مساعدات أميركا لإسرائيل
بثلاثة تريليون دولار خلال 55 عاماً

منذ نشأة الصراع العربي الصهيوني وظهور إسرائيل على أرض فلسطين، لعبت الولايات المتحدة الأميركية دوراً كبيراً و حساساً في إدارة و توجيه الصراع، لكنها في سبيل ذلك دفعت ثمناً باهظاً قدره بعض الاقتصاديين الأميركين بأكثر من ثلاثة تريليون دولار .

ففي مقال للاقتصادي الأمريكي البارز توماس ستوفر، الذي يعمل أستاذاً في جامعتي هارفرد وجورج تاون كتبه مؤخراً بعنوان "تكلفة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على دافع الضرائب الأمريكي ثلاثة تريليون دولار " كشف من خلاله مجموعة من الحقائق حول التكلفة الحقيقية لتبني الولايات المتحدة اسرائيل منذ نشأتها سواء على مستوى المساعدات المباشرة أو ما تكلفته الولايات المتحدة بسبب سياستها المتحيزة دائماً لإسرائيل.

ويشير ستوفر إلى أن حرب عام 1973 كلفت الولايات المتحدة على أقل تقدير 750 مليار دولار إلى تريليون دولار، و تضمن ذلك إنقاذ إسرائيل عندما وافق الرئيس نيكسون على إعادة تزويدها بالأسلحة الأميركية، وأن هذا التدخل هو الذي شجع العرب على حظر النفط وهو ما ضاعف التكلفة على أميركا، فبسبب نقص البنزين فقدت الولايات المتحدة حوالى 300 – 600 مليار دولار من إجمالي ناتجها القومي، كما تكلفت 450 مليار دولار أخرى على شكل استيراد نفط بتكاليف أعلى .

وتشير التقديرات الأميركية الرسمية إلى أن إسرائيل حصلت على 62.5 مليار دولار على شكل مساعدات خارجية  منذ عام 1949 ولغاية 1996. وهذا المبلغ يقارب تماماً المبلغ  الذي خصص من المساعدات الخارجية الأميركية  إلى جميع الدول الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى ودول أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مجتمعة والبالغ 62.497.800.000 دولاراً.

ولا شك أن هذه المساعدات كانت العنصر الرئيسي في إنشاء وتدعيم الدولة العبرية، فهي التي أمدتها بأسباب الحياة، ومولت لها شراء وتطوير الأسلحة وبناء اقتصاد حديث ورفعت مستويات المعيشة فيها بشكل مفتعل لجذب المهاجرين، وهو ما خلق في النهاية هذا الكيان السرطاني الذي أصبح له وجود على الأرض الفلسطينية من بعد عدم.

ونتيجة لهذه العلاقة الواضحة بين نشأة واستمرار إسرائيل وبين استمرار الإمدادات المتتالية من الولايات المتحدة فإن الأخيرة لا تتوانى عن تقديم المزيد من المساعدات في الحالات والظروف الصعبة التي تمر بها إسرائيل، وهو ما حدث في عام 73 و يحدث الآن بعد أن أصيب الاقتصاد الإسرائيلي بضربة كبيرة بسبب الانتفاضة الفلسطينية والظروف الدولية بعد أحداث 11 أيلول، والحرب على العراق .

ورغم أن المساعدات الأميركية المباشرة لإسرائيل بلغت في عام 2000م 1.92 مليار دولار وكان من المقرر أن تستمر في التزايد إلى مبلغ 2.4 مليار دولار سنوياً في عام 2008 ،إلا أنها وبسبب انتفاضة الأقصى التي استطاعت أن تضرب الاقتصاد الإسرائيلي بشدة قفزت في عام 2002 لتصل إلى ستة مليارات و420 مليون دولار طالبت بها الحكومة الإسرائيلية وغالبيتها مساعدات عسكرية.

وحصلت إسرائيل ضمن موازنة الحرب على العراق التي أعدتها إدارة البيت الأبيض على مليار دولار وضمانات قروض بمبلغ تسعة مليارات دولار، ومن المتوقع أن تطلب الحكومة الإسرائيلية هذا العام مساعدات بقيمة أربعة مليارات دولار على شكل معونة عسكرية إضافية و10 مليارات دولار أخرى ضمانات قروض.

