المفكر السوري الطيب تيزيني: اي نظام كوني يقوم على استباحة العالم لن يستمر

كان صوت الدكتور الطيب تيزيني هو الصوت الوحيد الذي يسير عكس التيار، ففي حين طالب اكثر من مئتين وثمانين مثقفا سوريا في بيان لهم بإجراء تغييرات سياسية جوهرية في سوريا جاء صوته هو منفردا يطالب السلطة الرسمية لبلاده باصدار قانون جديد للاحزاب واخر للصحافة، وانتقد جمعيات المجتمع المدني واعتبرها تبالغ كثيرا في مطالبها بمكافحة الفساد وتعميق الحريات ودعم مؤسسات المجتمع المدني. واتهمها بأنها تتجاهل حقائق تاريخية وسياسية يرتكز عليها المجتمع السوري.

والدكتور تيزيني هو الذي طرح فكرة المجتمع السياسي بدلا من فكرة «المجتمع المدني» التي طرحتها جماعة المجتمع المدني واختلف معهم في هذا الطرح.
في هذا الحوار مع «الملف السياسي» يرى الدكتور تيزيني ان الولايات المتحدة الاميركية تسير نحو الانحدار والتصدع في كل شيء، ويقارن بين المجتمع الاميركي والمجتمع الاسرائيلي مؤكدا انهما متطابقان، فالاثنان مجتمعان «ملفّقان» بالمعنى الديمغرافي السكاني والثقافي، كما ان الاثنين يحتاجان الى وجود خصوم في الخارج يعتمدان عليهم للمحافظة على بقائهما، وفي مايلي نص الحوار:

ما سبب اصداركم بيانا منفردا في الطرح يطالب باجراءات وقوانين تختلف عن مطالب اكثر من 280 مثقفا سورياً؟
عند الحديث عن المجتمع المدني، فمن الخطأ ان نطالب بانجاز مثل هذا المجتمع بصورة سريعة في مجتمع يعاني من اشكال العلاقات الاجتماعية العشائرية والطائفية والاثنية.
المجتمع الاوروبي مثلا لم يصل الى تحقيق المجتمع المدني الا بعد اكثر من مئتي عام وبعد الكثير من الحروب، ومنذ سنتين دعوت وبصورة واضحة المجتمع السوري الى فتح الدائرة قبل ان يفتحها الاعداء، نحن لسنا بحاجة الى درس مروع ودموي من الاحتلال الاميركي للعراق حتى نصحو، المشكلة هي في مواجهة الواقع، والتأسيس للحرية الديمقراطية او التعددية.
ان دعاة المجتمع المدني كانوا يتحدثون عن مجتمع النخبة في حين ان الامر الاكثر حسما في هذه المرحلة هو من المخول باكتشاف اشكالات الواقع والعمل عليها، انا اذكر بما حدث في مرحلة سابقة في سوريا حينما الحت جماعة على ضرورة التأسيس للمجتمع المدني، ولم يأخذوا بفكرة كنت قد طرحتها، وهي اولا ان نبدأ بحرية الكلمة، اي بتأسيس خطاب اعلامي ينتشر عمقا وسطحا في اوساط الناس، الان نحن بحاجة الى هذا الأمر، وهذا يدخل فيما سميته المجتمع السياسي والملف السياسي الثقافي، ومن هنا يأتي التفاؤل التاريخي لكنه ليس تفاؤلا مجانيا.

