق بشقيها الأمني أولا والسياسي ثانيا، خاصة وأن إسرائيل تحاول باستمرار النظر إلى قضية الأسرى الفلسطينيين من زاوية المدخل الأمني – الاستخباري الضيق.

بينما الفلسطينيون يرون المعادلة من زاوية مختلفة تماما، فالدخول في أي عملية سياسية وأي ترتيبات أمنية والثقة بإمكانية السلام ما كان ليكون لولا المقاومة والتضحيات التي تتجسد في أعماقهم على شكل شهداء وآلاف الأسرى. وما دام الأسرى يمثلون هذه المكانة لكل قوة إذن من الطبيعي أن يكون إطلاق سراحهم دون تمييز أو مماطلة هو المدخل الأول لمد الجسور نحو السلام المنشود والأهداف السياسية، إنهم جسر العبور الملموس الذي ستشعر به آلاف العائلات الفلسطينية، عشرات الآلاف من الأطفال، الزوجات، الأمهات، الآباء، الأخوات والإخوة... هذا هو المدخل الوحيد الذي يدفع هذا القطاع الهائل من الشعب الفلسطيني إلى الخوف والأمل. أما الخطابات حول السلام والتنازلات السياسية الغامضة والابتسام أمام وسائل الإعلام فهو لا يعني عمليا أي شيء، خاصة، وأن ما يجري على الأرض منذ إعلان الهدنة قبل أسابيع على النقيض من كل الوعود، حيث يتواصل الاستيطان، مصادرة الأراضي بناء جدار الفصل العنصري، الحصار، التدمير، الحواجز، ورفض الاعتراف بالحقوق الوطنية. كما تنص عليها عشرات قرارات الشرعية الدولية.

وما دام الحال كذلك، فإن الثقة بالمفاوضات وبخارطة الطريق وبالسلام مهزوزة مسبقا وهكذا يصبح رفض تحرير آلاف الأسرى، والتعامل معهم كرهائن سياسية لابتزاز الطرف الفلسطيني، بمثابة ضخ المزيد من البخار في مرجل الواقع المضغوط أصلا، الأمر الذي يهدد بانفجار الوضع المأزوم بما يشبه التفاعل المتسلسل، حينها لن تجدي شيئا كل عبارات الأسف حول الفرص الضائعة.

قضية الأسرى بالنسبة للإسرائيليين عامل ضغط وابتزاز وهي بالنسبة للقيادة الفلسطينية والقوى السياسية الفلسطينية عنوان مصداقية ووفاء أمام الشعب الفلسطيني، والتمسك بها والدفاع عنها يمنح الشرعية لوجود واستمرار تلك القيادة والقوى إلى جانب تمسكها بالأهداف السياسية العليا للشعب الفلسطيني.

قوات الاحتلال الإسرائيلي تدرك هذه الحقيقة الضاغطة وخطورتها، ولهذا ليس صدفة تعنتها تجاه تحرير الأسرى، إنها محاولة لضرب العلاقة والثقة التي تربط بين القيادة والقوى السياسية الفلسطينية وآلاف الأسرى وحاضنتهم الاجتماعية، والبرهنة أن تلك القيادة والقوى عاجزتان عن تحريرهم، مع استعداد للمساومة على معاناتهم حفاظا على رأسها وبقائها أي مصيدة أكثر دهاء من هذه المعادلة.

تأسيسا على ما تقدم، يمكن التأكيد أن نجاح الدخول إلى اختبار خارطة الطريق ببعدها السياسي والأمني مرهون الآن بقضية الأسرى الفلسطينيين إنهم قوة الدفع في حال تحريرهم، وقوة الكبح في حال استمرار مأساتهم.
إنهم الاختبار الأول لمصداقية إسرائيل ورغبتها بالسير نحو السلام، وهم أيضا الاختبار الأول لصلابة القيادة السياسية الفلسطينية، التي باتت الثقة فيها مشروطة بقدرتها على النجاح في تحرير الأسرى كمدخل ابتدائي لمواصلة السباق نحو الأهداف السياسية، وإذا فشلت في ذلك فإنها ستقف ظهرها لجدار التعنت الإسرائيلي بينما وجهها في مواجهة عقبة وضغط الشارع الفلسطيني.

هذا هو التحدي الآن بعيدا عن مناورات السياسة وتكتيكات التفاوض استمرار الهدنة واستمرار دوران عجلة العملية السلمية مشروط بتحرير الأسرى الفلسطينيين إنهم الرقم الصعب والسهل في ذات الوقت. هكذا يراهم شعبهم، عبر سنوات النضال وأي محاولة خارج هذه المعادلة هي مجرد وهم! ومن لا يدرك هذه الحقيقة ليراقب فقط ردود فعل الشارع الفلسطيني.


[الصفحة السابقة]