من جهته قام الصحافي الأميركي فرانك كولينز، بمحاولة للكشف عن بعض المعلومات حول حقيقة هذه المساعدات مستعيناً بتقارير من  جهاز البحوث التابع للكونجرس ومصادر أخرى، حيث  دون جميع البنود الإضافية التي حصلت عليها إسرائيل والتي جرى إخفاؤها ضمن موازنات البنتاجون والهيئات الاتحادية الأخرى للسنة المالية 1993، واستخلص من ذلك وجود مساعدات إضافية تبلغ 1.3 مليار دولاراً ومبلغ إضافي قيمته 525.8 مليون دولاراً للسنة المالية 1996، ويمثل هذا متوسط  زيادة بنسبة %12.2 على إجمالي  المساعدات الخارجية المسجلة رسمياً لهذه السنوات. وإذا افترضنا أن إجمالي  المساعدات الفعلية من الموازنات الأخرى بلغ نفس القيمة، فإن إجمالي المساعدات الأميركية لإسرائيل منذ العام 1949 يصل إلى 83.204.827.200 دولار.

ويبدو أن دهاليز المساعدات الأميركية لإسرائيل متشعبة إلى حد يصعب معه رصد الأوجه المختلفة لها، لكن المؤكد أن إسرائيل تستفيد من كل ما يمكن أن يدر عليها مبالغ مالية، فعلى سبيل المثال  تقوم باستثمار أموال المساعدات الممنوحة لها  في  سندات الخزانة الأميركية، نظراً للامتيازات الخاصة الممنوحة لها والمتمثلة في حصولها على جميع مساعداتها السنوية خلال الشهر الأول من السنة المالية بدلاً من توفيرها على شكل أقساط ربع سنوية  على غرار متلقّي  المساعدات الآخرين، وهذا يعني أن الولايات  المتحدة،  التي  يتعين  عليها اقتراض الأموال التي تقدمها  لإسرائيل مقدماً، تدفع فائدة على هذه الأموال في حين تقوم إسرائيل في الوقت ذاته بتحصيل الفائدة على أموال المساعدات الممنوحة لها. وبإضافة الفائدة  المحصلة من الدفعات المقدمة لها سلفاً والبالغة 1.65 مليار دولار إلى إجمالي المساعدات يصل مجمل هذه المساعدات إلى حوالى 84.854.827.000 دولار منذ العام 1949، أي حوالى 14.346 دولار  لكل إسرائيلي.

وبجانب كل هذا تقدم الإدارة الأميركية الضمانات على القروض وإعفاءات ضرائبية للتبرعات المقدمة من مواطنين أميركيين يهود وقد وصلت إلى ما يقدر بحوالى 30 مليار دولار منذ قيام إسرائيل.

يمكن أن نستخلص من كل الأرقام والمبالغ السابقة أن الولايات المتحدة كان لها الفضل الأول في بقاء الكيان الإسرائيلي على قيد الحياة ، وبالتالي فإن لها تأثيراً لا يمكن أن نقلل من شأنه على السياسة والحكومات الإسرائيلية بغض النظر عن اتجاه هذه الحكومات، وهو ما يؤكد أن الحكومة الأميركية بإمكانها أن تحقق نقلة نوعيه في طريق السلام في الشرق الأوسط إن أرادت ذلك وهو ما قامت به إدارة الرئيس الأميركي بوش الأب عندما مارست الضغط على حكومة شامير للقبول بالمشاركة في مؤتمر مدريد للسلام .

فمهما بالغت الحكومات الإسرائيلية في محاولة الظهور بمظهر الحرية في اتخاذ القرار السياسي إلا أن شريان المساعدات الأميركية التي تصب في الكيان الإسرائيلي وتبقية على قيد الحياة تجعل من أميركا الحاكم بأمره والموجه الأول والأخير للكيان الإسرائيلي إن كان لها رغبة في ذلك .


[الصفحة السابقة]