ما هي الاهداف الحقيقية للمشروع الاميركي الذي يروج انه مشروع لنشر الديمقراطية في العالم العربي؟
سأبدأ بما نشر مؤخرا من ان اطرافا في الجيش الايرلندي اكتشفت اتصالات هاتفية بين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الاميركي جورج بوش إذ كانا يعرفان ان حوادث 11 سبتمبر ستأتي، هذا شيء مهم وان كان قد سبق نشر شي من هذا القبيل الان يأتي هذا الدليل من ان الامر كان يخطط له، اريد من هذا ان اقول ان الولايات المتحدة الاميركية التي كانت فعلا قد تأسست على حالة من الديمقراطية البرجوازية التي لها شيء من المصداقية، ومصداقيتها تكمن في التداول السلمي للسلطة في كوة الاقتراع بغض النظر عمن يستطيع ان يرشح نفسه لابد ان يكون من رؤوس المالكين للثروة، ولذلك نقول كان هناك نمط ديمقراطي بعد 11 سبتمر سادت في الولايات المتحدة حالة جديدة تتضمن باتجاه ابتلاع المجتمع الديمقراطي والتأسيس لمجتمع بوليسي، هذا ظهر في القوانين الجديدة، وفي انهاء المكتسبات التي كانت تملكها فئات من الشعب الاميركي مثل المكتسبات الصحية، ومكتسبات اجتماعية وجامعية تعليمية.
كل هذا بدأ يتصدع مع تصدع الدولة بوصفها كما كانت قبلا منظمة للمجتمع وان كانت منظما برجوازيا فمن مطالب النظام العولمي في الاساس تفكيك الدولة، وهذا ما يتم سواء في الولايات المتحدة الاميركية او في اوروبا لان النظام العولمي يستبدل الدولة بالشركات العملاقة.
واذكر عندما كنت في المانيا، برزت هجمة هائلة على وزير المالية الالماني، وكان في الوقت نفسه الامين العام للحزب الحاكم «الاشتراكيين الاجتماعيين» لقد فكر بأن يستعيد بعض ما سمي في الخمسينيات بدولة الرفاه، اراد ان يقول لابد من ان نصدر قانونا للضرائب يخفف من عبء الناس في القاع، ويرفع الضريبة اكثر قليلا على من هم في القمة، الدنيا قامت عليه، خصوصا من الشركات العملاقة، ووضعوه امام خيار هو والآخرون، اما ان يبعد هذا الرجل من وزارة المالية، ويبعد من الامانة العامة للحزب، واما ان تخرج الشركات العملاقة باتجاه اليابان، او الولايات المتحدة الاميركية.
هذا المجتمع الديمقراطي ودع ديمقراطيته، وتلك السمات والمكتسبات لم تعد موجودة لذلك اذا ما اراد بوش ان يقول يجب ان نعمم الديمقراطية، نسأله اما زلت محافظا على الديمقراطية في بلدك اولا؟!
أتى الحادي عشر من سبتمبر ليؤسس لهذا الامر، ويكرسه، الحادي عشر من سبتمبر أتى بوصفه فزاعة للناس، اما ان تكونوا معنا او تكونوا مع الارهاب، الدخول الى بغداد أتى امرا طبيعيا، لم يعد كذبة كما كان يشاع، اصبح حالة من حالات النظام العولمي، الذي يقوم على استباحة العالم ضمن ما سميناه السوق الكونية السلعية وهو ان نخضع العالم كله لهذه القانونية كقرية كونية واحدة فلم يعد هناك حديث لا عن حرية، ولا عن عقلانية، ولا عن حداثة.
هذه الدعوة العولمية تلاقت وتقاطعت مع دعوة ما بعد الحداثة حاليا وهي مذهب فلسفي جديد يقول بأن كل انماط البنيات التي تشكلت في التاريخ الغربي الحديث منذ القرن الرابع عشر من العقلانية، والديمقراطية وتاريخية انسانية، وفلسفة كلها استنفد اغراضه، وبالتالي علينا ان نعيده، وان نؤسس لحالة جديدة لا نعرفها، انها حالة من الفوضى، هنا تقاطع ما بين العولمة وما بعد الحداثة، لذلك فإن دعوى بوش بأنه أتى الى العراق من اجل التحرير والدمقرطة، هي دعوى اكثر مما يمكن ان نسميها دعوى «منحطة» تقوده الى المحاكمة، هي ليست دعوة غير اخلاقية فقط، نسمعها ونقول انها زائفة، انما هي دعوى اصبحت تؤسس لكون بوش وبلير ومن معهما للذهاب لمحكمة دولية تعاقبهما كمجرمي حرب اخذت بعدا جديدا.
لذلك هو خطاب هزيل الى درجة انه يحاكم الان بوصفه خطاب «الاجرام العولمي العالمي»، ولهذا لم نعد مدعوين الى ان نناقش هذا الخطاب بقدر ما اصبحنا مدعوين الى تصديعه، وتفكيكه عبر التأسيس لخطاب عربي جديد.
امامنا مرحلة جديدة للارتقاء الى مستوى مواجهة الخطاب الاميركي والبريطاني، الخطاب الاعلامي انه لم يعد يرقى الى مستوى المناقشة اصبح اكثر باتجاه كونه خطابا يقف امام محكمة أمن دولية.

تنتقل الولايات المتحدة في المنطقة الى مرحلة جديدة لم تعد تكتفي فيها بالابقاء على وضعها السياسي القائم والذي لا يتعارض في الاساس مع السياسة الاميركية، فماذا يعني هذا التوجه الجديد في السياسة الاميركية، ولماذا كان؟
من خلال زيارتي لمجموعة من المدن العربية خاصة منطقة الخليج العربي اكتشفت وجود حالة جديدة تختلف تماما عما يكرسه النظام في تلك الدول، واظن ان الولايات المتحدة بدأت تكتشف ما أخذ يؤرقها، بمعنى ايجابي، او سلبي، بالمعنى السلبي كما تراه، اكتشفت مثلا في السعودية ان هناك خطابا اصوليا يؤسس لفكرة الجهاد، وهذا بالنسبة اليها سلبي، في ابوظبي كما عشت الأمر، اكتشفت ان هناك نظاما يكاد يكون نظاما يدعو الى العلمانية والديمقراطية والوطنية والقومية المفتوحة.
اذن فالولايات المتحدة الاميركية تكتشف انها الان امام استحقاقات جديدة ما كانت واردة اطلاقا في اذهانها، كانت تركن الى ان المجتمع العربي مجتمع راكد، ساكن غير قابل للتغيير، وبالتالي فهو يؤسس لما تطمح إليه، اضف إلى ذلك الانتفاضة وهو أمر مهم، منذ نشأة الانتفاضة وأنا اراهن عليها بوصفها أحد مداخل المشروع العربي الجديد. الانتفاضة التي لا تزال موجودة، وفي ظني ستبقى لأن وجودها يعني البديل عن كل شيء، وغيابها يعني انه لم يبق شيء بعد. الانتفاضة وانتصار الجنوب هذه الظاهرات كلها بالإضافة إلى ما بدأ يحدث في الولايات المتحدة انطلاقاً من سياتل التي اخذت تطالب باسقاط النظام العولمي اقتصادياً على الأقل هذه الظاهرات كلها، أخذت تؤرق الولايات المتحدة، وتجعلها تكتشف أن عصرها ربما بدأ بالانحدار بشكل أو بآخر.
ان ما كانت تسوغه الولايات المتحدة قبل تفكك الاتحاد السوفييتي وهو الباس كل الأحداث والمشكلات في المجتمع الأميركي على السوفييت والشيوعيين قد سقط الآن فأصبحت المشكلات تناقش من حيث هي، ولم يعد ممكناً ان يقال ان هذه التظاهرة هي بارادة الشيوعية. الولايات المتحدة بدأت في التصدع الاقتصادي والسياسي والثقافي، اضافة إلى ان المجتمع الأميركي لا يختلف عن المجتمع الإسرائيلي من حيث كونه مجتمعا ملفَّق بالمعنى الديموغرافي السكاني، والثقافي.
وبالتالي فإن هذا المجتمع يحتاج بالضرورة إلى خصوم منتجين دائماً في الخارج، لأن وجودهم سيسهم في المحافظة على هذا الالتحام الداخلي. اذا ما سقط، فإن شيئاً من التخلخل سيحدث، وبالتالي مفهوم السلم مفهوم غير محكم بالنسبة إلى المجتمع الأميركي. والمجتمع الصهيوني. كل هذه العوامل أسست لفكرة حاسمة هي أن الولايات المتحدة لم تعد تحتمل العالم الراهن، وعليها ان تعيد بناءه، وان ذلك سيكون في سياتل. المجتمع العولمي الذي أسس له من خلال ثورتي المعلومات والاتصالات، جعل عولمة العالم أمراً ممكناً خصوصاً بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة.

الشركات العملاقة

ذكرت ان الشركات العملاقة حلت محل الدول في النظام العولمي، والمعروف ان كثيراً من هذه الشركات تعود ملكيتها إلى يهود فأين تتقاطع هذه التحولات مع محاولات الصهيونية الهيمنة على العالم؟
النظام العولمي نظام مؤسس على ركائز اقتصادية سياسية، تاريخية. اتى هذا النظام وفق فواعل داخلية، لكن يمكن ان نقول ان الفكر الصهيوني والشركات الصهيونية اليهودية العملاقة اكتشفت ذلك وعملت فعلاً على ان تدخل فيه، ودخلت هذا يماثل الموقف العربي السابق من إسرائيل، والمشروع الصهيوني الذي أسس في اوساط العرب القول بأنه مشروع تلمودي ايديولوجي وهو ليس كذلك، انه مشروع سياسي. والمشروع الصهيوني في أساسه لم ينشأ في أوساط يهودية، بل نشأ في اوساط بروتستانتية بريطانية. مما يعني أنه ذو طابع سياسي أولاً. بعد ذلك نكتشف أهمية الايديولوجيا التلمودية ـ التوراتية.
هذا ما يحدث الآن. يقال ان المشروع العولمي هو مشروع يهودي وهذا شكل من اشكال اقصاء الفهم العميق للأسس التاريخية للعولمة، والمشروع الصهيوني.
ان هذه العلاقة وظيفية وليست بنيوية ولا أدري ما ان كانت هذه العلاقة ستمتد إلى ان تصبح علاقة بنيوية، لكن في أساسها التاريخي، هي علاقة وظيفية.

بدائل جديدة

إلى أي حد يمكن القول ان تراجع الشركات العملاقة والنظام الرأسمالي في المكاسب الصحية والاجتماعية التي تحققت نتيجة لوجود النظام الاشتراكي يسهم في استعادة الوعي بأهمية الحل الاشتراكي؟
هذا سؤال يتصل مباشرة بفكرة استعادة المشروع الاشتراكي هذا أمر يذكرني بلقاء حدث في باريس عام 1998 وكان مكرساً للاجابة عن السؤال التالي: إلى أين الفكر الاشتراكي والماركسية تخصيصاً؟ والمجتمعون كانوا من كل الاطياف الثقافية، الفكرية والسياسية فكان هناك شبه اجماع كلي على ان هذا المشروع الاشتراكي الذي سقط لم يجب بالاصل عن الاسئلة التي كانت. الفكرة التي اسست له قد انتجته، أي ان المشروع الاشتراكي لم يجب عن اسئلته لأنه سقط تقريباً مع بدايات تشكله، ذلك لان المجتمع الاشتراكي السوفييتي الجديد بدأت عملية ابتلاعه من الداخل مباشرة. فالمجتمع اخذ يبتلع من الحزب الشيوعي، والحزب الشيوعي بدأ يبتلع من اللجنة المركزية واللجنة المركزية من المكتب السياسي، والمكتب السياسي من الأمين العام القائد.
في البدايات كانت عملية التأسيس للهزيمة والتفكك قد افصحت عن نفسها، وظهر أن غياب أهم عوامل التماسك في المجتمع الجديد صفيت شيئاً فشيئاً، وهي الديمقراطية التي تعني الاقرار بالتعددية، وهي تعني التداول السلمي للسلطة. وليس هناك قادة ابديون مخلدون، وانما هناك حراك سياسي، ثقافي ينتج رجاله دائماً.
فإذا كان النظام الاشتراكي لم يُجب عن اسئلته فكيف يجيب هذا النظام العولمي عن اسئلة البشرية. والمفكر الاميركي من اصل ياباني فرانسيس فوكا ياما بذكائه وقع في خطأ كبير حين اعتقد ان التاريخ انتهى، واختزل إلى الولايات المتحدة، كيف قال لست من الحماقة بحيث اقول ان الزمن التاريخي سوف يقف، الزمن مفتوح لكن التاريخ بمعنى تشكل النظم الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية هذا انتهى، وبالتالي الولايات المتحدة الأميركية ستبقى قادرة على الاجابة عن المشكلات التي ستنشأ فيها، وفي غيرها مما هو قبلها من النظم السابقة.
الاجابة مثلاً عن مشكلة البطالة، المخدرات، الدمار الثقافي، الاجابة عن موقع النظام الاجتماعي الاقتصادي غير نظام الولايات المتحدة. الآن فتحت العملية ليقال لفوكوياما انك لم تكن مصيباً، تبين ان هناك احتمالاً لاكتشاف اجوبة من نظام لابد ان يأتي بعد النظام العولمي الأميركي. ما حدث مؤخراً قدّم ادلة باهرة على ان النظام العولمي ليس إلا نظاماً طارئاً.
تبين انه مفكك، وأراد ان يرأب صدعه من خلال العالم، أي ان يكون العالم بمثابة برهان ودعم له، ها هنا نقول الرهان على المشروع الاشتراكي بدأ يمتد، بدأ يعود بصعوبات هائلة، والناس الذين احبطوا في فترة سابقة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، بدأوا الآن يستعيدون بعض الرواء. وهنا اقول ان الولايات المتحدة حينما دخلت العراق، وتجرأت للتأسيس، ولهذا العصر الأميركي ليس محتملاً ان يكون أبداً عصراً عالمياً ليس فقط من كونه متهافتاً من الداخل، انما لأن العالم لا يحتمل وجود قطب واحد. ونرى ما يحدث على صعيد الصراع بين أوروبا وأميركا. في رأيي هذا الانتصار الكبير للولايات المتحدة هو بداية نكوص جديد، لكن التاريخ لا يسير عفوياً كما يعتقد.
لقد اعتقد ان هناك حتميات مطلقة. كان يقال في حزب البعث وفي الحزب الشيوعي وفي الأحزاب التي اعتبرت تقدمية، قدر ان تتم الوحدة العربية، قدر ان نحقق الاشتراكية، ثم تبين انه ليس هناك اي قدر بهذا المعنى، انما هناك قانون مفتوح للتاريخ، الناس ينتجونه، وهم أنفسهم جزء منه. الحتميات حتميات تاريخية أزلية متحركة، وهذا ما يبشر فعلاً، لا اقول بالمعنى الأخلاقي، بالمعنى التاريخي بأن الدائرة فتحت جزئياً على الأقل، على بدائل جديدة غير هذا النظام العالمي الأميركي الذي نعيشه والذي يسبب كوارث عالمية.


[الصفحة السابقة]